قضايا وآراء

في أوروبا.. أزمة فكر متطرف وليست أزمة إسلام

عصام يوسف
1300x600
1300x600

تتجلى المفارقة في تهميش أصوات الغالبية العظمى من المسلمين في أوروبا، مع اتساع رقعتها، وتشكيلها السواد الأعظم بين المكوّن المجتمعي، فضلاً عن عقلانية طرحها، وتسامحها، عند وقوع حوادث إجرامية تسعى لجر قدمها في دوامة التأويلات والشيطنة، ما يشي بوجود تيارات منظمة تحمل أيديولوجيات انعزالية، تتحفز باستمرار لاستخدام هذه الحوادث كأوراق سياسية، غير مكترثة لمبادئ التعدد الثقافي التي تقوم عليها المجتمعات الأوروبية. 

 

انحراف مؤسسة الرئاسة الفرنسية

في الحالة الفرنسية أخيراً، شكّل انحراف مؤسسة الرئاسة باتجاه تحقيق مكاسب سياسية، وانتخابية مستقبلية تهدف لاستمالة تيار اليمين المتطرف، إضافة جديدة للتعقيدات التي تواجه العلاقة مع أحد مكونات المجتمع، لتتجاوزها إلى وضع نفسها في مواجهة مع أتباع دين سماوي، اعتبرها البعض محاولةً للهروب إلى الأمام جراء فشل الرئيس الفرنسي في حل العديد من الملفات، من ضمنها الارتفاع المهول لأعداد الإصابات بفايروس كورونا، وقضايا أخرى تتعلق بتراجع الاقتصاد. 

أولى الضحايا في اللعبة "البهلوانية" السياسية تلك، التي أعقبت حادثة قتل المدرس الفرنسي الذي عرض أمام تلاميذه صوراً مسيئة للرسول الكريم محمد ـ صلى الله عليه سلمح ـ حالة الانسجام المجتمعي، القائم على التعدد والتنوع الثقافي والاجتماعي، فيما تتوارى تصريحات الرئيس ماكرون خلف تعليلات واهية كحماية حرية التعبير، في الوقت الذي يرتكز فيه مبدأ حرية التعبير على مشروطية عدم النيل من الآخرين، جسدياً ومعنوياً، فلذلك أثره البالغ على السلم المجتمعي والأهلي. 

تأويلات الرئيس الفرنسي، والتيارات اليمينية، لمفهوم العلمانية، كما يرونها، يفتح الباب أمام استعداء الأقليات، ومكونات مجتمعية مهمة، أدت وتؤدي أدواراً لا يمكن الاستهانة بها في بناء ونهضة الدولة، كما في البلدان الأوروبية عامة، ما يؤدي إلى خلخلة الجبهة الداخلية أمام التحديات التي تواجهها، سواء أكانت سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية، ولربما أدركت رئيسة وزراء نيوزيولندا جاسيندا أرديرن التعامل بحكمة مع هذه القضية، وخير مثال على ذلك سياستها في توحيد البلاد بعد حادث إطلاق النار على المسجدين في نيوزيلندا، بينما فات الرئيس ماكرون إدراك حجم الفشل في تعامله مع هذا الملف، الذي ستتضاعف نتائجه على المدى البعيد أكثر وأكثر. 

حالة الإخفاق الفرنسية يمكن الاستدلال عليها من خلال الأرقام، والتي تؤكد تورط الحكومة الفرنسية في إذكاء خطاب الكراهية ضد المسلمين، جنبا إلى جنب مع التيارات اليمينية المتطرفة، تغذيها مؤسسات ووسائل إعلام ومثقفين، حيث ترصد منظمة "التجمع ضد رهاب الإسلام في فرنسا"، في تقريرها عن العنصرية ضد المسلمين في فرنسا، ١٠٤٣ حادثة معادية للإسلام وقعت عام ٢٠١٩ (بزيادة ٧٧ في المئة عن عام ٢٠١٧ ( 68 اعتداء جسديا (6.5 في المئة)، 618 حادثة تمييز (59.3 في المئة)، 210 حادثة تحريض على الكراهية العنصرية (20.1 في المئة)، 93 حادثة تشهير (8.9 في المئة)، 22 حادثة تخريب للأماكن المقدسة الإسلامية (2.1 في المئة)، و32 حادثة تمييز مرتبطة بمكافحة الإرهاب (3.1 في المئة). 

 

الشعبوية وظاهرة الإسلاموفبيا


الخطاب الشعبوي المستمر منذ سنوات طويلة في العديد من البلدان الأوروبية، والذي أنتج ظاهرة "الإسلاموفوبيا" في أوروبا، ترك الملايين من مسلمي أوروبا في حالة من الريبة عند استشرافهم للمستقبل في بلدان القارة العجوز، بينما القناعات راسخة لديهم بأهمية ما يقدمونه حاضراً، وما قدموه في الماضي من أدوار أسهمت في تكوين حالة التطور والرفاه التي يعيشها أبناء القارة. 

هذه القناعات مستمدة من إنجازات تقف شاهدة على إسهاماتها البنّاءة في تقدم المجتمعات الأوروبية، سيما وأن أجيالاً من المسلمين ولدت وتربت في أوروبا وحملت جنسيات بلدانها، وأصبح لها جذور في الأرض الأوروبية، إلى جانب مواطنين اعتنقوا الإسلام، ووصل الكثير منهم إلى مناصب عليا ومؤثرة في الدولة، حيث خرج منهم الوزراء ورؤساء البلديات، إضافة للعلماء والأطباء ورجال الأعمال، واللاعبين والفنانين المشهورين. 

 

رغبة المسلمين الحقيقية في الاندماج في مجتمع متعدد الثقافات، تحكمه دولة القانون التي تعلي من شأن المواطنة، وموازنة واجبات المواطن مع حقوقه، دون أي اعتبار لدينه أو عرقه، هي من أوصل العديد منهم إلى مراكز ومناصب مرموقة،

 


يروي التاريخ أشكال التأثر الأوروبي بالثقافة العربية وبالتراث الإسلامي، عبر آلاف السنين، والذي جاء بوسائل عدة من بينها انتقالها عبر التجارة، ومن خلال بلاد الأندلس وجزيرة صقليا، والترجمات، والحروب الصليبية التي أوجدت شكلاً من الاحتكاك المباشر مع العالم الإسلامي، حيث أسهمت حالة الاحتكاك المباشر بالحضارة العربية الإسلامية، بكل ما تزخر بفنونها وعلومها وعماراتها إلى جانب حركة الترجمة في يقظة العالم الغربي، ودخول مرحلة جديدة، عرفت بالنهضة الأوروبية. 

ولم يواجه المسلمون عقبات في عملية الاندماج المجتمعي، على عكس ما يروج له الخطاب الشعبوي اليميني، الذي يسعى لتكريس فكرة عدم القبول المجتمعي للمسلمين، فقد شهدت دول اندماجاً واسعاً للمسلمين فيها، كألمانيا وبريطانيا وسويسرا وفرنسا والنمسا، على الرغم من العقبات التي تواجه المسلمين في مجال التعليم والعمل، وذلك بحسب دراسة أجراها معهد "برتلسمان شتيفتنغ الألماني" في العام 2017. 

وتشير الدراسة التي شملت عينة تمثيلية من المسلمين في ألمانيا بأكثر من 1100 مسلم، و500 مسلم من كل من الدول الأوروبية الأخرى التي شملتها الدراسة إلى أن "غالبية الجيل الثاني من المسلمين اندمجوا في مجتمعات تلك الدول" معتبراً أن "الاندماج الناجح ملفت لأن أيا من هذه الدول الخمس لا تقدم فرصا جيدة باستمرار للمشاركة، وأن المسلمين يواجهون رفضا صريحا من قبل نحو خمس السكان". 

 

المسلمون وتحدي الاندماج

وفي سياق ذلك، يقول الخبير الاجتماعي ستيفان فوبيل إن "الإسلام لا يعرقل الاندماج، والمسلمون وحتى المتدينين جدا منهم يتعلمون اللغة الجديدة ويسعون للوصول إلى مستويات عليا من التعليم على نفس الدرجة لدى المهاجرين الآخرين"، بينما تشير الدراسة إلى أن غالبية من شملتهم (94 في المئة) يؤكدون ارتباطهم بالبلد الذي استقبلهم رغم التعبير عن رفض المهاجرين في بعض الدول.  

رغبة المسلمين الحقيقية في الاندماج في مجتمع متعدد الثقافات، تحكمه دولة القانون التي تعلي من شأن المواطنة، وموازنة واجبات المواطن مع حقوقه، دون أي اعتبار لدينه أو عرقه، هي من أوصل العديد منهم إلى مراكز ومناصب مرموقة، ويمكن تقديم بعض الأمثلة، كحال "صادق خان" الذي انتخب في العام 2016 رئيساً لبلدية العاصمة البريطانية لندن، قائلاً بعيد تنصيبه "أنا فخور بأنني مسلم، مضيفاً بأنه لندني وبريطاني لديه أصول باكستانية".  

وهنالك الكثير من الأسماء يمكن التطرق لها، كـ"سعيدة وارثي" التي شغلت منصب رئيس مشارك في حزب المحافظين في بريطانيا، في الفترة من مايو 2010 إلى سبتمبر 2012، وكانت أول مسلم يخدم في مجلس الوزراء البريطاني وثالث وزير مسلم سواء من الذكور أو الإناث، وأول مسلمة تكون وزيرة في المملكة المتحدة، و"رشيدة داتي" التي تعتبر أول امرأة من أصل عربي ومسلم تتولى حقيبة وزارية في الحكومة الفرنسية، إضافة لشغلها منصب رئيس بلدية الدائرة السابعة في باريس، فضلاً عن نائب في البرلمان الأوروبي في العام 2009. 

كما يمكن الإشارة إلى أسماء من قبيل السياسي والنائب الهولندي "يورام فان كلافيرين" الذي يكرس حياته بالبحث في التدين والهداية إلى الإسلام من خلال مؤلفاته، بعد اعتناقه للدين الإسلامي، و"أحمد أبو طالب" السياسي الهولندي من أصل مغربي، الذي يشغل منصب عمدة روتردام منذ العام 2009، وفي عام 2015 اختير الشخصية السياسية الأكثر شعبية ضمن استطلاعات محلية هولندية، وكذلك عضو البرلمان الألماني، والأوروبي، "جيم أوزديمير"، الذي يصنف نفسه كمسلم علماني، والذي شغل منصب رئيس مشارك لحزب الخضر، وغيرهم العديد من الشخصيات، إضافة لأسماء مسلمة بارزة في مجالات عدة كالعلوم والطب والرياضة والفن..وغيرها. 

لم تكن يوماً مشكلة أوروبا بمسلميها، بل بأصحاب الفكر "الشوفيني" المتطرف الذين يمتلكون خطاباً تمييزياً داخل المجتمع، يحاول فرض عنجهيته، وتكريسه كتيار فكري، يستفيد من خلال انتهازيته بالحوادث والكوارث التي تحدث هنا وهناك، ويوظف وسائله وأدواته في فرض العزلة على المكوّن الإسلامي تحديداً. 

وعلاجها يكون بتعزيز الدولة لمبادئها وقوانينها التي تكفل الحريات العامة، وعدم التعدي على ثقافة الآخر، ووقوفها بحياد في التعاطي مع كافة المكونات المجتمعية، واستمرارها بحماية الحقوق، وبفرض الواجبات بين مواطنيها على أساس المواطنة، بعدالة ودون تفرقة، وتمتين التشريعات والمؤسسات القانونية بحيث تستمر في التأكيد على مفاهيم تطبيق القانون على الجميع بشكل متساوٍ وعادل دون النظر لأية خلفية عرقية أو دينية، ودون ذلك لن يكون في المقابل من نتائج سوى تطور الخطاب اليميني المتطرف، الذي سيكون مؤداه إحداث الانقسام المجتمعي، والفتنة التي لن تجر على الجميع سوى الخسارات.

 

*رئيس الهيئة الشعبية العالمية لدعم غزة

التعليقات (0)