قضايا وآراء

مَن المستهدف.. تركيا أم أردوغان؟

أميرة أبو الفتوح
1300x600
1300x600
من دون مقدمات، فاجأ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان العالم أجمع بقراره إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة في الرابع والعشرين من شهر حزيران/ يونيو القادم، مسبّقا موعدها بستة عشر شهرا، حيث كان مقرراً إجراؤها في آب/ أغسطس 2019، مما أربك خصومه في الداخل وأعداءه في الخارج في آن واحد.

فخصومه أو منافسوه لم يعدوا العدة بعد أو يهيئوا الأرض لمواجهته والفوز عليه، ومن الصعب إن لم يكن من المستحيل، في غضون شهرين، تجهيز مرشح للرئاسة يستطيع أن ينافس أردوغان بكل إنجازاته التي يعترف بها معارضوه قبل مؤيديه. ولا نستطيع أن نغفل الكاريزما التي يتمتع بها والتي يفتقدها ساسة اليوم، والتي تأخذنا إلى سنين خلت، كما أن أعداءه لم يستقروا بعد على اختيار البديل الذي سيدفعون به للنزول لحلبة المنافسة وضخ مليارات الدولارات في الدعاية له؛ لاختلاف وجهات النظر في شخص البديل بين دولة وأخرى في هذا الحلف المعادي لأردوغان، وعلى رأسه أمريكا ودولة الإمارات العربية التي ضخت المليارات من الدولارات في محاولة الانقلاب الفاشلة في تموز/ يوليو 2016، ومستعدة تدفع أضعافها في سبيل إسقاط أردوغان الذي يفاجئهم في كل مؤامرة عليه بارتفاع أسهمه وزيادة شعبيته، ليس فقط بين الشعب التركي، بل بين الشعوب العربية أيضاً.. حاولوا تقويضه وحصار تركيا من جهة الشمال السوري، بتكوين مليشيا الوحدات الكردية التي سلحتها أمريكا وقدمت لها كل الدعم السياسي واللوجيستي، بالإضافة طبعا للدعم المادي الذي تتولاه دولة الإمارات، فهذه مهمتها ودورها في المنطقة تمويل كل حركات التمرد والثورات المضادة والتي تؤديه بمهارة فائقة تُحسد عليه!

كان الهدف من مليشيات الوحدات الكردية زعزعة وتهديد الأمن القومي التركي، ففاجأهم أردوغان بمعركة غصن الزيتون في عفرين. ورغم كل ما قيل وكُتب من تحليلات مُسبقة بأنه فخ نصبته أمريكا لأردوغان ليقع فيه، إلا أنه خرج منتصراً نصراً مبيناً متوعداً بمزيد من العمليات العسكرية في مناطق أخرى في سوريا (منبج وعين العرب وتل أبيض والقامشلي) لتطهير كل هذه المناطق أيضا من العناصر الإرهابية التي زرعت أصلاً لتهديد دائم ومستمر لتركيا، مما أفزع أمريكا وحلفاءها المعادون لأردوغان..

وإنه مما لا شك فيه أن تركيا تُعد هدف استراتيجي لأمريكا، وتركيا اليوم في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان ليست تركيا في عهد كمال أتاتورك وما بعده من رؤساء موالين لأمريكا من المؤسسة العسكرية التي تدار من واشنطن.. تركيا عضو حلف الناتو.. حليفة الأمس التي طوعتها أمريكا لتدور في فلكها.. خرجت من هذا الفلك، وكان لا بد من إعادتها مرة أخرى، وكسر شوكتها كي لا تعاود الجنوح من جديد، ولن يحدث ذلك إلا بإزاحة أردوغان وإبعاده عن المشهد التركي ولم تفلح عملية الانقلاب الذي رعته أمريكا، وهذا ما جعل أعداء أردوغان يكثفون جهودهم التآمرية بطرق أخرى لتحقيق نفس الهدف. ولعل قرار ترامب الأخير بسحب القوات الأمريكية من سوريا ودخول قوات سعودية تتحمل الرياض نفقة تسليحها وتذخيرها ودعمها اللوجيستي، مع الاحتفاظ بالطبع بالأهداف الأمريكية في سوريا، يصب في هذا المجال، إذا وضعنا في الاعتبار العداوة السعودية لتركيا، والتي ازدادت حدتها مع تولي ابن سلمان ولاية العهد، وأصبح الحاكم الفعلي للمملكة، وتهوره وإعلانه للإعلاميين المصريين أثناء زيارته لمصر بأن تركيا والعثمانيين أعداء المملكة، مثل إيران والجماعات الإرهابية، مما يجعل احتمال مواجهة عسكرية بين الدولتين على الأراضي السورية قائما غير مستبعد، خاصة لو أضفنا إليه تناقض المصالح الجيوسياسية بين البلدين، حيث تدعم تركيا الإخوان المسلمين وقطر، بينما تدعم السعودية التيار السلفي، مما يجعلهما في مشاكل متأججة ومستمرة وتصبح المنطقة كلها على سطح صفيح ساخن، فإذا ما تقابل الجمعان فلا مفر من المواجهة العسكرية بينهما! وتصبح الأرض السورية ساحة قتال بين العرب والأتراك من جهة وبين العرب والإيرانيين من جهة أخرى، وكلهم مسلمون للأسف الشديد! وبذلك تحقق أمريكا أهدافها المستقبلية عبر ضرب الشعوب الإسلامية بعضها للبعض الآخر، وتصبح جاهزة للتقسيم دون أن يلحق بها أية خسارة عسكرية، سواء في المعدات العسكرية أو في الجنود، أو تثقل اقتصادها بدفع فاتورة تواجدها في المنطقة!!

هذا ما يسعى إليه ترامب، فالهدف واضح للعيان وربما هذا الخطر ما استشعره الرئيس أردوغان وجعله يأخذ هذه الخطوة الاستباقية ويبكر الانتخابات الرئاسية كي يأمن الجبهة الداخلية ويحدث حالة من الاستقرار تحسبا لأي مواجهة عسكرية قادمة ويأخذ صلاحيات رئيس الجمهورية التي أقرها الدستور الجديد والذي حول نظام الحكم في تركيا من نظام برلماني لنظام رئاسي ووافق عليه الشعب التركي في استفتاء في 16 نيسان/ إبريل 2017، على الرغم من التدخل السافر من أمريكا وبعض الدول الأوربية التي تستميت لإجهاض التجربة التركية الناجحة لإعادتها للتحليق مرة أخرى مع السرب الذي يدور في منظومة الفلك الأمريكي!

وما فعلته أمريكا إبان التعديلات الدستورية تعيده اليوم مرة أخرى، وتتدخل بوقاحة في الشأن الداخلي التركي، وتعترض على إجراء الانتخابات في ظل قانون الطوارئ المطبق في البلاد منذ محاولة الانقلاب الفاشلة، ولم نسمع منها هذا الاعتراض حينما أجريت الانتخابات الرئاسية المصرية الشهر الماضي، والتي أجريت أيضا في ظل قانون الطوارئ.. هذه سياسة المعايير المزدوجة التي تجيدها الإدارة الأمريكية في التعامل مع الدول وفقاً لمصالحها!

لا يوجد رئيس في أي دولة في العالم يرضى أن يضحي بساعة واحدة من مدة حكمه، وليس بستة عشر شهراً كما فعل أردوغان، وهذا يدل على ثقة متناهية وقوة متينة، ثقة في ما أنجزه، وثقة في شعبيته، وثقة في نفسه، وقوة سياسية لا تخشى المنافسة في أي وقت، وفوق كل ذلك تقدير للديمقراطية وآلياتها.. 

ستدرس تجربة أردوغان كواحدة من أهم التجارب السياسية في العصر الحديث، والذي لم يستطع الغرب بكل ما أوتي من قوة إجهاضها..
التعليقات (3)
قارئ
الأربعاء، 25-04-2018 06:00 م
مقال ممتاز يضع النقاط على الحروف ويبين أبعاد المؤامرة التي تحاك ضد تركيا أردوغان التي يريد الغرب وأعداء المسلمين أن يزيلوها ويقضوا عليها كمركز قوة يمكن أن يهدد مصالحهم الخالية من كل عدل.
اينشتاين
الأربعاء، 25-04-2018 04:14 م
التجربة التركية اليوم هي صحوة على خط التفوق الحضاري الذي تحتاجه أمة الشهادة الأمة الوسط ، السعودية أضعف مما تتصورون ، لا يمكنها مواجهة اليمنيين المنهكين في جمعهم ، فكيف تسطيع مواجهة تركيا التي تتشبث بسيادتها في وضح النهار ؟ والسعودية أعجز ما تكون من أن تواجه إيران المنفتحة أكثر من أي وقت مضى على كل من العراق والشام ، المواجهة التي يحبذها الإسرائليون والأمريكيون وكل الصليبيين وكل الخدم داخل حدود ممالك الخليج هي المواجهة التي يحلمون بها على أرض الشام امتدادا للمحرقة المشتعلة أصلا ، الهدف هو التخلص من شباب أمة التوحيد، أتراكا، عربا ، فرسا ، أكرادا ، وأمازيغ ، ويفضلون أن تستهوي تلك المحرقة كل شباب الأمة يأتون من أي مكان ، ويعولون على مشايخ ( السلفية ) الذين سيتصدرون المشهد ليفتوا كما أفتوا للجهاد في أفغانستان والعراق ، المهم هو خدمة أهداف اليهود والصليبيين وملوك العرب الخائفين على عروشهم . أما الرئيس الطيب أردوغان فهو أمل الشباب الموحد وهو قائدهم إن شاء الله على خط الانعتاق من دائرة الاستبداد والقابلية للاستعمار ،قدما إلى الأمام على خط التفوق الحضاري .
ادم
الأربعاء، 25-04-2018 01:33 م
بسم الله الرحمن الرحيم «يريدون ان يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون» صدق الله العظيم. اللهم انصر عبدك رجب طيب اردوغان واجعل خلاص أمة محمد صلى الله عليه وسلم على يديه. آمين.