قضايا وآراء

فض اعتصام القيادة العامة بالخرطوم: البعد السياسي وأسئلة بلا إجابة

إبراهيم الصديق علي
1300x600
1300x600
لماذا تراجع زخم تجمع المهنيين وتزاحمت الأحزاب في المشهد؟
هل تم استخدام ميدان الاعتصام ساحة لموازنة المواقف السياسية؟
قوة ميدان الاعتصام جمدت مهام بعض المكاتب السياسية للأحزاب
سيتولى أديب توجيه الاتهام وسيكتب التاريخ وقائع الحقيقة

(1)
ربما من المهم مناقشة الأبعاد السياسية لفض اعتصام القيادة العامة في الخرطوم يوم ٣ حزيران/ يونيو ٢٠١٩م، ومن المستفيد؟ وما هي "الكلفة السياسية" للحدث الذي تحول لمأساة وفاجعة؟ وأين المطبخ السياسي الذي رتب الأدوار والمهام؟ ومن رموزه؟

ولعلنا ابتداءً نتفق على نقاط أساسية، وبعيدا عن الأدوار الأمنية وما جرى من تفاصيل الأحداث في تلك الليلة، وأهم هذه النقاط، أن هناك معلومات رشحت لأطراف كثيرة من القوى السياسية، حتى لو قيل إن الأمر مقتصر على منطقة "كولومبيا".

وثانياً: إن هناك أفعالا سياسية ترتبت على عملية فض الاعتصام، فقد قاطعت قوى الحرية المحادثات مع المجلس العسكري، بينما أذاع رئيس المجلس العسكري بيانا علق فيه الاتفاق مع قوى التغيير، بل قدم رؤية جديدة بالدعوة لانتخابات مبكرة.

وثالث الأمور أن سلسلة أحداث ذات بعد سياسي حدثت، وأبرزها حملة سياسية ذات ظلال واتهامات وانطلقت من منصات محلية وعربية.

(2)
ووفق ذلك فإن علينا أيضا أن نراجع البيئة السياسية والمشهد الأولى فيها: إن الساحة السياسية عامة كانت مرحلة قياس أوزان بين أطراف التفاوض، واحتاج كل طرف أن يعزز سهمه في الساحة السياسية.

المشهد الثاني: ما كان يجري داخل ساحة الاعتصام والذي أصبح مصدرا للرأي وتحديد المواقف، ولم يكن سهلا العبور بأي اتفاق مع الضغط الشعبي الكثيف والحضور الفاعل لمنصة "الاعتصام".

إن الشباب في الساحة يحلمون بواقع جديد وشخصيات جديدة تعبر عن مرحلة تحول ملحوظ، بل ربما تتجاوز الكيانات السياسية التي كانت تختبئ في هذه المنصة. وقد أثار ذلك مخاوف البعض، وربما كان ضروريا التخفيف من ثقل وقوة ميدان الاعتصام. إن القرارات التي تصاغ في الغرف الحزبية لم يكن من الميسور تمريرها بوجود هذه الساحة وزخمها، ولم يعد للمكاتب السياسية فاعلية مع بقاء ميدان الاعتصام.

والمشهد الثالث، أن التنوع في طرح الجيل الجديد قد يقوض حظوظ قوى سياسية تسعى لبسط نفوذها وتغييب هذا الحضور. فساحة الاعتصام تضم تيارات مهنية فعلية، ومجموعات مجتمع مدني ذات فاعلية، وكلما تمدد حضورهم كان ذلك عصيا على التطويع والإحاطة. وليس ذلك فحسب، فإن هناك قيادات شبابية كانت قادرة على خلق مواقف مؤثرة وتغيير التوازنات السياسية، وأتباعهم يفوقون قاعدة الكثير من الأحزاب والمسميات.

والمشهد الرابع: الحديث عن حملة استقطاب سياسي بين الفاعلين والناشطين وحملات التجنيد، وبالقدر نفسه الدعوة لتشكيل وتنظيم إطار سياسي جامع للشباب، وقد غابت هذه الدعوة بعد فض الاعتصام كليا، ولعل تلك واحدة من أخطر الدعوات على بعض القوى السياسية التي تسعى لخلق حواضن سياسية وتضيف لعضويتها.

والمشهد الخامس، أن أجهزة استخبارات متعددة ومجموعات عمل كانت تنشط في مسرح الأحداث داخل البلاد وفي الفضاءات الخارجية ترسم وتخطط، وبدأت الأجندة تتبلور في الظهور. إن الحديث عن مساهمات أفراد أو شخصيات يعني بالضرورة حضورا من خلال مجموعات أو من خلال آليات تأثير، وبالإجمال فإن ثمة أجندة متعددة تتداخل في الساحة وتبرز من خلال مواقف وتأثيرات.

والمشهد السادس والأكثر أهمية في رأيي؛ هو بروز "تجمع المهنيين" كقوة سياسية أكثر من كونه مجموعة مطلبية، وسطوع نجم قيادات مؤثرة داخله ذات سهم في الآراء والموقف من التغول الحزبي. وهذا خطر آخر لبعض القوى السياسية التي تعمل من خلال واجهات. ولعل الحملة التي تعرض لها د. محمد ناجي الأصم تكشف بعضا من تلك الجوانب، مما اضطره للإنسحاب من المشهد السياسي، وهو معروف عنه ميول اتحادية أقرب للختمية.

هذه كلها وقائع المشهد في تلك الأيام، لا يمكن أن تغيب عن الذهن حين ندلف لتدارس البعد السياسي لعملية فض الاعتصام.

(3)
وتأكيدا لما أوردنا أعلاه، فإن ثمة إشارات، وأولها: فقد كان جليا التململ من بعض التصرفات وما جرى في شارع النيل تلك الأيام، والحملة التي تداعت لها آراء وكتابات وتصريحات للتبشيع وتمهيد الطريق للحدث القادم، مع أننا نفترض أن لأطراف قوى التغيير قدرة وإمكانية للتواصل مع مجموعة "كولومبيا" وفرض سيطرتها أو سحبها للداخل، بدلا عن مواجهتها بالهراوات والعصي، ولكن ذلك ما حدث.

وثاني الإشارات، أن هناك معلومة لدى أطراف متعددة بالحدث في حده الأدنى (كولومبيا) وأن ذلك لم يكن محل خلاف، بل إن الجميع متفقون عليه.

إذن ما هي أبعاد ما جرى في المستوى السياسي وما هي الفرضيات؟

افتراض أول "الدولة العميقة"، وهذا أمر مستبعد، لأن النظام الذي فقد القدرة على الاستمرارية بكامل عدته وعتاده لن يبحث عن ذلك بساق معطوبة. لقد قال المؤتمر الوطني في بيانه الأول "إننا نتفهم أسباب ما جرى"، وجاء في بيان الحركة الإسلامية "لقد تخففنا من أثقال الحكم". أما سياسيا، فقد كانت استمرارية الاعتصام وسيلة للتنفيس عن الاحتقان السياسي.

كما أن بعض الوقائع تفند هذه الفرضية، وأبرزها أن الحدث تم في كل الولايات، وشهد حركة قوات كبيرة يصعب أن نقول إنها مجموعة، وتوافقت معه مظاهر أخرى، منها إغلاق بوابات القيادة العامة وقطع الإنترنت ومسح الجداريات، وكلها قرارات جهة متمكنة من القرار، ولو امتلك الإسلاميين كل هذه السلطة لاستعادوا حكمهم بسهولة، وعليه فإن ذلك مستبعد بكل المعايير، رغما عن محاولة إلقاء التهمة.

والافتراض الثاني أن أطراف التفاوض وصلت لمرحلة تحديد الأوزان والأحجام، ووصلت لمرحلة "المبارزة السياسية"، وهو ربما يفسر المواقف المتباعدة بعيد فض الاعتصام وتوجيه سهام كل طرف للآخر، والقرارات المتتالية وحتى التشدد في التصريحات والبيانات، وحالة الاستقطاب الحاد.

وثالث الفتراضات هو محاولة تحقيق كل هذه الغايات بضربة واحدة، فض الاعتصام وسحب تأثيره السياسي، وتوجيه أصابع الاتهام لطرف ثالث وهو الإسلاميين، وبذلك تتحقق مخططات كل الأطراف، وقد تكون هذه أجندة طرف أجنبي غايته محاربة تيار الإسلام السياسي.

وقد تفسر الوقائع السياسية والتطورات اللاحقة هذه الفرضية الأخيرة، فقد عادت قوي التغيير للتفاوض وبأجندة أقل وسقف أقل، وأبدى المكون العسكري مرونة أكثر مع أن سعيه الحثيث لتشكيل توازن قوى قد تراجع (الحزب الأهلي الاجتماعي مثالا). ووجدت بعض القوى السياسية مجالا أكبر للتنافس على لجان المقاومة في الأحياء، وتراجع فعليا تأثير "تجمع المهنيين" وقوى المجتمع المدني، وأصبح تجمع المهنيين "يناشد" لإدخال منسوبيه في مجموعة واتساب.

إن كثيرا من القوى السياسية لم تكن ذات سهم سياسي، بل لم تكن ذات فاعلية جماهيرية أو مقبولية، ولذلك اختبأت خلف "ستارة" التجمع، وحين اكتمل الفعل كان لا بد من سحب البساط لتسهيل عودة هذه القوى السياسية للواجهة.

ويبقي أن نقول إن الواقع يشير إلى أن الدعوة القصاص للشهداء والمفقودين تتحول إلى أكبر مشهد من المزايدة السياسية وتطييب الخواطر، واللامبالاة، هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن الحادثة أصبحت "كرتا سياسيا" يستخدمه مكون ضد مكون، دون أن يشل فاعلية العلاقة بينهما على المستوى المرحلي، وبالتأكيد سيكون له تأثير في الأجندة مستقبلا.

سيتولى المحامي نبيل أديب توجيه الاتهام لأشخاص وفق البينات الظرفية، وسيتولى التاريخ كتابة وقائع حدث شبيه بواقعة عنبر جودة.

تلك مجرد تكهنات وافتراضات، أرى أن البعض يتجاوزها في قراءة الراهن السياسي.
التعليقات (0)