الأزمة الحالية كما هو الأمر مع أزمة حصار قطر أو أزمة حرب اليمن أو الحرب الأهلية في سورية إنما تتطلب أول ما تتطلب إعادة قراءة الواقع الجديد ومراجعة كل المبادرات السابقة بشكل يوقف النزيف الكبير الذي تتعرض له منطقة الخليج والمملكة السعودية بشكل خاص..
الرموز والصور والأحرف والكلمات والأشياء كلها معان ودلالات وشفرات ورؤى وأفكار وتصورات. لا ينفك الدال عن المدلول ولا ينفصل عنه لصناعة المعنى وبناء النسق الفكري والمساهمة في تشييد الأبنية النظرية والفكرية بما هي رؤية الإنسان للعالم وهي المحدد لردود أفعال الإنسان وحركته في هذا العالم.
?
اليوم وقد استقر مكان تنظيم كأس العالم 2022 في دولة قطر وبعد الأداء الهزيل للمنتخبات العربية في الكأس الأخيرة لا يزال السؤال قائما عن دور الفعل الرياضي والأنشطة المرتبطة به في التأطير الجمعي للجماهير من جهة وفي تفعيل الطابع التواصلي للدولة المنظمة من جهة أخرى.
لن تجدي الانقلابات نفعا ولن تذهب الأموال التي دفعت فيها إلا أدراج الرياح ولن تعود على أصحابها إلا بالخزي والعار لأن الحرية شرط وجود الإنسان وشرط إنسانيته..
فاجعة كبيرة لن تكون الأخيرة في سلسلة الفواجع التي تضرب مهد ربيع الثورات تونس. الفاجعة ليست الأولى طبعا بل هي تضاف إلى سلسلة الصدمات التي تضرب المجتمع بكل قسوة ليستفيق على مرارة الواقع وبشاعته وعلى حصاد عقود من الاستبداد والقمع وحكم الفرد الواحد.
لقد فشلت كل أهداف الحصار في عزل قطر أو في منعها من تنظيم كأس العالم أو في تشويه صورتها عربيا ودوليا بل إن الدولة المحاصَرة خرجت أقوى من ذي قبل وحققت بالحصار ما لم تحققه بغيره..
لم تهدأ بعد ردة الفعل العنيفة التي قابل بها نشطاء الفضاء الافتراضي الومضة الإعلانية الأخيرة للداعية المصري عمرو خالد وهو يروج للحم الدجاج عبر فضائية شهيرة..
إن قراءة تطورات الصراع في فلسطين خارج هذه المعطيات الأساسية بما فيها الانقلاب التركي الفاشل ومحاولة الانقلاب على النظام في قطر لا تسمح بتبين المرحلة الجديدة التي دخلتها المنطقة العربية وهي مرحلة توحي بتجدد الصراع العربي الصهيوني على أسس جديدة..
هذا النموذج الذي تمكن من المصادقة على دستور البلاد ومن انتخاب مجلس نواب الشعب ومن إنجاح انتخابات رئاسية ومن تركيز أسس التداول على السلطة لا يزال يمثل كابوس النظام الرسمي العربي.
من الصعب على أي مراقب أو مبحر بين أمواج الفضاء الحقيقي أو الافتراضي أو حتى الإعلامي العربي أن ينكر أن تهمة "العديد" أو "قاعدة العديد" أو حتى "خطيئة العديد" تأتي على رأس السهام الموجهة لدولة قطر خلال الأزمة الأخيرة.
انعقدت بالأمس القريب القمة العربية التاسعة والعشرون التي جمعت قادة وممثلين عن الدول العربية من أجل مناقشة الراهن العربي وبحث الأوضاع المشتركة وغيرها من الشعارات التي سئمتها الجماهير العربية منذ تأسيس الجامعة العربية نفسها..
إن تغافل الدول العربية وخاصة منها الخليجية عن هذه الحقائق وعن كونها تعيش لحظة مفصلية في تاريخها سيجعل من الثمن الذي ستدفعه ثمنا باهظا جدا بما فيه عروشها التي تدافع عنها..