سياسة عربية

معضلة غياب النواب تتسيّد مشهد البرلمان الأردني

العاهل الأردني وجه توبيخا للنواب لتغيبهم المتكرر - أرشيفية
يسود غياب أعضاء البرلمان الأردني المشهد التشريعي في البلاد لمجلس نواب "غير مرضي عنه شعبيا"، حسب نتائج استطلاعات الرأي، مما دفع العاهل الأردني عبد الله الثاني إلى "توبيخ" رؤساء كتل نيابية قبل أيام، مخاطبا إياهم بأنه أكثر انشغالا منهم، إلا أنه يقوم بكل مهامه.
 
"توبيخ".. يفضل بعض النواب ممن حضروا  لقاء الملك بتسميته "عتاب"، حيث خرج رئيس اللجنة القانونية في البرلمان الأردني، مصطفى العماوي، عقب اللقاء، يطالب زملاءه النواب بالالتزام بالحضور، قائلا: "على من يقّدر هذا الأسلوب الملكي الراقي أن يحترم نفسه، ويحافظ على حضور جلسات النواب".

إلا أن مفعول "التوبيخ أو العتاب" الملكي لم يستمر إلا جلسة واحدة، شهدت حضورا ملفتا لأغلب النواب، ليعود فقدان النصاب من جديد في جلسات تشريعية ورقابية أقر في بعض منها قوانين رغم فقدان النصاب القانوني، كما حصل مع إقرار قانون هيئة المرئي والمسموع، وقوانين أخرى.

وينص الفصل السابع عشر من النظام الداخلي لمجلس النواب، على بنود تنظم عملية الإجازات والغياب، وتشترط المادة المادة 148 على أن يقدم النائب إجازة في حال غيابه إلى الرئيس قبل المباشرة بها، حيث يكون لرئيس المجلس صلاحية الموافقة على الإجازة إذا كانت مدتها أسبوعين أو أقل.
 
وتشدد المادة 149 على أنه "لا يجوز للعضو أن يتغيب عن إحدى جلسات المجلس أو لجانه، إلا إذا أخطر الرئيس بذلك، مع بيان العذر"، بينما تعطي المادة 150 من النظام الداخلي أمين عام المجلس الحق بكتابة جدول بأسماء المتغيبين، وإدراج ذلك في محضر الجلسة التالية في حال عدم اكتمال النصاب.
 
من جهته، علّق الخبير والباحث في شؤون مجلس النواب، الصحفي وليد حسني، في حديث لـ"عربي21"، قائلا إن وراء غياب نواب أردنيين عن حضور جلسات البرلمان لها أسباب عدة منها "ما يتعلق بشخص النائب، كارتباطه بمواعيد وأشغال أخرى خارج المجلس"، مرجحا أن السبب الأهم هو "استهتار بعض النواب بالمجلس".

وقال حسني إن بعض النواب "يتغيبون عن عشرات الجلسات بشكل متواصل تصل في بعض الأحيان إلى 30 جلسة من أصل 60، بينما هناك نواب لم يحضروا الجلسات مطلقا".
 
ورصد حسني "إقرار مجلس النواب لقوانين وهو فاقد للنصاب الذي نص عليه الدستور الأردني والنظام الداخلي لمجلس النواب"، مؤكدا أن "إحدى الجلسات التي صوت فيها المجلس على إقرار قانون كان عدد الحضور فيه 30 نائبا من أصل 150 عدد أعضاء مجلس النواب الأردني، حيث تكرر في الفترة الأخيرة لفت نظر الرئيس لفقدان النصاب، وإلى ضرورة رفع الجلسة حسب القانون والدستور".
 
ويحمل حسني أيضا المكتب الدائم ورئاسة المجلس المسؤولية بتكرار غياب النواب في ظل غياب عقوبات رادعة من الرئاسة بحق المتغيبين. وبحسب حسني، لم تعد العقوبات المالية كافية، إذ لا يهتم بعض النواب في حال خصم مبالغ مالية من مكافآتهم، مما يستدعي من المكتب الدائم ورئاسة المجلس أن يكون هناك عقوبات أكثر ردعا، من خلال تفعيل النظام الداخلي لمجلس النواب، وإضافة نصوص أكثر حزما، عندما يناقش النواب النظام الداخلي في الدورة الاستثنائية في شهر حزيران/ يونيو المقبل".
 
وفي محاولة للضغط على النواب لحضور الجلسات، لجأت الأمانة العامة لمجلس النواب الأردني للتشهير بأسماء النواب المتغيبين بالصحف اليومية، لكن دون جدوى.
 
وقال حسني إن "نشر أسماء النواب المتغيبين دون عذر لم يعد ذا أهمية بالنسبة للنواب، فضلا عن وجود مشكلة باهتمام الإعلام بنشر هذه الأسماء، وهي مشكلة سببها مجلس النواب ذاته الذي ينشر أسماء النواب المتغيبين ناقصة، بسبب وجود محاباة لبعض النواب، بدليل رصدنا كصحفيين لعدم إدراج بعض أسماء المتغيبين في الجلسات".
 
ومن المتوقع أن يناقش النواب في حزيران/ يونيو المقبل النظام الداخلي، وضرورة تضمينه مدونة سلوك كان النواب قد رفضها بنسختها الأولى، لأسباب تتعلق بـ"ولاية المجلس، وعدم وجوب تقييم سلوكه".

وكانت المسودة السابقة للمدونة شملت عقوبات بحق المتغيبين مثل حرمان النائب من حضور جلسات المجلس مدة لا تقل عن جلسة واحدة، ولا تزيد عن 5 جلسات، واقتطاع 200 دينار عن كل جلسة تغيبها، أو حرمانه من المشاركة في الوفود الرسمية.
 
من جانبه، حمّل النائب في البرلمان الأردني، طارق خوري، عضو لجنة مدونة السلوك قانون الانتخاب مسؤولية غياب النواب، بعد أن حوّلهم من نواب سياسية إلى نواب خدمات، قائلا لـ"عربي21": "أصبح مقياس نجاح النائب هو كم عدد الناس الذين خدمهم، لذا بالنسبة لجزء كبير من النواب يفضل عدم الحضور للجلسات لخدمة الناس، وحشد أصوات للانتخابات القادمة".
 
ويدعو خوري لتعديل قانون الانتخابات، وتوسيع الدوائر الانتخابية، لزيادة المنافسة، وتجميع الناس، بدلا من تفرقتهم، عوضا عن التنافس العشائري، حيث يفوز المرشح بناء على الأحقية.
 
ويأمل النائب أن يكون هناك تأثير لمدونة السلوك التي يناقشها المجلس، مؤكدا في الوقت ذاته عدم استجابة الحكومة لمطالب النواب، مما جعل النائب يشعر بالإحباط من الحضور.
 
ويشير آخر استطلاع لمركز القدس للدراسات الاستراتيجية حول أداء مجلس النواب الأردني، إلى أن 26% من الأردنيين غير معجبين بأداء أي نائب أردني، بينما بلغت نسبة الرضا عن حضور الجلسات 30% فقط، وحصدت نسبة الرضا عن دور النواب في الرقابة على الحكومة 30% أيضا.
 
بدوره، رأى مدير مركز الحياة لتنمية المجتمع المدني "راصد" (وهي مؤسسة مجتمع مدني معنية برصد أداء المجالس المحلية ومراقبة الانتخابات)، الدكتور عامر بني عامر، أن "هناك استشعار من صانع القرار كما هو حال جميع الأردنيين بوجود تراجع في أداء مجلس النواب".

وقال بني عامر لـ"عربي21" إن "هذه الدورة تشهد تراجعا ملحوظا مقارنة مع الدورات السابقة في مجلس نواب السابع عشر على صعيد حضور الجلسات والإنجاز التشريعي، وهناك تراكم للتشريعات وتأخير في إنجازها، وتباطؤ شديد في الدور الرقابي، وعدم مناقشة الكثير من الأسئلة النيابية الموجهة للحكومة".
 
ويعتقد أن "مدونة السلوك يجب أن تتضمن عقوبات بحق النواب المتغيبين الذين يتجاوزون الأعراف النيابية، وألا تبقى مجرد التزام أخلاقي فقط، متعهدا بإصدار تقرير مع نهاية الدورة العادية يشمل أهم القوانين التي أقرها المجلس دون نصاب، وأبرزها قانون هيئة المرئي والمسموع، الذي أقر من 52 نائبا فقط".
 
وكانت الإرادة الملكية صدرت بالتاسع عشر من الشهر الحالي، بفض الدورة العادية لمجلس الأمة اعتبارا من الثاني من شهر أيار/ مايو المقبل، حيث من المرتقب أن يُدعى مجلس الأمة لدورة استثنائية قبل شهر رمضان في حزيران/ يونيو المقبل.

يشار إلى أن المجلس أنجز في دورته العادية 28 تشريعا، عقد خلالها ستين جلسة ما بين تشريعية ورقابية.