قضايا وآراء

قصص الرسل والرسالات في القرآن (4)

أحمد أبو رتيمة
1300x600
1300x600
لا تستجيب الأمم والأقوام إلى الرسل غالبا، بل تتصدى لدعوتهم وتحاربهم.

ويشير القرآن في مواطن كثيرة إلى حقيقة محاربة الأقوام لرسلها:

"أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ".

"وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنَّكم من أرضنا أو لتعودُنَّ في ملتنا".

من المثير للعجب في هذا الإنسان، إيثاره العمى على الهدى والضلال على الحق، والقرآن لا يجامل الإنسان حين يعالج حقيقته، فهو ليس كتاب علاقات عامة، وليس من تأليف سياسي حريص على استرضاء جمهوره، بل هو تنزيل من عزيز حكيم غني عن العالمين، لذلك يواجه القرآن الإنسان بحقيقته العارية، وهذه الحقيقة هي أنه ظلوم كفور، وأن أكثر الناس للحق كارهون وعن آيات ربهم غافلون.

الإنسان غالبا ليس كائنا عقلانيا؛ إن لديه قدرة التعقل لكن يحجبها بحجاب الهوى، ويؤثر المنفعة العاجلة حتى وإن كانت عاقبتها الحسرة والندامة والخسران، الحق ثقيل لذلك يعرض عنه أكثر الناس ويصدون عنه:

"وجعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا".

لذلك، فإن الرسل في التاريخ الإنساني هم صوت العقل وقد كانوا يخاطبون أقوامهم دائما: "أفلا تعقلون"! إنهم يدعون إلى التفطن إلى عواقب الأمور، بينما الناس لاهون غافلون في سكرتهم يعمهون:

"فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ".

يشير الخطاب الديني الشائع غالبا إلى الحقيقة الروحية للرسل والرسالات، وهذا حق، لكن هناك أيضا الحقيقة العقلانية في رسالات الرسل، فالفرق بين الرسل وأقوامهم المكذبين هو الفرق بين الحكيم والأحمق:

لم يكن الرسل وهم يدعون إلى عبادة الله وحده وينهون عن عبادة الأصنام يخوضون في مسائل لاهوتية غيبية، بل كانوا يناقشون مسائل حيوية ويتعاملون مع المسألة بمقياس نفعي، بعد توسيع معنى النفعية وتعميقها. فإبراهيم عليه الصلاة والسلام برر عبادة الله بالمنافع المتحققة له من ذلك، سواء في المدى القريب أو المدى البعيد:

"الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ* وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ* وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ* وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ* وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ".

أليست صفقة رابحة أن يلتجئ المرء إلى من خلقه ويملك له الطعام والشراب والشفاء، ثم يملك له بعد ذلك الخلود والمغفرة؟!

وبذات المنطق، يرفض الخليل عليه السلام عبادة الأصنام؛ لأنها لا تملك النفع والضر لمن يعبدها:

"قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ* قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ* أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ".

هذه هي طريقة الرسل العقلانية، ألا يخضع الناس لمن لا يرجى منهم النفع والضر والنصرة:

"أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ"، "لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ".

وفي سورة الأعراف استنكار لافتقار هذه الأصنام إلى عناصر القوة التي تؤهلها لنصرة من يتوسل إليها:

"أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ".

"قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً".

إن التحرر من عبادة الأصنام هو تحرر العقل من الخضوع للأوهام.

في العصر الحديث، صارت الحقائق أكثر خفاء؛ لأن الناس لم تعد تركع وتسجد لتماثيل حجرية بالطريقة السافرة التي كانت في الزمان القديم، لكن الحقائق الكامنة وراء الصور لم تتغير. فكل ما دون الله لا يملك ضرا أو نفعا أو رزقا أو نصرا كاملا؛ لأن قوته محدودة وتقلبات الزمن غير مأمونة. فقد يوالي أحدهم حاكما قويا أو حزبا أو عائلة، وقد يظن أن ماله وجاهه وقوته مانعته من الناس، لكنها موالاة هشة.

فقد تتقلب القلوب، وقد تتغير حسابات المصالح، وقد يتدخل عامل الموت وتبدل الأحوال وتداول الأيام بين الناس، وفي اللحظات الحرجة يجد المرء نفسه وحيدا مخذولا، قد انقطع عنه النصير ويجد الله فيوفيه حسابه: "فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ".

إذا، فالقرآن يعترف بالمنهج النفعي الواسع معيارا للتمييز بين الحق والباطل، فالأصنام باطلة لأن عاقبتها أن تخذل من يعبدها، وقضية الإيمان بالله رابحة؛ لأن الله وحده من يبقى متعاليا على تقلبات الزمان، وإبراهيم عليه الصلاة والسلام في رحلة سياحته في الملكوت رفض عبادة الكوكب والقمر والشمس لأنها آفلة: "قال لا أحب الآفلين". لقد كان يبحث عن الخلود.

وبذلك، فإن القرآن يوجهنا إلى الانتفاع من التاريخ، فالتاريخ هو ميدان التجربة الإنسانية التي يحق فيها الحق ويبطل الباطل، وإن من اللافت في القرآن كثرة الآيات التي تختتم بالدعوة إلى النظر في عاقبة المفسدين والظالمين والمكذبين. وكيف لنا أن نعرف عواقب هؤلاء دون القراءة العميقة في التاريخ الإنساني، وربط الأسباب بالنتائج، وهو العقل في لغة القرآن، أي أن نفهم الأسباب الحقيقية لزوال الممالك وهلاك الأمم من قبلنا، ونربط تلك الأسباب بالعاقبة التي حصدوها.

إن إضافة القرآن في قصص الرسل عبر التاريخ أنه يظهر السبب الأخلاقي الذي يغفله الماديون عادة، فلو سألت أكثر الناس عن أسباب زوال الحضارة الفرعونية أو الرومانية وغيرها، لأجابوا بالعوامل الاقتصادية أو الغزو الخارجي أو الكوارث الطبيعية، لكن القرآن يظهر العامل النفسي الذاتي المتمثل في الظلم والإفساد والترف والتكذيب بالحق.

رسالة الرسل لا تزال حيَّة في زماننا وفي كل زمان، هذه الرسالة تتلخص في دعوة الناس إلى التحرر من الأوهام، ودعوتهم إلى قراءة التاريخ والانتفاع منه عبر النظر في عاقبة الذين من قبلهم، ومحاكمة الأفكار الشائعة وفق مقياس الأنفع: "أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم". والقرآن يخبرنا بقانون وجودي أن ما ينفع الناس يبقى في الأرض: "فأما الزبد فيذهب جفاءً، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض".

بهذا الفهم، تتضاءل الفجوة بين التفكير الديني والتفكير المادي؛ فالتفكير الديني الشائع موغل في التطرق إلى قضايا غيبية بعيدة عن إحساس الناس، بينما التفكير المادي موغل في الحديث عن التجربة التاريخية والمنفعة المتحققة. لكننا إذا قرأنا القرآن ببصيرة، لعلمنا أنها معركة متوهمة بسبب سوء فهم كثير من المتدينين لدينهم، وبسبب استعلاء كثير من الماديين، فالقرآن لا يطرح الإيمان بأنه قضية منفصلة عن التجربة الإنسانية، بل يدعو إلى قراءة التاريخ والانتفاع منه، ويدلل على خطأ منهج المكذبين بالعاقبة التي وجدوها في الدنيا، ويدعو إلى فهم قضية الإيمان بمقياس نفعي، وينهى عن عبادة الأصنام، ليس لأن من يعبدها سيعاقب بالنار في الآخرة وحسب، بل لأن من يعبدها في الدنيا سيعيش حياة الوهم والخذلان.

إن الرسالة الجامعة للرسل عبر الزمان، هي إقامة العدل والقسط في الأرض: "لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ"، وهو مقصد متناغم مع الغاية الروحية المتمثلة في الإيمان بالله وحده وترك الأصنام. فمن آمن أنه لا يوجد آلهة على الأرض تمتلك امتيازات فوق البشر، فإنه سيؤمن أن العلاقات بين كل البشر يجب أن تقوم على قاعدة المساواة: "تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم"، فتحطيم الأصنام يعني تحطيم علاقات الطبقية والسادة والعبيد التي يتخذ فيها الناس بعضهم بعضا أربابا من دون الله.

إن قضية الرسل والرسالات ليست ذات طابع لاهوتي، بل هي قضية حيوية متجددة، وإن كلَّ من يشعر بالحرية الداخلية ويرفض الخضوع لمعادلة السادة والعبيد، ويدعو إلى أن تكون علاقات الناس مبنية على المساواة، فإنه يحمل أثرا من روح الرسل، لذلك جمعهم القرآن في سياق واحد: "إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ".

إن منهج قتل المرسلين وإخراجهم من أرضهم في الزمان القديم، هو ذات منهج قتل دعاة الإصلاح وسجنهم في الزمان الحديث، وهدف السلطات من محاربة هؤلاء هو رغبتها في المحافظة على المعادلة القائمة لما تحققه من امتيازات ومكاسب للطبقة المتنفذة. إنهم يرون في الرسول وداعية الإصلاح الخطر الذي يهدد شرعية وجودهم، ولأن وجودهم مبني على الظلم وغمط حقوق الناس، فإن مجرد الكلمة تزعجهم وتربك حساباتهم. وقد كانت الكلمة وحدها هي عُدَّة الرسل في مواجهة أقوامهم، ذلك أن تلك الكلمة تحرك الركود وتنبه المستضعفين إلى ميزان العدل الذي تعرفه فطرتهم، فتتحرك فيهم دوافع التمرد والرفض على واقع الظلم والفساد.

لذلك، كان الرسل ملتزمين بالنهج السلمي في التغيير المجتمعي رغم الإرهاب الذي يتعرضون له: "وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ".

فلو تورط أصحاب الرسالات في العنف لأعطوا الظالمين شرعية؛ إذ سيتحول المشهد إلى صراع وتناحر وسيكسبه الملأ لأنهم يمثلون القوة العميقة المتجذرة في المجتمع، بينما قوة الحق نابعة من ذاته. لذلك؛ فإن ميدان الحق الرابح هو المجادلة بالكلمة والحجة التي تعري أكاذيب الظالمين واختلال معاييرهم.

هذا قانون اجتماعي مطرد وليس مجرد قصص من التاريخ. الكفر في بعده الاجتماعي كان دائما مدفوعا برغبة المتنفذين في حماية شبكات مصالحهم وحماية المنظومة الفكرية التي تمنحهم الامتيازات التي لا ينعم بها المستضعفون، وفي كل زمان هناك من يقتدي بهدى الرسل فيدعو إلى الحق والعدل، وهناك المتنفذون الذين يحاربون الرسل ودعاة الإصلاح. وبين هذين الفريقين هناك أكثر الناس الذين يؤثرون التقليد على العقل وحالهم: "إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون".

twitter.com/aburtema
التعليقات (0)