سياسة عربية

هل تقود محاولات سعيّد تعزيز سلطاته لانتفاضة جديدة بتونس؟

يُتهم الرئيس التونسي بأنه يحاول الاستيلاء على السلطة وقمع المعارضة- الأناضول
يُتهم الرئيس التونسي بأنه يحاول الاستيلاء على السلطة وقمع المعارضة- الأناضول

قالت وكالة "بلومبيرغ" الأمريكية؛ إن مقدم البرنامج التلفزيوني عمرو عياد كان يتوقع ردة فعل عندما استخدم منبره لتصوير الرئيس التونسي بالديكتاتوري الطامح، لكنه دهش من شدته.

وقامت الشرطة باعتقاله من بيته ببيجامته، ووضعوه في سيارة عند الفجر أمام زوجته وأبنائه، وقدموه أمام محكمة عسكرية بتهمة التشهير بالرئيس قيس سعيد وتدمير معنويات الجيش. وبقي في السجن لمدة سبعة أسابيع حيث قال: "عندها عرفت أن الانقلاب بدأ بتطبيق مشروعه الديكتاتوري".

 

واعتقل عياد لأنه قام بإلقاء قصيدة شعرية لشاعر عراقي يحلم بأنه يواجه الديكتاتور ويحقق معه. وبعد أشهر من اعتقاله عاد في 3 تشرين الأول/أكتوبر إلى بيته في المنستير بانتظار محاكمته ومنع من السفر.

 

وأنكر سعيد أنه يريد إقامة حكم الرجل الواحد وتعهد بحماية الحريات. ولكن الكثيرين رأوا في معاملة عياد ضوءا أحمر عن حالة الديمقراطية التونسية، وهي الإنجاز الوحيد للانتفاضة الشعبية في عام 2011 التي أطاحت بديكتاتور وألهمت ثورات في العالم العربي.

 

وبعد انتخابات فاز بها بأغلبية مطلقة عام 2019، يتهم أستاذ القانون السابق بأنه يحاول الاستيلاء على السلطة وقمع المعارضة بشكل يعيد أصداء أيام الرئيس الذي أطيح به، زين العابدين بن علي. ودافع سعيد عن قراره الذي اتخذه في تموز/يوليو بأنه ضروري لحماية البلاد من الفوضى والفساد. وقال للصحفيين في بروكسل يوم الخميس: "كما قال ديغول مرة: في هذا العمر لا يمكنني أن أصبح ديكتاتورا". ولم يردّ وليد الحجام، المتحدث باسم الرئيس على المكالمات الهاتفية أو الرسائل النصية للتعليق على التقرير.

 

ومع تضاؤل الحريات وانهيار الاقتصاد، هناك مخاوف من انفجار الاحتجاجات في كل البلاد. ففي الماضي كان التونسيون يستمتعون بحرية التعبير التي جلبتها الثورة، إلا أن نقاد سعيد يواجهون الآن المحكمة بسبب وضع منشور على فيسبوك، كما حدث مع واحد من أعضاء البرلمان هذا الشهر لأنه وصف تحركات الرئيس بالانقلاب.

 

وتواجه التظاهرات التي كانت علامة للحياة السياسية التونسية خلال العقد الماضي بسبب عدم قدرة الحكومات المتعاقبة على مواجهة مشاكل البلاد، قمعا متزايدا. وارتفع عدد حالات الاعتقال السرية لمن يعتقد أنهم معارضون، كما كشفت منظمة هيومان رايتس ووتش. وتأتي التطورات في وقت عصيب تشهده الزراعة والسياحة في هذا البلد الواقع بشمال أفريقيا.

 

واضطرت السلطات للجوء إلى صندوق النقد الدولي، بعد سنوات من سوء الإدارة التي ترافقت مع انتشار وباء كوفيد-19 لكي تقدم لها حزمة إنقاذ، تحتاج إلى اتفاق سياسي بشأن التخفيضات المؤلمة التي تأتي مع المساعدات.

 

وتراجع إجمالي الناتج المحلي بنسبة 8.8% عام 2020 ولم يكن التوسع كبيرا العام الماضي. وحذر المصرف المركزي التونس أن التعافي في 2022 سيكون "جبانا". وفي الوقت نفسه وصل التضخم إلى أعلى مستوياته من عامين في كانون الأول/ديسمبر.

 

ويواصل سعيد تجاهل نقاده والهجوم على مؤسسات الدولة الديمقراطية، فما بدأ في تموز/يوليو بتعليق للبرلمان وعزل لرئيس الوزراء، توسع إلى السيطرة على المحاكمات والحكم عبر المراسيم وتعيين حكومته بسلطات قليلة. وقام هذا الشهر باستبدال المجلس الأعلى للقضاء، الضامن لاستقلال مؤسسة القضاء بواحد خاضع لسيطرته. وفي يوم الثلاثاء عزل مدير الإذاعة الوطنية.

 

وحذر رئيس نقابة الصحفيين في مقابلة من "خطورة" وضع حقوق الإنسان. وفي هذا الشهر أظهرت القوى الغربية والأمم المتحدة موقفا نادرا عندما طالبت سعيد باحترام استقلالية القضاء، وبدون أن يكون هناك الكثير من الضغط الدولي عليه حتى الآن. ومع استمراره في توطيد سلطته؛ فهو يبعد الزملاء القدامى ويبدو أكثر عزلة.

 

وحدد الانتخابات البرلمانية نهاية العام الحالي واستفتاء على دستور 2014 في تموز/يوليو. ويقول يوسف شريف مدير مراكز كولومبيا العالمية في العاصمة تونس؛ إن الرئيس أحاط نفسه بأشخاص أذكياء، إلا أن "شخصيته المتقلبة لحكمه تعيق استقلالهم في تطبيق أي استراتيجية" و "من يفكرون بالاقتصاد ليسوا ضمن الدائرة المقربة"، أما رموز الأمن والشرطة وخبراء القانون والناشطون الذين دعموا تحركاته، فهم مقربون منه.

 

وصدم نهج سعيد مستشاره السابق عبد الرؤوف بالطبيب الذي استقال عام 2020 وانضم لاحقا لحركة أطلقت على اسمها "مواطنون ضد الانقلاب"، وقال: "لم أعد أعرف ذلك الرجل الذي عشت معه 40 عاما". وحتى النائب مبروك كورشيد الذي أثار جدلا عام 2021 عندما دعا إلى ديكتاتورية لينة تقوم باتخاذ قرارات حاسمة وتصلح الاقتصاد، يشعر الآن بالخيبة.

 

وقال؛ إن الرئيس لا يتحدث عن التنمية، ولكنه يقوم بخلق النزاعات بين الآخرين. ولم يستطع حزب النهضة الإسلامي المعتدل بناء تحالف مع بقية الأطراف السياسية، التي تشاكس معها داخل البرلمان على مدى السنوات الماضية وسط ركود الاقتصاد.

 

ولا يريد آخرون الارتباط بالنهضة الذي فقد "لمسة ميداس" كما تقول مونيكا ماركس، أستاذة شؤون الشرق الأوسط بجامعة نيويورك في أبو ظبي. مشيرة إلى أن الاتحاد العام التونسي للشغل لم يتخذ قرارات متناسقة، بل "كانوا بطريقة ما يساعدونه (الرئيس)".

 

وبعد عقد من ولادة الربيع التونسي، هناك مخاطر من غضب حقيقي جديد وواسع، لو لم يتحسن الاقتصاد. ويقول عياد: "يزعم سعيد أن الناس معه، وهذه كذبة كبيرة"؛ "فهناك شارع آخر يريد أمرا آخر".

التعليقات (0)