كتاب عربي 21

تركيا أردوغان .. حتى تتبع ملتهم!!

1300x600
تدق في تركيا هذه الأيام أجراس خاشعة متناغمة وهادئة، هذه الأجراس تشكل إحدى سمفونيات وداع التجربة الأردوغانية بعد أن تجاوزت العقد في تركيا حولتها إلى مركز اقتصادي وثقافي وسياحي في المنطقة، إلا أن البيئة الإقليمية والعالمية التي سمحت ببروز أردوغان في مرحلة بدايات الحرب على ما يسمى "الإرهاب" كنموذج للاعتدال الإسلامي الذي تسمح به أمريكا والمجتمع الدولي في سياق الحرب التي كانوا يخوضونها على أنظمة إسلامية في أفغانستان وغيرها، هذه البيئة ماعادت لتقبل طويلا وجود أردوغان بها حاليا بطموحه الإقليمي الواسع وتجاوزه للحدود من خلال وقوفه ضد المشروع الاقليمي الجديد الذي بدأ بالانقلاب على مرسي .

ليست وحدها "مواقف" اردوغان هي من أودت به في مستنقع الغضب الأمريكي والإقليمي، بل إن عمر التجربة أيضا الذي تجاوز العقد وارتباط التجربة بالشخص وعدم قدرة حزب العدالة والتنمية على ترويج شخص بديل يحمل التجربة بذات الكاريزما والقوة التي يمتلكها أردوغان هو ما سارع وتيرة الانقضاض عليه، كذلك كون أجزاء من مشروع أردوغان وفريقه هي توجهات غير مدونة وغير مكتوبة وإنما مضمرة في عقول أصحاب المشروع ولم تحول لبرامج واضحة ومدونة يمكن أن تحررها من مصائر الأشخاص، وهذا يعزى لعدة أسباب وجيهة والبعض ينفي وجود هذه التوجهات أصلا. 

كذلك عدم اعتماد اردوغان في مشروعه على كتل صلبة ساحقة تتبنى جميع توجهاته وإنما سعى دوما لتوظيف مساحات التقارب والتشابه مع الكتل الصلبة الموجودة والتي تحمل منظومة مصالح وأهداف متجاوزة لمشروع أردوغان وإن تلاقت معه مرحليا، هذه الكتل وان كانت مفيدة جدا في إطلاق مشروع أردوغان بقوة في بداياته إلا أنها كانت مميته في نهاياته، فمشروع أردوغان لم يكن مجرد تركيا "نظيفة وقوية"  بل تضمن هذا المشروع الأخذ بها في صراعات إقليمية ودولية لاحقا وإحداث تحولات بنيوية في أيديولوجية الدولة التركية، وهذا لم يرق لكتل كبرى موجودة؛ أو في أفضل الأحوال لم تتفهمه مما أدى لسهولة الإيقاع بينهما ثم توظيف الخصومة جيدا في مشروع الاجهاض. 

البعد الأهم والأكبر في احتضار التجربة الأردوغانية هو الملف الإقليمي ومشروع واشنطن الجديد الذي بدأ بإسقاط مشاريع الإسلاميين بالمنطقة، مرورا  بتصفية الملف السوري وبروز مشاريع تقسيم العراق واليمن وليبيا بشكل أكثر وضوحا، ومع سعي تركيا أردوغان للوقوف بشكل يعكس استقلالية رؤية وقرار نسبية، و موقفها من العدوان الاسرائيلي الأخير على غزة بالتناغم مع موقف مصر "الإخوان" وقتها، أصبح أردوغان يشكل عبئا كبيرا على تنفيذ مشروع محور الاعتدال الصهيوني - الخليجي في المنطقة، فبعد أن صرح قائد شرطة دبي "ضاحي خلفان"- والذي هو أكبر من كونه قائد شرطة مدنية بإمارة- صرح بأنها شهور معدودات وسيتم إسقاط الاخوان بمصر ثم صرح لاحقا بأنه سيلحق بهم التونسيون والأتراك، هذا يوضح بعدا هاما في مشروع إقليمي (خليجي-صهيوني) لتصفية أي وجود و أي صيغة للإسلاميين في المشاريع السياسية الإقليمية حتى لو كانت بصيغة ليبرالية رأسمالية ذات مسحة أمريكانية !! 

تصريح ليفني أيضا بعد موقفي أردوغان ومرسي بأنهما سيدفعان ثمن وقوفهما ضد إسرائيل سرعان ما ترجمت لخطوات في مصر أدت إلى إسقاط مرسي وخطوات أخرى بتركيا حاليا لاندري إلى أين ستصل بأردوغان؛ إلا أنه في كل الاحوال قد بدأت الحرب "المعلنة" عليه ولن تهدأ حتى تحقق أهدافها أو يحدث ما هو أشبه بالمعجزات، و كل ذلك ?ن أردوغان لم ينصاع للتحولات الجديدة ولم يحترم اللعبة الأمريكية في المنطقة برغم كل التنازلات التي قدمها "العدالة والتنمية" في صيغة الإسلام السياسي، وبرغم قبوله بكافة أدوات اللعب البراجماتي وتقديم صيغة إسلام وسطي من النوع الأمريكي الرأسمالي الذي يعترف بصيغ المجتمع الدولي إلا أن كل هذا لم يرض أمريكا وحلفائها من صهاينة العرب وصهاينة الاحتلال .. وهنا نتذكر قوله تعالى: حتى تتبع ملتهم.