قضايا وآراء

هل دقت ساعة اليمين المتطرف في فرنسا؟

احتجاجات سكان الضواحي- جيتي
الضواحي في المدن الفرنسية تبدو وكأنها سجون أبدية محكوم على سكانها بقضاء أعمارهم، ليس فقط في هذه الأمكنة، ولكن ضمن صورة نمطية مؤطرة في جدار العقل الفرنسي، ونمط معين من الحياة يصعب الخروج منه، نمط حياة رثة تبقى ملازمة للشخص، ولن ينقذه من هذا الكمين لا التأهيل، ولا التعليم ولا تطوير الذات، ولا الصدفة بالطبع.

هو كمين بالفعل، يقع فيه كل من يهرب من بلاده حالما بالحرية والثراء وعالم جديد، حيث سيكتشف اللاجئ بعد فترة أنه يعيش في غيتو مغلق، ستلاحقه أعين البوليس في كل مكان بصفته متهما أبديا، وسينظر له الفرنسيون على أنه إما مشروع منحرف قادم، أو منحرف خارت قواه واستسلم بعد أن تم تقليع أظافره وأنيابه، بالسجون والغرامات الثقيلة.

في الضواحي، يصبح الجميع ضحايا هذا الوضع الغريب، هذا الوضع الذي جرى تصميمه بحيث يستحيل الخروج منه إلا إذا توفرت فرص نادرة، حيث يتم تجميع المهاجرين في مناطق مخصصة، أحياء ذات أبنية طابقية متقاربة، تتميز بأسعار إيجار تناسب دخل هؤلاء السكان، وتتوفر في هذه المناطق أسواق ومحال لبيع المنتجات التي يستهلكها هؤلاء (المواد الغذائية والملابس وحتى السجائر) القادمة من البلاد الأصلية للمهاجرين، المغرب العربي وأفريقيا ومصر وسوريا ولبنان، ليصبح ذلك أحد معطيات الانقسام داخل المجتمع الفرنسي.

تدرك الأجيال الصاعدة في هذه الضواحي باكرا أنه لا فرص لديها في التطور الاجتماعي خارج إطار الأحياء التي ولدوا وعاشوا فيها، وأنهم لن يصبحوا مثل نظرائهم الفرنسيين، بسبب سياسات التمييز المُمارسة تجاههم، وعدم تكافؤ الفرص

تدرك الأجيال الصاعدة في هذه الضواحي باكرا أنه لا فرص لديها في التطور الاجتماعي خارج إطار الأحياء التي ولدوا وعاشوا فيها، وأنهم لن يصبحوا مثل نظرائهم الفرنسيين، بسبب سياسات التمييز المُمارسة تجاههم، وعدم تكافؤ الفرص، إذ يصعب أن يرتقي أحدهم ضمن السلم الوظيفي في الدولة والحصول على وظائف كالتي يحصل عليها الفرنسيون، وغالبا ما يتم تضييق الخيارات أمامهم وحصرها في الأعمال التي لا يشتغل بها الفرنسيون، وغالبا عندما يصل أبناء الضواحي إلى السن الوظيفية تكون ملفاتهم عند أجهزة الشرطة مثقلة بالتهم الجنائية التي تصبح حاجزا بينهم وبين الحصول على وظيفة وأحيانا على عمل معقول.

أغلب النساء المهاجرات هن مشاريع عاملات تنظيف أو قطاف في المواسم (العنب والتفاح والفريز)، والمحظوظات منهن اللائي يتقنّ اللغة جيدا يعملن بحضانة الأطفال أو في مآوي العجزة. وأغلب الرجال لا يجدون فرصا سوى في الأعمال التي تصنف بالشاقة أو في حراسة الأسواق كي لا يسرقها أبناء المهاجرين مثلهم.

لا يعني ذلك أن جميع الفرنسيين يعملون في الوظائف الراقية ذات المردود العالي، يوجد كثير منهم في أعمال شاقة ومتعبة، كما يوجد في نفس الوقت الكثير منهم يسكنون في الضواحي، فطاحونة الرأسمالية تبدو عادلة في هذا الأمر ولا ترحم أحدا، كما أن بعض المهاجرين تحصلوا على وظائف جيدة بدخل مرتفع، لكن بشروط معقدة، وكونهم متحصلون على كفاءات تحتاجها فرنسا ولديها نقص فيها، كالأطباء والمهندسين وخبراء البرمجيات وسواهم من هذه الفئات.

يعترف بعض المثقفين الفرنسيين بأن بلادهم تواجه ورطة مستقبلية لا تعرف كيف الخروج منها، وهذه الورطة بدأت بتخطيط خاطئ ارتكبته الأحزاب اليسارية قبل أكثر من خمسين سنة، حين أرادت أن تجهز للاجئين مساكن وأحياء حديثة وبأسعار معقولة، فبنت هذه الأحياء على أطراف المدن وجعلتها خيارا وحيدا للمهاجرين. صحيح أن السلطات الفرنسية لم تصدر قوانين تلزم هؤلاء بالسكن في هذه الأحياء، لكن لعدم وجود بدائل منطقية صار لزاما على المهاجرين العيش في هذه الأحياء التي ستتحول بعد ذلك إلى معازل تمنع اندماجهم بفرنسا وابتعاد فرنسا عنهم، وكأنها تعود بلادا ما وراء البحر يحلمون بالوصول إليها.

استجابة المجتمع الفرنسي ونخبه إزاء ردة فعل المهاجرين على سوء أوضاعهم، تذهب تجاه الاصطفاف أقصى اليمين، كنوع من الدفاع عن أوضاعهم وطلبا للحماية من "الرعاع" الذين باتوا يشكلون خطرا على أمنهم ومصالحهم، لذا يعتقدون أن الحل بوجود سلطات صارمة لا ترحم، وهذه لن يقدر عليها سوى اليمين المتطرف، الذي حقّق نسب تأييد مرتفعة في الانتخابات الرئاسية والتشريعية الأخيرة

منذ نشأتها شكلت الضواحي مكانا منفرا، كانت مركزا لليد العاملة، وأصبحت رمزا لوجود الطبقات الخطرة التي يخشاها الفرنسيون، هي بالتعريف الاجتماعي الطرف الآخر من المدينة والمكان الذي يجتمع فيه الفقر والانحراف وانعدام الأمن، والناس الذين يسكنونه لا يشبهون بقية الفرنسيين.

ما زاد من حدة هذه الإشكالية، التحولات العميقة التي جرت على الاقتصاد الفرنسي، الذي تحوّل من التصنيع إلى اقتصاد الخدمات والتكنولوجيا، والذي يتطلب تأهيلا مكلفا، الأمر الذي أنتج كتلا سكانية فائضة عن حاجات سوق العمل ورفع نسب البطالة بين سكان الضواحي، أو حوّلهم إلى أعمال هامشية غير مستدامة، ما سيوسع الفارق الطبقي ويكرس التمايز بين مكونات المجتمع الفرنسي.

المفارقة أن استجابة المجتمع الفرنسي ونخبه إزاء ردة فعل المهاجرين على سوء أوضاعهم، تذهب تجاه الاصطفاف أقصى اليمين، كنوع من الدفاع عن أوضاعهم وطلبا للحماية من "الرعاع" الذين باتوا يشكلون خطرا على أمنهم ومصالحهم، لذا يعتقدون أن الحل بوجود سلطات صارمة لا ترحم، وهذه لن يقدر عليها سوى اليمين المتطرف، الذي حقّق نسب تأييد مرتفعة في الانتخابات الرئاسية والتشريعية الأخيرة. وثمّة من يعتقد أن الأزمة الأخيرة سترجّح كفة اليمين، في ظل فقر في البرامج السياسية لدى أحزاب الوسط واليسار والافتقاد إلى شخصيات سياسية قوية.

twitter.com/ghazidahman1