مقالات مختارة

الدروس التي ينبغي أن نتعلمها من أزمة القرم

1300x600
كتب ديفيد إغناتيوس: من خلال تحليل الصور الفوتوغرافية التي يظهر فيها أفراد القوات الروسية الخاصة (سبيتسناز)، يمكننا أن نستخلص العديد من الأشياء الواضحة: تتميز تحركات أفراد تلك القوات بدرجة كبيرة من الكتمان، ولا يضعون شارات محددة على ملابسهم، ولا يكشفون وجوههم في الغالب، كما أنهم يتميزون بالانضباط والحسم في تحركاتهم.

تتواصل ردود الفعل الدبلوماسية على التدخل الروسي في شبه جزيرة القرم. وفي الوقت نفسه، بدأ المسؤولون في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) في تقييم «الدروس المستفادة» عسكريا من أزمة القرم. لكن أهم تلك الدروس هو أن تدخل روسيا في شبه جزيرة القرم يُعد مثالا ينبغي أن يُحتذى في سرعة نشر قوات العمليات الخاصة من أجل تحقيق هدف محدود.

خلال لقائه الأسبوع الحالي مع مدونة «وور أون ذا روكس» (War on the Rocks) العسكرية، قال بول سوندرز، المدير التنفيذي لمركز المصلحة القومية (مركز نيكسون)، «ما أدهشني حتى الآن هو المستويات الواضحة من الانضباط والتدريب والتعاون التي تتميز بها القوات الروسية.

سارع الروس بنشر قواتهم خلال الساعات القلائل التي تلت التقارير، التي تحدثت عن تحركاتهم الأولية في السادس والعشرين من فبراير (شباط) الماضي. وبعد يومين فقط من تحذير الرئيس أوباما من أنه ستكون هناك «تكاليف» إذا ما جرى غزو شبه جزيرة القرم، كانت القوات الروسية قد تدخلت بالفعل وأصبح وجودها في القرم أمرا واقعا.

وتشير تقارير إلى أن حجم القوات الروسية الموجودة في شبه جزيرة القرم إبان اشتعال الأزمة كان يقدر بـ15,000 جندي، وسرعان ما أضافت موسكو 5000 جندي آخرين، غالبيتهم من قوات العمليات الخاصة. وحسب الاتفاقية التي تُجيز للروس البقاء في قاعدة البحر الأسود البحرية في سيفاستوبول الأوكرانية، يُسمح لموسكو بنشر ما يصل إلى 25,000 فرد في تلك القاعدة.

وقد لاحظ المحللون العسكريون بعض الخصائص المثيرة للاهتمام المتعلقة بعملية نشر القوات الروسية في شبه جزيرة القرم؛ من بينها أن الرئيس فلاديمير بوتين، وهو ضابط سابق في جهاز الاستخبارات السوفياتية السابق (KGB)، اختار أن تتم العملية بطريقة أقرب إلى «عمل شبه عسكري سري» بدلا من القيام بهجوم عسكري عادي. ولأن القوات، التي دخلت القرم، لا تحمل شارة القوات الروسية، كان هناك شبه إنكار لتدخل تلك القوات، وهو الأمر الذي استطاع الروس استغلاله بشكل جيد.

خلال المؤتمر الصحافي الذي عقد في الرابع من مارس (آزار)، نفى بوتين أن تكون القوات الروسية قد غزت شبه جزيرة القرم، على الرغم من أن الأدلة الفوتوغرافية تشير إلى عكس ذلك تماما، وأصر بوتين خلال حديثه على أنه «يمكن (لأي شخص) أن يذهب إلى أي متجر ويشتري زيا (يشبه زي القوات الروسية)». واستمرت حالة «الإنكار» تلك عندما قال وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو في الخامس من مارس (آزار) أن الحديث عن غزو القوات الروسية لشبه جزيرة القرم «محض هراء»، وإنه «ليس لديه أدنى فكرة» عن الطريقة التي دخلت بها المركبات العسكرية الروسية إلى هناك.

كانت تلك المحاولات التافهة لإنكار الواقع مفيدة من عدة زوايا؛ فقد وفرت قدرا بسيطا من الشرعية لعملية تدخل غير شرعية، ووفرت لروسيا الفرصة (التي لم تحصل عليها بعد) لإيقاف تصعيد عملية لم يجرِ الاعتراف بها رسميا، كما أن تلك المحاولات أبعدت بوتين عن المشهد في حال تطورت الأمور إلى الأسوأ وقُتل الأوكرانيون في أي مرحلة من مراحل الأزمة. كما أظهر بوتين استعداده لخوض غمار المخاطر أيا كانت. حتى الآن، لم يجد الروس أنفسهم مضطرين للقتال ضد قوات أوكرانيا، وهذا لم يكن بمقدور بوتين توقعه عندما بدأت عملية غزو شبه جزيرة القرم. ولهذا السبب، كان واضحا الدرجة العالية من الدقة والانضباط في تحركات القوات الروسية، حيث ساعدت مهنيتهم العالية على تقليل خطر وقوع أي حادث من شأنه تعريض الأمور للخروج عن السيطرة.

في النهاية، أعد بوتين حجة منطقية لتدخله - إلى جانب الدعاية المصاحبة - فأصر على أنه يهب لحماية المواطنين الروس والناطقين باللغة الروسية في القرم، كما لقيت قواته ترحيبا من سكان المنطقة، ناهيك عن التشجيع الذي حظيت به تحركاته في الداخل الروسي. هذه النماذج تشير إلى أن بوتين ربما يكون مستعدا للتحرك، على نحو مماثل، لحماية الروس في الدول المجاورة، مثل شرق أوكرانيا أو إقليم ترانس - دنيستر في مولدوفا.

ويرى المحللون أن بوتين لن يقدم على اتخاذ أي إجراء ضد الدول المجاورة مثل ليتوانيا ولاتفيا، اللتين تضمان أعدادا كبيرة من السكان الناطقين باللغة الروسيةـ لكنها في الوقت ذاته أعضاء في الناتو. فمثل هذه العمليات ستتطلب مزيدا من القوة. وستشكل اختبارا للمادة الخامسة من التزام الناتو، بالدفاع المشترك الذي تقوده الولايات المتحدة، مجازفة ربما تكون أعظم من استعداد بوتين لتحملها.

تشير عملية القرم الجيدة التنظيم أيضا إلى التقدم في جودة وتدريب الجيش الروسي الذي يعمل بمثل هذه الدقة قبل عشر سنوات في الشيشان وفي غزو جورجيا عام 2008، والمحاولة الفاشلة لتحرير 850 رهينة في مسرح موسكو عام 2002 والتي أسفرت عن وفاة 130 رهينة.

وقد حققت روسيا نتائج واضحة من زيادة الإنفاق على جيشها، فتقدر نسخة عام 2012 من المسح السنوي الذي أجراه المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إنفاق روسيا 3.78 في المائة من دخلها المحلي الإجمالي على الدفاع في عام 2013، والذي يشكل أعلى نسبة في أكثر من عشر سنوات. وقد تمت إقالة الضباط الروس الكبار السن أو غير الأكفاء في إطار عملية التحديث.

باختصار، هذا الجيش الروسي ليس الجيش الذي بدا ضعيفا للغاية في أفغانستان، بل هو جيش مدرب وقوي ويجيد استخدام السرية. والواضح أن بوتين لم تردعه تحركات قوات الناتو التي عبرت عن التزامها بحماية الدول الأعضاء، لكنها لم تنقل أي استعداد لدراسة العمليات السوداء الروسية في منطقة مجاورة صديقة.

(الشرق الأوسط)