قضايا وآراء

قتلوا نزار بنات لأنهم يخشون الصوت العالي

أحمد أبو رتيمة
1300x600
1300x600

في تصعيد لمستوى القمع الذي تمارسه أجهزة أمن السلطة الفلسطينية، اغتالت عناصر من الأمن الناشط الفلسطيني نزار بنات فجر الخميس (24 حزيران/ يونيو) بعد اقتحام المنزل الذي كان يتواجد فيه واصطحابه وضربه بهراوات حديدية، ثم الإعلان عن وفاته بعد أقل من ساعة من اختطافه.

نزار بنات هو أبرز معارض سياسي للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، وقد عرف عنه نقده الحاد للسلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس ورؤساء أجهزتها الأمنية. وشمل نقده الحاد المنهج السياسي للسلطة وفسادها، وكان آخر نقد وجَّهه للسلطة بشأن ما عرف بصفقة اللقاحات الفاسدة التي أعطت فيها حكومة الاحتلال الإسرائيلي السلطة لقاحات على وشك انتهاء الصلاحية مقابل أن تعطيها السلطة لقاحات جديدة ستتسلمها من منظمة الصحة العالمية. وهاجم نزار السلطة في تسجيل فيديو نشره على صفحته بفيسبوك وكان مما ذكره:

"هؤلاء الذين يحكموننا عصابة لا يفكرون بعقلية الدولة أو الشعب، هم قبيحون أوغاد، قبلوا بصفقة اللقاحات الفاسدة مقابل مصالح شخصية لهم. القيادة الفلسطينية طوال تاريخها مرتزقة تتاجر بكل شيء، تاجروا حتى بسلاح الثورة، لذلك فضيحة اللقاحات ليست جديدةً، السرقة واللصوصية متجذرة في قيادة السلطة".

وختم نزار بنات رسالته المسجلة بالقول: "نحن لسنا عبيداً عند النائب العام ولا عند رئيس الحكومة، والمواطن الفلسطيني الذي صمت على فسادكم يستحق ما تفعلون، لكني لن أسكت ولن أقبل أن يعيش أولادي عبيداً لأولادكم".

هذه الرسالة المشحونة بالغضب والثورة ترسم لنا ملامح شخصية نزار بنات، لقد كان حالة ثورة حقيقية. فرادة نزار بنات تتمثل في أنه إنسان يتميز بالوضوح والجرأة العالية، لا يجامل أو يهادن في مواقفه، لم يعرف تنميق الكلام والموازنة بين مبادئه ومتطلبات عيشه. كان منطلقا بأقصى قدر من الغضب والاندفاع للتعبير عن رفض واقع الهوان والفساد، ووصف الواقع دون تجميل أو تلطيف.

بالإضافة إلى جرأته الاستثنائية واندفاعه دون قيود أو حسابات، فقد تميز نزار بالثقافة السياسية والمطالعة التاريخية، لذلك مثَّلت الفيديوهات التي كان يتواصل من خلالها مع الجمهور عبر صفحته في فيسبوك وجبات مكثفةً من التوعية السياسية وبث روح الثورة في نفوس الناس، وربط اللحظة الحاضرة بالسياق التاريخي.

وقد كان نزار قبل ذلك بسيطاً فقيراً ينتمي إلى الكادحين ويعيل أسرته من مهنة النجارة التي يحترفها، لذلك كان يتحدث بصدق، وتتدفق كلماته من إحساسه بالوجع والقهر، فلم يكن في حاجة إلى تزويق الكلام وتنميقه.

لم يكن نزار شخصاً، بل كان حالة ثورة، وقد استشعرت السلطة خطورة هذه الحالة فحاولت تطويقها، فاعتقلته عدة مرات وأطلقت النار على منزله، لكن وسائل القمع لم تفلح في إضعاف حماسه الثوري. ويبدو أن السلطة اقتنعت أخيراً بأن هذه الحالة غير قابلة للتطويع فاتخذت قرار الخلاص منه، خشية نجاحه في إلهام الجماهير ودفعها إلى كسر حاجز الخوف، وهو ما يعني تهديد امتيازات الطبقة الحاكمة.

يقول الروائي الفلسطيني غسان كنفاني: "إن قضية الموت ليست على الإطلاق قضية الميت، إنها قضية الباقين". وهذا ما نفهمه من اغتيال نزار، فإن المستهدف منه هم الأحياء، لقد أريد لقتله أن يكون رسالة ترهيب دموية تقنع السلطة الناس من خلالها أن ثمن الشجاعة هو الموت، وأن من يتجرأ على إعلاء صوته ضد السلطة فإنه غير محصن من القتل. لقد أرادت السلطة من قتل نزار تعزيز أجواء القمع والإرهاب في أراضيها، وإقناع الناس بالاهتمام بمعيشتهم الخاصة دون أن يكون لهم موقف مؤثر في سلوك السلطة وفسادها.

هذه الجريمة ليست سلوكاً جديداً للسلطة، بل تعبر عن طبيعتها القمعية منذ ما قبل تأسيسها. وأقصد بما قبل تأسيسها تاريخ منظمة التحرير الذي شهد أيضاً عمليات اغتيال كثيرةً طالت المعارضين السياسيين في ظروف غامضة

هل كان اغتيال نزار بنات حدثاً شاذاً في سلوك السلطة الفلسطينية، أم إنه يعبر عن طبيعة هذه السلطة منذ اللحظة الأولى لتأسيسها؟

إن هذه الجريمة ليست سلوكاً جديداً للسلطة، بل تعبر عن طبيعتها القمعية منذ ما قبل تأسيسها. وأقصد بما قبل تأسيسها تاريخ منظمة التحرير الذي شهد أيضاً عمليات اغتيال كثيرةً طالت المعارضين السياسيين في ظروف غامضة، واغتيال ناجي العلي هو مثال واحد من أمثلة كثيرة. ربما لا تبدو هذه الطبيعة دائماً بهذا الوضوح، لكن في اللحظات الحرجة تظهر هذه الطبيعة القمعية.

منذ بداية قدوم السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة عام 1994 ارتكبت قوات الأمن الفلسطينية مجزرة مسجد فلسطين بعد صلاة الجمعة، بتاريخ 18 تشرين الثاني/ نوفمبر 1994، حيث فتحت قوات الشرطة النيران على متظاهرين خلال جنازة أحد الشهداء وقتلت اثني عشر واحداً منهم.

ولا يزال هناك تسجيل متاح على يوتيوب لمؤسس جهاز الشرطة الفلسطينية غازي الجبالي عام 1996؛ يقول فيه متوعداً حركتي حماس والجهاد الإسلامي: "سنقتحم المساجد وأماكن الزكاة والجامعة الإسلامية وسنجتث العناصر المتطرفة من جذورهم".

في عام 1996 اغتالت السلطة الفلسطينية عنصرين من حركة الجهاد الإسلامي، وهما عمار الأعرج وأيمن الرزاينة، كذلك وجهت أصابع الاتهام إلى أجهزة السلطة في اغتيال مهندسي كتائب القسام محيي الدين الشريف وعادل عوض الله وشقيقه عماد. وفي عام 2006 اغتالت السلطة الفلسطينية الداعية حسين أبو عجوة في غزة، وفي عام 2007 اغتالت عناصر من أمن السلطة إمام مسجد العباس في غزة محمد الرفاتي، كذلك ارتكبت تلك الأجهزة مجزرة بحق عدد من المصلين في مسجد الهداية بتل الهوا عام 2007.

أما الذين قتلوا في سجون السلطة الفلسطينية تحت التعذيب، فمنهم على سبيل المثال لا الحصر مجد البرغوثي في مدينة رام الله عام 2008، ومحمد الحاج في مدينة جنين عام 2009، وهيثم عمرو من مدينة الخليل عام 2009.
جريمة اغتيال نزار بنات هي الحدث الرابع خلال شهرين الذي يزيد الغضب الشعبي على السلطة ويعزز انفصالها عن الحالة الوطنية الجماعية

جريمة اغتيال نزار بنات هي الحدث الرابع خلال شهرين الذي يزيد الغضب الشعبي على السلطة ويعزز انفصالها عن الحالة الوطنية الجماعية.

الحدث الأول هو إلغاء رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الانتخابات التشريعية والرئاسية، حيث كانت تلك الانتخابات تمثل للناس نافذة أمل لتجديد الحالة الفلسطينية الداخلية وإنهاء سنوات الانقسام والركود. وقد فهم كثير من الناس إلغاء الانتخابات، التي ظل عباس يصر عليها طوال السنوات الماضية، بأنه هروب من الشعب، وعدم ثقة السلطة بقبول الناس لها.

الحدث الثاني هو أحداث التهجير والاعتداءات المتصاعدة من قبل سلطات الاحتلال والمستعمرين في الشيخ جراح وسلوان، وغياب السلطة عن ممارسة أي دور ضغط حقيقي على الاحتلال، ومع أن رئيس السلطة يكثر في خطاباته من الحديث عن المقاومة الشعبية، إلا أنه لم يثبت جدية تبنيه لهذا الأسلوب ودعمه في الضفة. ومن أمثلة المقاومة الشعبية مؤخراً في بلدة بيتا، فقد استلهم سكانها أشكال مقاومتهم من مسيرات العودة في قطاع غزة. وفي مؤشر على حدة الغضب الشعبي على قيادة السلطة، فقد تحول الهتاف ضد السلطة ورئيسها إلى سمة مميزة في الفعاليات الشعبية في مدينة القدس والمسجد الأقصى.
تزامن أداء المقاومة في غزة مع حالة عجز كامل للسلطة وتنكر لمسئولياتها في الضغط على سلطات الاحتلال، حتى بالوسائل الدبلوماسية والسياسية، وهو ما أنقص من الرصيد الشعبي لهذه السلطة

الحدث الثالث هو معركة سيف القدس التي خاضتها المقاومة الفلسطينية في غزة، والتي عززت صورة المقاومة في وعي الجماهير. وتزامن أداء المقاومة في غزة مع حالة عجز كامل للسلطة وتنكر لمسئولياتها في الضغط على سلطات الاحتلال، حتى بالوسائل الدبلوماسية والسياسية، وهو ما أنقص من الرصيد الشعبي لهذه السلطة.

والحدث الرابع هو جريمة اغتيال نزار بنات بعد مهاجمته فضيحة اللقاحات الفاسدة.

مشكلة السلطة الفلسطينية مضاعفة، فهي استوردت من الأنظمة العربية أسوأ ما لديها من أنظمة القمع والإرهاب بحق شعوبها، لكن الشعب الفلسطيني يختلف عن بقية الشعوب العربية في أنه يخضع للقمع والعدوان من قوة احتلال استيطاني استعماري إحلالي. وبينما شهدت ميادين المواجهة مع الاحتلال غياباً كاملاً للسلطة الفلسطينية، حتى في حالة الاقتحام اليومي من قبل جنود الاحتلال لمدن الضفة الغربية، حيث أن عناصر الأمن الفلسطيني ينسحبون من الشوارع، فقد ظهرت هذه السلطة في مواجهة شعبها بقتل نزار بنات، ثم ظهر عناصرها في ميدان رام الله لقمع المحتجين على الجريمة.

هذا التناقض بين غياب السلطة في ميدان المواجهة مع الاحتلال وحضورها الفاعل في ميدان قمع أبناء شعبها؛ يعسِّر مهمة ملاءمة مكان لهذه السلطة في السياق الوطني، ويشجع على الاستنتاج بأن هذه السلطة تمثل دوراً وظيفياً يقدم خدمةً مريحةً لسلطات الاحتلال.

كان نزار بنات واحداً من أبرز المرشحين للانتخابات التشريعية في الضفة الغربية، وكان مثل عادته قويا حادا في مهاجمة السلطة وتعرية برنامجها السياسي وفضح ملفات فسادها.
هذا التناقض بين غياب السلطة في ميدان المواجهة مع الاحتلال وحضورها الفاعل في ميدان قمع أبناء شعبها؛ يعسِّر مهمة ملاءمة مكان لهذه السلطة في السياق الوطني، ويشجع على الاستنتاج بأن هذه السلطة تمثل دوراً وظيفياً يقدم خدمةً مريحةً لسلطات الاحتلال

كان يمكن أن تتخذ الأحداث مساراً مختلفاً لو جرت الانتخابات في موعدها، وكان من المحتمل جداً ان يكون نزار اليوم ممثلا حقيقيا عن الشعب الفلسطيني ومعبراً بصدق عن الفقراء والكادحين، لكن قيادة السلطة ارتكبت جريمة قتل هذا الأمل وعطَّلت الحياة السياسية، وبدل أن يكون نزار في مكانه الطبيعي منافحاً عن أبناء شعبه فقد اختارت له قيادة السلطة أن يكون في القبر.

حملت قائمة نزار بنات اسم "الحرية والكرامة"، وكانت الكلمة الأشهر له أنه يتكلم من أجل أن يعيش أولاده بكرامة، هذه الكلمة لامست في قلوبنا مشاعر الغضب والقهر حين رأينا أطفال نزار بنات صاروا أيتاماً لأن أباهم حاول أن يضمن لهم مستقبلاً كريماً ورفض الإقرار بأن يكونوا عبيداً للمتنفذين الفاسدين.

قضية نزار ليست قضيته الشخصية، لقد قُتل في سبيل سعيه إلى ضمان مستقبل كريم لنا ولأجيالنا القادمة، لذلك فهي قضيتنا جميعاً، ولأن نزار لم يكن يعرف المهادنة مطلقاً، فهو لم يهاجم قيادة السلطة المتنفذة وحسب، بل كان يهاجم الناس أيضاً على سكوتهم. إن سكوت الشعوب هو الذي يشجع المتنفذين على امتطائهم واتخاذهم عبيداً، لذلك فإن الوفاء لرسالة نزار أن يظل صوته عالياً، وصوته هو كل صوت ينحاز إلى المظلومين والمقهورين ويصدع بكلمة الحق في وجه الظالمين الفاسدين.

 

 

twitter.com/aburtema
التعليقات (1)
آلاء هاشم
الجمعة، 02-07-2021 03:47 م
مقال مهم جدا ونتفق تماما مع ما ذكرت أ. أحمد