كتاب عربي 21

بين محاكمة دريفوس ومحاكمة فلسطين

1300x600
الظلم والعنصرية ومعادة السامية في محاكمة دريفوس الشهيرة، يتوارون خجلاً أمام إدانة محكمة أمريكية للفلسطينيين على مقتل 33 اسرائيلياً.

في 23 فبراير الماضي، أدانت محكمة أمريكية بمدينة نيويورك، منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية مجتمعتين بتهمة دعم ستة هجمات قامت بها حماس وكتاب شهداء الأقصى في "إسرائيل" بين عامي 2002 و2004، وأدت إلى مقتل 33 "إسرائيلياً" وجرح أكثر من 450، وقضت بتغريمهما تعويضات بقيمة 218.5 مليون دولار، تدفع لعائلاتهم، وقد تصل الى 655.5 مليون دولار وفقاً لقانون مكافحة الإرهاب الأمريكي. وهي الدعوى التي أقامتها مجموعة قانونية إسرائيلية تدعى "شورات هادين، المركز القانوني الإسرائيلي، ممثلة لعشر عائلات إسرائيلية.

ووفقاً للتعليقات الإسرائيلية، فإن هذا الحكم سيكون له تأثيره الكبير على جهود السلطة الفلسطينية في ملاحقة إسرائيل جنائياً بتهم جرائم الحرب في المحكمة الجنائية الدولية. ولقد أشارت الحكومة الإسرائيلية إلى أنها تنوي اللجوء لهذه المحكمة نفسها، لاتهام السلطة الفلسطينية بالإرهاب و جرائم ضد الإنسانية.

وبعد سماع الحكم، صرح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بأن "المحكمة الفيدرالية الأمريكية حكمت بمسؤولية السلطة الفلسطينية عن الهجمات الإرهابية القاتلة في العقد الماضي، وبدلاً من أن تعي الدرس نجد أن السلطة الفلسطينية مازالت تتقدم بخطوات تؤثر على الاستقرار الإقليمي للمنطقة، مثل اللجوء للمحكمة والتحالف مع منظمة حماس الإرهابية....ونحن نتوقع من العناصر المسؤولة في المجتمع الدولي أن تستمر في معاقبة هؤلاء الذين يدعمون الإرهاب، مثلما فعلت المحكمة الفيدرالية الأمريكية كما يجب دعم الدول التي تحارب الإرهاب ". 

قبل ذلك بما يزيد عن قرن وربع، وفي عام 1884 وبسبب العنصرية والمعاداة للسامية التي كانت متفشية في فرنسا في ذلك الوقت، تم تلفيق اتهام للنقيب اليهودي في الجيش الفرنسي "ألفريد دريفوس" بأنه تجسس لصالح المانيا وأرسل لها ملفات سرية، فحكم عليه بالأشغال الشاقة والنفي. مما أدى إلى انقسام المجتمع الفرنسي لسنوات طويلة انتهت بتبرئته في عام 1906، بعد نضال طويل من مؤيديه للدفاع عنه.

وهي القضية التي كانت لها أثر بالغ فيما بعد على فرنسا وأوروبا بل علينا نحن أيضا، حيث كان الاضطهاد العنصري لدريفوس هو أحد الذرائع الأساسية التي استند عليها مؤسس المنظمة الصهيونية العالمية، الصحفي النمساوي تيودور هرتزل في دعوته لتأسيس دولة يهودية في فلسطين، يهاجر لها يهود أوروبا هرباً من عنصرية وكراهية أوروبا المزمنة لهم.

يصدر هذا الحكم الأمريكي  قبل أن تجف دماء أكثر من 2000 شهيد في غزة في أكبر عدوان وجريمة إبادة ترتكبها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، منذ مذبحة صابرا وشاتيلا عام 1982، بلغت نسبة المدنيين منهم ما يزيد عن 80 % ، ما يقرب من نصفهم من الأطفال والنساء.

ويتناول الحكم أفعالاً تمت بين عامي 2002 و2004، خلال سنوات انتفاضة الأقصى التى بلغ عدد ضحاياها ما يقرب من 5000 شهيد و خمسين ألف مصاب، هذا بالإضافة إلى عدد مماثل من الشهداء سقطوا بعد ذلك في الاعتداءات الاسرائيلية المتكررة من 2008 حتى 2014، بالإضافة بالطبع إلى شهداء حرب تموز 2006 في لبنان الذى بلغ عدد ضحاياها ما يقرب من 1200 شهيد و4000 جريح لبناني.

ويصدر الحكم  لصالح كيان إرهابي عنصري شاذ وغاصب قام بقتل وتشريد وأسر الملايين من الفلسطينيين، بعد أن اغتصب أوطانهم ومنازلهم على امتداد عشرات العقود، دون أن تصدر أي إدانة قضائية أمريكية أو أوروبية واحدة له.

ويصدر هذا الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية الراعية الأولى للمشروع والكيان الصهيوني، والحامية العظمى لإسرائيل من أي إدانات دولية. وبسببها فشلت كل المحاولات العربية والفلسطينية على امتداد أكثر من ستين عاماً في إصدار أو تفعيل قرار واحد يتيم ضد إسرائيل التي تنتهك ميثاق الأمم المتحدة كل يوم.

ويصدر هذا الحكم العنصري "بالغ التطرف" في ظل حملة أمريكية أوروبية إسرائيلية تتهمنا نحن الفلسطينيين والعرب والمسلمين "بالتطرف".

ولو كانت الأمة في حالة سوية، لنجحنا مثلما فعل الفرنسيون، في شن حملة سياسية وقانونية عالمية، لا تقل عن حملة الدفاع عن دريفوس، لكشف عنصرية الحكم والقوانين والادعاء والمحلفين وغالبية الرأي العام والنظام والدولة في الولايات المتحدة والغرب.

ولكننا للأسف وقبل أن يجف الحبر الذي كتب به هذا الحكم الأمريكي العنصري، فوجئنا بحكم جديد صادر من محكمة الأمور المستعجلة بالقاهرة، عاصمة مصر قلب الأمتين العربية والإسلامية، يدرج المقاومة الفلسطينية كجماعة إرهابية، في تماهٍ كامل مع الادعاءات الصهيونية.