ملفات وتقارير

"عربي21" ترصد تأثير الغلاء على الاستعدادات بمصر لاستقبال رمضان

أثرت الأسعار على استعدادات المصريين لشهر رمضان- عربي21
بدأت استعدادات المصريين لاستقبال شهر رمضان المبارك على غير ما اعتاده التجار والأهالي، خاصة في ظل ارتفاع تاريخي وغير مسبوق في أسعار السلع الغذائية، والتموينية، وفوانيس رمضان.

بشكل عام، وقبل حلول الشهر الكريم المتوقع يوم 23 آذار/ مارس الجاري، فلكيا، فقد بدت إحدى الأسواق الشعبية في منيا القمح، إحدى مدن دلتا مصر بمحافظة الشرقية، خالية من الشوادر التي كانت تغطي في السنوات الماضية أغلب مساحات شارع "القيثارية" التجاري، الشهير.

عدد قليل من المحلات التي بدأت في وضع فرش "ياميش رمضان"، فيما تأخر  الكثيرون وسط عدم حماسة بادية خلال حديث "عربي21"، معهم، فيما رفض العديد من الجزارين الحديث عن حالة السوق قبيل رمضان وتوقعاتهم مع الشهر الكريم.

كذلك كان ضعف إقبال المواطنين، لافتا بحسب ما رصدته "عربي21"، من مقاطع مصورة مع بعض الأهالي الذين أكدوا ترددهم في عمليات الشراء، وحديث بعض التجار عن ارتفاع الأسعار القياسي، وغياب بعض السلع الأساسية مثل الأرز.

"تردد وحيرة"
تساؤلات "عربي21"، للتجار والأهالي كانت حول ما يعرضه التجار من بضائع رمضانية، والمتوفر منها والشحيح، وقيمة أسعارها، والاختلاف في الأسعار عن العام الماضي، وعن الذي يشتريه المصريون الآن، وطرق مواجهتهم أزمة ارتفاع الأسعار مع رمضان.

ومن أمام معرض "أهلا رمضان"، الذي ينظمه حزب "مستقبل وطن"، المهيمن على البرلمان المصري بشقيه "النواب" و"الشيوخ"، تقف سيدة ستينية وابنتاها، تتابعان ما يُعرض، والحيرة حول قرار الشراء من عدمه بادية على ثلاثتهن.



وأكدن لـ"عربي21"، أن "الأسعار هذا العام لا يمكن أن تتحملها أسرة مصرية، ولهذا فقد فكرن في الشراء من سلع معارض (أهلا رمضان)".

ويرين أنها "أقل من المحلات العادية بنحو 3 جنيهات في كيلو السكر على سبيل المثال"، مبينات أن "أسعار البيض غالية جدا، وأنهن لم يحددن بعد هل سيشترين الزيت والمعكرونة أم لا".

وأوضحن أن "ما تعرضه تلك المعارض هي الأخرى غالي الثمن ولا يتناسب مع دخلهم".

وفي ابتسامة تحمل الكثير من السخرية والألم معا، أشرن إلى "وجود البضائع بكثرة في السوق"، مستدركات بقولهن: "ولكن الناس لا تشتري لعدم وجود نقود".

"أزمة أرز"
أحد العاملين في معرض "أهلا رمضان"، أكد أن لديهم أزمة في سلعة الأرز، التي تعد الوجبة الأولى لدى المصريين، والسلعة الأكثر أهمية بعد رغيف الخبز، والتي طالتها أزمة ارتفاع الأسعار مع شح بالأسواق واحتكار التجار وتغول حكومي على المحصول من الفلاح، منذ الصيف الماضي، بحسب الأهالي.

ويصل سعر كيلو الأرز البلدي المعبأ إلى ما بين 23 و25 جنيها (حوالي 0.75 و0.8 دولار)، بالأسواق الشعبية وهو السعر الذي يزيد بحسب منطقة البيع والسوبر ماركت الذي يعرضه، بعدة جنيهات.

وبينما يمارس عمله في محاسبة العدد القليل من الزبائن أمام المعرض، قال العامل لـ"عربي21": "لن نكذب لدينا أزمة في الأرز"، مشيرا إلى أن "الاقبال الآن قبل رمضان على الزيت والدقيق والسمن الصناعي والسكر".




وأوضح أن "الأسعار لديهم أقل من السوق، وأن السكر بـ18.60 جنيه (نحو 0.6 دولار) بمقابل نحو 21 (نحو 0.68 دولار) في السوبر ماركت، وأن البيض 94 جنيها (نحو 3 دولارات) للكرتونة مقابل 110 جنيهات (نحو 3.5 دولار)، وربع الشاي بنحو 38 جنيها (1.2 دولار) بأقل بنحو 10 بالمئة من الشارع". 

"رمضان بلا ياميش"
إحدى المحال التي بادرت بعرض ياميش رمضان بشارع "الحدادين" المعروف بتواجد تجار الجملة فيه، لا يوجد أمامها سوى سيدة وحيدة تقف مترددة في شراء أي من السلع نظرا لارتفاع الأسعار.

وحول أسعار الياميش واختلافها عن رمضان الماضي، قال صاحب المحل لـ"عربي21"، إن "سعر الزبيب سجل هذا العام 80 جنيها (نحو 2.6 دولار)، ووصلت لفافة قمر الدين إلى 25 جنيها (نحو 0.8 دولار)، وبلغ سعر كيلو بلح التمر الطري إلى 35 جنيها (نحو 1.1 دولار)، وعلب البلح المعبأ 700 غرام 35 جنيها (نحو 1.1 دولار)".




وأشار إلى "وجود زيادة في الأسعار عن العام الماضي"، مبينا أن "سعر التمر البذر الأصلي ارتفع من 20 إلى 25 جنيها، وتحرك سعر كيلو الترمس من 30 إلى 35 جنيها (نحو 1 و1.1 دولار)".

ولفت تاجر آخر بالمحل، إلى أن "الإقبال ضعيف، وأن الزبون متردد في الشراء لأنه لا توجد بضائع بسعر العام الماضي"، مشيرا إلى سيدة تقف لوقت طويل دون اتخاذ قرار بالشراء، وأنها توجه لهم اللوم والعتاب على تلك الأسعار.

"كل حاجة فظيعة"
السيدة في حديثها لـ"عربي21"، حول المناسب بالنسبة لها لكي تشتريه من ياميش رمضان، وقبل أن تشيح بيدها مرارا تعبيرا عن غضبها، ردت قائلة: "كل حاجة فظيعة، وهذه ليست أسعارا".

وبينت أنها "في رمضان الماضي اشترت بعض أنواع الشيكولاتة الشعبية بـ25 جنيها وهي اليوم ما بين 45 و60 جنيها بزيادة قدرها من 20 إلى 35 جنيها مرة واحدة"، لافتة إلى أن "السوداني المحمص كان بـ35 جنيها وهذا العام بـ60 جنيه بزيادة 25 جنيها للكيلو".

"فوانيس رمضان"
ثلاثة محال فقط تعرض فوانيس رمضان بشارع القيثارية، رغم أهمية الشارع وطوله وكثرة المعروض فيه الأعوام الماضية، ومن أمام إحدها، قال صاحب المحل إن "الأسعار بالطبع اختلفت عن العام الماضي بالزيادة".

وأكد لـ"عربي21"، أن "أسعار الفوانيس الكبيرة والمصنعة محليا ما بين 500 جنيه و400 و300 و200، (نحو 16 و13 و9.7 و6.5 دولار) وذلك بسبب ارتفاع أسعار الخامات".




وقال إن "سوق البيع والشراء أقل من العام الماضي".

"البيع بالمزاج"
ورغم أن محال الجزارة في شارع "القيثارية"، تعج بما تعرضه من لحوم بلدية ما بين الجملي والعجالي واللباني، إلا أن الأسعار المكتوبة على كل محل تختلف عن الآخر بدون فهم سبب ذلك الاختلاف، وبرغم أن المعروض واحد.

وما بين 180 و190 و200 جنيه تتراوح أسعار اللحم الجملي، بينما تزيد أسعار العجالي ما بين 20 و30 جنيها، فيما يعرض جزار تابع لمعرض "أهلا رمضان"، كيلو الجملي بـ190 جنيها، مؤكدا أنه أرخص بنحو 10 جنيهات عن السوق.

اختلاف أسعار المعروض من اللحوم برغم أنه واحد، فسرته إحدى السيدات بقولها لـ"عربي21": "كل جزار بيبيع بمزاجه"، معربة عن "أسفها من أن تلك الأسعار قد تزيد بنحو 10 و20 جنيها مع دخول شهر رمضان".

وأكدت أن "سعر كيلو اللحوم المثلجة (المستوردة) بلغ 180 جنيها"، قائلة: "الدنيا خربت، ومع قدوم رمضان تزيد الأسعار اشتعالا".

حاولت "عربي21"، الحديث مع بعض الجزارين في السوق، أو بعض زبائنهم القليلون، إلا أن الرفض كان رد أصحاب 3 محال، فيما تخوف أحدهم من أن يضرهم التصوير والنشر، مشيرين لعدم ثقتهم في الصحافة المصرية.

"فول السحور"
ولأن وجبة السحور في مصر تعتمد بشكل أساسي على الفول المدمس، الوجبة المصرية الشهيرة، التي يطلقون عليها "بروتين الفقراء"، أو "مسمار البطن في رمضان"، توجهت "عربي21"، إلى أحد محال تجارة الحبوب والبقوليات بشارع "الحدادين".

أكد صاحب التجارة أن "الإقبال على شراء الفول الحصى يزيد بنسبة لا تقل عن 25 بالمئة مع قرب شهر رمضان"، مبينا أن "الأسعار زادت عن العام الماضي، بنسبة تقترب من 50 بالمئة".

وأوضح أن "طن الفول البلدي وصل سعر الجملة الآن منه نحو 30 ألف جنيه، (نحو ألف دولار) في حين كان في رمضان الماضي ما بين 14 و15 ألف جنيه".

وأكد أن "سعر كيلو الفول من محال الجملة يقترب من 38 جنيها، ويباع بأكثر من ذلك في المحال والسوبر ماركت"، مبينا أنه "في رمضان الماضي سجل ما بين 20 و22 جنيها للكيلو".

"مال قارون"
أفران الكنافة والقطايف وحلويات رمضان، لم تُظهر إنتاجها بعد حيث تستبق الشهر الفضيل بأيام قليلة، هكذا أكد صاحب فرن بشارع القيثارية، قائلا: "لسة بدري على الكنافة، وعلى تحديد أسعارها".

وعن سعر كيلو الدقيق قالت إحدى السيدات لـ"عربي21"، إنها اشترته قبل أيام بـ"نحو 18 جنيها للكيلو الزيرو لتستخدم في عمل كيكة، وأنه تعدى ذلك بكثير بعد نحو أسبوع ليسجل 22 جنيها في زيادة بلغت 6 جنيهات خلال أيام".

السيدة، الأربعينية، التي يبدو من هيئتها أنها موظفة حكومية، توقعت "حدوث ارتفاع جديد بسعر الدقيق مع رمضان، نظرا لاستخدامه في عمل الكنافة والقطايف وأيضا كعك العيد".

وقالت في نهاية حديثها إن "مال قارون لن يكفي ما نحن فيه".

"فاتورة رمضان"
ويعيش المصريون منذ نحو عام ومع إندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في شباط/ فبراير 2022، أزمات اقتصادية ومعيشية طاحنة مع انخفاض قيمة الجنيه المصري من نحو 15.6 جنيه حينها إلى نحو 30.5 رسميل مطلع آذار/ مارس الجاري.

وهو ما تسبب في ارتفاع رهيب في أسعار السلع جميعها وزيادة نسب التضخم بمعدلات قياسية، وأصاب المصريين بحالة من العجز عن توفير مستلزماتهم اليومية.

وفي 9 شباط/ فبراير الماضي، أعلن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء (حكومي) أن تضخم أسعار المستهلكين بلغ 25.8 بالمئة، على أساس سنوي في يناير/كانون الثاني مسجلا أسرع معدلاته بأكثر من 5 سنوات.

وتؤكد السلطات المصرية أن فاتورة استهلاك المصريين من السلع تتضاعف خلال شهر رمضان عن باقي شهور العام، وأنها تزيد بشكل لافت من عام إلى آخر.

وفي شباط/ فبراير 2022، قال مساعد أول وزير التموين ورئيس جهاز تنمية التجارة الداخلية إبراهيم عشماوي، إن الاستهلاك الشهري للمصريين على الأغذية يبلغ 60 مليار جنيه شهريا ويتضاعف في رمضان إلى 120 مليار جنيه.

وفي نيسان/ أبريل 2021، قدرت جهاز تنمية التجارة الداخلية التابع لوزارة التموين المصرية قيمة استهلاك المصريين من السلع الغذائية في شهر رمضان بنحو 100 مليار جنيه (نحو 6.4 مليار دولار حينها).

فيما بلغت فاتورة الاستهلاك في رمضان 2020، نحو 70 مليار جنيه (4.47 مليار دولار)، وحوالي 50 مليار جنيه (3.2 مليار دولار) عام 2019.