كتاب عربي 21

بكركي الجديدة.. نجاح وفشل

1300x600
عندما قدم البطريرك الماروني نصرالله صفير استقالته من سدة البطريركية المارونية في لبنان والمشرق قبل نحو أربع سنوات في 25 آذار 2011، أي بعد عشرة أيام على انطلاقة الثورة السورية ضد حُكم الأسد، الذي تربطه بصفير "الإستقلالي" علاقة رفضٍ مزمنة، أعطى المراقبون في حينه عدة تفسيرات للخطوة ليس بينها التقدم بالسن والمرض كما أُعلن رسمياً، علماً أن صفير عاد خلفه البطريرك بشارة الراعي الذين يصغره بعشرين عاماً مطلع السنة الحالية في المستشفى، إثر عملية جراحية أُجريت للراعي ووُصفت بالدقيقة، فيما لا يزال البطريرك صفير يداوم على رياضته الصباحية كالمعتاد.

ولعل التفسير الذي بات اليوم أقرب إلى المنطق هو أن الفاتيكان طلب من صفير التنحي، لعلمه المسبق بمنحى التطورات في المنطقة وطبيعة الصراع في سوريا تحديداً، وانزلاق الطرفين السني والشيعي في لبنان بأتون هذا الصراع، ولحرص الفاتيكان على تحييد المسيحيين عن النزاع مع النظام السوري الذي لم يكن أصلب من البطريرك صفير، في مقارعة سيطرته على الكيان اللبناني، حيث يتصدر حسابات الفاتيكان المشرقية حقيقة أن الوجود المسيحي في لبنان أساسي في المنطقة العربية، ولا يمكن تكرار هجرة مسيحيي العراق وسوريا على مسيحيي لبنان، الذين عليهم أن يستعيدوا المبادرة في قيادة هذا البلد الصغير والحيوي، برغم التناقضات الراهنة بين مكوناته المسلمة، وهذا لا يكون إلا بالإبتعاد عن هذه التناقضات التي شكل البطريرك صفير فيها قطباً محورياً فيما مضى، حيث تصفه قوى 14 آذار ببطريرك الاستقلال الثاني، وتعتبره ملهِماً لـ "ثورة الأرز"، فيما يختلف مسار البطريرك الراعي كلياً عن المنحى الاصطفافي، وهو حرص منذ انتخابه بطريركاً على زيارة جميع المناطق اللبنانية، في رسالة فضٍ لخلافات بكركي (مقر البطريركية المارونية شرقي بيروت) السياسية وتحديداً مع حلفاء إيران وسوريا.

اليوم وبعد أربع سنوات على التغيير البطريركي ما الذي تحقق على صعيد استعادة المسيحيين، زمام المبادرة في البلد العربي الوحيد الذي ينص دستوره على تبوء مسيحي ماروني رئاسة الجمهورية فيه؟ وهل استطاعت "بكركي" الجديدة الإمساك بالعصا من الوسط، أم إنها تبنّت -أو على الأقل- تقبلت فكرة تحالف الأقليات التي نظّر لها على مدى العشرين عاماً الماضية الثلاثي إيلي الفرزلي، كريم بقردوني وميشال سماحة (الموقوف بجرم نقل متفجرات من سوريا لتفجيرها في مدينة طرابلس، عبر تشكيل عصابة لتنفيذ ذلك، بغرض إثارة النعرات الطائفية والمذهبية)؟.

أولاً: استطاع البطريرك الراعي كسر الجليد بين أقطاب الموارنة وأطلق ما يعرف باللقاء الرباعي في بكركي، الذي يرعاه البطريرك ويضم الرئيس أمين الجميل والنائبين ميشال عون وسليمان فرنجية والدكتور سمير جعجع، بهدف ردم الهوة بين هذه الأطراف والاجتماع على القواسم المشتركة.

ثانياً: تطبيع علاقات بكركي مع النظام السوري بطريقة غير مباشرة، وقد تجلى ذلك بالزيارة "الكنسية" البارزة، التي قام بها البطريرك الراعي إلى سوريا في شباط 2013 والترحاب الرسمي الكبير الذي جرى التعبير عنه في عدة أشكال. حتى إن الرئيس بشار الأسد يحرص حتى الآن في مناسبات خاصة على إيفاد ممثل له للتواصل مع الراعي في لبنان. 

ثالثاً: تطوير العلاقة بين بكركي وحزب الله لدرجة تأسيس "لجنة الحوار بين البطريركية المارونية وحزب الله"، التي تجتمع بشكل متتابع لبحث هواجس الطرفين في المرحلة الراهنة.

رابعاً: الإبقاء على التواصل الدائم والودي مع الأطراف اللبنانية الأخرى، مثل تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي ضمن سياسة الانفتاح على الجميع.

خامساً: فشل البطريركية حتى الآن في دفع الأطراف إلى سد الفراغ الحاصل في رئاسة الجمهورية منذ 24 مايو أيار 2014 إثر انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان، مع عدم تمكن مجلس النواب من انتخاب رئيسٍ جديد، بسبب اختلاف الأطراف المارونية الرئيسية فيما بينها من جهة على هوية الرئيس، وبسبب انشغال عواصم القرار الإقليمية والدولية عن الملفات اللبنانية. 

 إذن وفي النقطة الأخيرة، صحيح أن الراعي تسلم مهامه وكان زعماء الموارنة لا يلتقون فجمعهم، لكنه تسلمها أيضاً وكان في قصر بعبدا رئيس للجمهورية، ولم يستطع الراعي حتى الآن التوصل مع أطراف الرباعي الماروني على مرشح توافقي للرئاسة مع إصرار النائب ميشال عون على أحقيته بالرئاسة، بدعوى أنه يرأس أكبر كتلة مسيحية في البرلمان، علماً أن شركاء الوطن من الطوائف الأخرى يعلنون أنهم ينتظرون توافق المسيحيين فيما بينهم على الاستحقاق الرئاسي، وإن كان هؤلاء الشركاء أو بعضهم على الأقل، وسّعوا نشاطاتهم ونفوذهم الناخِب إلى خارج لبنان، فهناك من يعلن من بيروت أنه يَمنع إسقاط رئيس سوريا، وممنوع أن يحكم رئيس اليمن، فإذا كانت "الإيد طايلة" بهذا القدر لماذا لا يفرض مرشحَه المعلَن لرئاسة الجمهورية؟ يتساءل بحرقة ميشال عون.