مقالات مختارة

جرائم الحرب وتصدير الأسلحة للاحتلال

الأناضول
في المؤتمر الصحفي الذي عقده وزيرا الخارجية الأمريكي والبريطاني في واشنطن، وجه مراسل قناة أي. تي. في. البريطانية إلى أنتوني بلينكن سؤالا ماضيا كحد النصل. قال له: بعد مقتل أفراد طاقم "المطبخ المركزي العالمي" السبعة، أعربتَ عن استنكارك الشديد. كانت عباراتك قوية بليغة. لكن أين كان موقف الاستنكار هذا عندما كانت القوات الإسرائيلية تقتل المئات من عمال الإغاثة والصحفيين الفلسطينيين، حتى ممن كانوا يرفعون الأعلام البيضاء؟

هنا وقفت سيارة الشيخ بلينكن في العقبة، فارتجل جوابا سفسطائيا باهتا، طوّح بعيدا لكنه لم يقل شيئا؛ ذلك أن الحقيقة المعروفة هي أنه استنكر مقتل السبعة استنكارا صادقا ناجزا؛ لأن ستة منهم غربيون، أما مئات القتلى الذين ذكّره بهم الصحفي، فكيف لبلينكن ولبايدن أن ينتبها مجرد الانتباه لمقتلهم طالما أنه ليس بينهم غربي واحد! أما الذي زاد جواب بلينكن فداحةَ وضعف أدائه افتضاحا، فهو أنه كان بجانب ديفيد كاميرون الفصيح المفوّه، الذي غالبا ما تنبجس عبارته دقيقة رشيقة، كأنه يقرأ من كتاب.
الحرب في غزة لم تعد حربا على الإرهاب، أو للدفاع عن إسرائيل، وإنما يبدو أنها حرب على الإنسانية.

يبدو أن الحرب في غزة لم تعد حربا على الإرهاب، أو للدفاع عن إسرائيل، وإنما يبدو أنها حرب على الإنسانية ذاتها. وإذا كان مراسل أي. تي. في قد ألقى سؤالا ملغّما سوف يذكره المؤرخون عندما يكتبون عن سيرة بلينكن السياسية الشاحبة، فإن مؤسس منظمة "المطبخ المركزي العالمي" الخيرية خوزي أندرس، قد فعل أكثر من ذلك بكثير عندما ظهر على شاشة شبكة أي. بي. سي. التلفزيونية الأمريكية.

قال لا فض فوه: "يبدو أن الحرب في غزة لم تعد حربا على الإرهاب، أو للدفاع عن إسرائيل، وإنما يبدو أنها حرب على الإنسانية ذاتها". عبارات بسيطة واضحة، من الأكيد أن معظم سكان القرية الكونية يشهدون بصحتها بفعل ما هم عليه شهود، يوميا، من عربدة إجرامية جنونية لا تزال مستمرة على مدى أكثر من نصف عام، لكنها مع ذلك عبارات من شبه الأكيد أن الإعلام التلفزيوني الأمريكي لم يسمع مثلها من قبل.

إنها عبارات ثورية بمقاييس البث التلفزيوني الأمريكي، وراديكالية بمقاييس الثقافة السياسية الأمريكية (ثقافة الجمهور العام والنخبة على حد سواء)؛ ذلك أنه قد يحدث أن تصيب الإعلامَ التلفزيوني الأمريكي نوبة شجاعة في بعض الحالات المتعلقة بالسياسة الأمريكية، خصوصا على المستوى المحلي المتعلق بشؤون الولايات والمدن والبلدات، لكن لم يحدث أبدا أن تصادفت أو تشابكت نوبة الشجاعة النادرة هذه مع واقعة أو مسألة تهم إسرائيل.

ورغم أن هامش الحرية لدى الصحافة المكتوبة أوسع، خصوصا في كبريات الصحف، فإن الشجاعة مثلما تقول العبارة العامية، تحضر وتغيب.

تحضر لماما وتغيب أعواما؛ لأن الموقف الإعلامي الأمريكي من إسرائيل لا يزال أسير عادات التهيّب والتوقير القريب من التقديس. ولهذا فإنها سابقة إعلامية فعلا أن تقدم قناة أمريكية على استضافة شخص يتهم إسرائيل بشن حرب على الإنسانية، ثم ألا يتراكض مسؤولو القناة إلى حذف عبارات الاتهام هذه من الحوار بعد تسجيله، أو ألا يقررون بعد أخذ ورد أن عدم بث الحوار أصلا هو الأنسب والأسلم؟

بل الذي حدث أن الشبكة الأمريكية قررت إبقاء هذه العبارات القادحة في الذات الإسرائيلية المقدسة، ومضت إلى حد رفع فيديو الحوار المسجل على يوتيوب تحت عنوان: الحرب في غزة حرب على الإنسانية.

والحق أن الذي لفت نظري، قبل أيام من اكتشافي مفاجأة هذا الحوار التلفزيوني، هو مقال الرأي الذي نشره خوزي أندرس نفسه في جريدة النيويورك تايمز. مقال ينبئك منذ فقرته الافتتاحية أن صاحبه كاتب قدير خبير بكيمياء اللفظ. في البداية تساءلت هل يكون الرجل كاتبا؟ ثم لما علمت أنه في الأصل طباخ إسباني ناجح بارع في فن الطبخ، رجح عندي أن الذي كتب المقال أو حرره ملحق إعلامي في المطبخ المركزي العالمي، أو صحفي من المتعاونين أو المتضامنين مع المنظمة الخيرية.

وهذا أمر مألوف في كثير من المنظمات، حيث يكون من مهام قسم الإعلام تحرير الخطب أو مقالات الرأي التي تنشر في الجرائد.

هكذا بدأ المقال: "في أسوأ الظروف التي يمكن أن تتخيلها – في أعقاب الأعاصير، والزلازل، وانفجارات القنابل وطلقات النيران – يُشعّ من الإنسانية خيرُ ما فيها وأفضل. ليس مرة أو مرتين بل تكرارا وعلى الدوام".

وفي ثنايا المقال، ضمن درر كثيرة مشابهة، أن: "الغذاء حق إنساني بإطلاق. (في منظمتنا)، لا نسأل بأي ديانة تَدِين، بل نسأل كم وجبة تحتاج؟".

القدس العربي