قضايا وآراء

المونديال.. رياضي أم سياسي؟

1300x600

في الوقتِ الذي تجلسُ لتضعَ خطتكَ المالية والزمنية لأجل الانضمام إلى مقاعدِ المشجعين في لعبةٍ رياضية عالمية أو لأجلِ الاشتراك بإحدى جهات البث الرسمية لها، أو غير ذلك من خططكَ التي ترجو بها أن تهرب من ضغطِ هذا العالم عليكَ ومن كل أخبار السياسة والاقتصاد والحروب، هناك مَن سبقكَ في وضع خطته الاستراتيجية لكيفية تحقيق أهدافه السياسية المرجوّة من هذا الملعبِ الذي يشكِّلُ لكَ مهرباً، ولهُ مَلجَأ..

هدفك أن تبتعدَ عن السياسة والأخبار، وهدفه أن يقتربَ بأشواطٍ سياسيةٍ وأخبارٍ ذات أهمية، وعلى رأس هذه الألعاب الرياضية العالمية يأتيكَ "كأسُ العالم" بشكلٍ دوريّ.

يقول الصحفي البريطاني مارتين جاكسيوس (Martin Jacques): "إنّ كأس العالم ليسَ مجرّد حدثٍ رياضيٍّ مهم، بل يحملُ في طياته أهميةً سياسيةً وثقافيةً أكبر".

فما علاقة السياسة بالرياضة؟

على مدى سنوات طويلة تنافست الدول لامتلاك موازين القوى لتثبت أهمية وجودها في هذا العالم، وفي سبيل ذلك قامت عديدٌ من الحروب والاشتباكات العسكرية، إلّا أنّ العصر الحديث شهد تغيراً واضحاً في أشكال القوى المستخدمة مِن قِبَل كثيرٍ من الدول، فأصبحت الدول الكبرى تسعى لتجنّب استخدام الأسلحة العسكرية، وسعت لاستخدام قواها وأدواتها الناعمة للتأثير على الشعوب، فإنكَ إذا كنتَ تؤمن بي فإنّني يمكنني إرشادكَ حيث أردتُ، وهذا ما أطلقَ عليه جوزيف ناي -أستاذ العلوم السياسية الأمريكي- القوة الناعمة، وهي قدرة الدول على التأثير بالشعوب من خلال مقومات جذبٍ لا من خلال قوىً عسكرية. وكما يرى "ناي" فإن الانتصارات في عصر المعلومات لا تعودُ إلى قوة الجيوش فحسب، بل إلى قوة الرواية ونضجها وقدرة الدول على إقناعك بها. هذا ما فعلته الدول مِن قَبل.

على مدى سنوات طويلة تنافست الدول لامتلاك موازين القوى لتثبت أهمية وجودها في هذا العالم، وفي سبيل ذلك قامت عديدٌ من الحروب والاشتباكات العسكرية، إلّا أنّ العصر الحديث شهد تغيراً واضحاً في أشكال القوى المستخدمة مِن قِبَل كثيرٍ من الدول، فأصبحت الدول الكبرى تسعى لتجنّب استخدام الأسلحة العسكرية، وسعت لاستخدام قواها وأدواتها الناعمة للتأثير على الشعوب

ففي الوقت الذي كانت النازية تكتسح العالمَ منطلقةً من ألمانيا، افتتح أدولف هتلر دورة الألعاب الأولمبية عام 1936 مخصصاً لذلك ما يتجاوز المليوني مارك لتهيئة البنى التحتية، ليبرز العالم عظمة ألمانيا ومدى قوتها، بفعاليةٍ يجذب إليها الناس من أطراف العالم، أحبوا ألمانيا أم لم يحبوها. وقد سبقهم إلى ذلك موسوليني في إيطاليا، إذ استضاف كأس العالم عام 1934 في محاولة لزيادة هيبة وحضور الدولة الفاشية آنذاك. وعلى صعيدٍ آخر فقد استثمر نيلسون مانديلا الرياضة لتوحيد جنوب أفريقيا، فأطلق شعار "الرياضة لتغيير العالم"، بعد سنوات من الفصل العنصري وأحداث داخل البلاد.

لقد تصدّر موضوع "الرياضة والسياسة" عدداً من الأبحاث والمقالات والدراسات التي تناولت جُملةً وتفصيلاً الكثير من الأمثلة على استخدام الرياضة كأداة سياسية، إما بالإشارة إلى لقاءات كانت تُعتَبَرُ خطوةً للمصالحة كما حدث عندما استضافت ألمانيا الغربية كأس العالم عام 1974 ولعبت ضد ألمانيا الشرقية، حيث كان البلدان قد اعترفا للتوّ ببعضهما سياسياً، وهي ذات المباراة التي حُلِّلَت في كثيرٍ من الدراسات على أنها كانت صراعاً ما بين الأيديولوجيات (الرأسمالية الغربية مقابل الاشتراكية الشرقية)، أو بالإشارة إلى بلادٍ قاطعت اللعب من أجل صراعات سياسية كالولايات المتحدة الأمريكية التي قاطعت الألعاب الأولمبية في موسكو عام 1980 احتجاجاً على غزو الاتحاد السوفييتي لأفغانستان، الأمر الذي ردّته موسكو عام 1984 عندما قاطعت الألعاب الأولمبية المقامة في لوس أنجلوس.

بل حتى أشهر النوادي الرياضية التي قد تعرف اسمها جيداً لكنك لن تعرفَ الصراع خلف نشأتها؛ فهل سمعتَ بناديي برشلونة وريال مدريد؟ إنهما يمثلان العداء القديم ما بين مقاطعة كتالونيا الإسبانية، التي يمثلها نادي برشلونة، والنظام الملكي الحاكم في القرن الماضي الذي كان نادي ريال مدريد مقرباً منه خلال حكمه.

كان يمكن للبرازيل والأرجنتين أن تكونا دولتين مُهمّشتين على خارطة العالم، فهما ليستا من دول العالم الأولى، لكنّ العالم كلّه عرفهما كدولٍ من أقوى الدول في عالم الكرة ومباريات كأس العالم، وأصبحَ "بيليه" الذي كان أشهر لاعبي البرازيل واحداً من أكثر الأسماء انتشارا في العالم، تماماً كما أصبح "ميسي" أشهر لاعبي الأرجنتين، وغيرهما أسماء عدة أصبح كثيرون يحبُّون أنديتها وبلادها دون أن يعرفوها أو يزوروها.

تتسابق الدول وتتنافس لاستضافة الألعاب الرياضية الكبرى، لا لأجل مردودها الاقتصادي فحسب، بل قبل ذلك لتسويق ثقافتها وزيادة مكانتها بين الدول، وشهدت كل الأحداث الرياضية الكبرى استعراضاً في الدول المستضيفة لطعامها ولباسها وعاداتها وتقاليدها أمام زوارها، الأمر الذي يوصف سياسياً
بـ"State Branding" (توسيم الدول)، وهو ما تقوم من خلاله الدول بتسويق نفسها بين الدول.
تتسابق الدول وتتنافس لاستضافة الألعاب الرياضية الكبرى، لا لأجل مردودها الاقتصادي فحسب، بل قبل ذلك لتسويق ثقافتها وزيادة مكانتها بين الدول، وشهدت كل الأحداث الرياضية الكبرى استعراضاً في الدول المستضيفة لطعامها ولباسها وعاداتها وتقاليدها أمام زوارها

ماذا عن قطر؟

شهدت السنوات الأخيرة أدوراً سياسيةً عديدةً لقطر، وهي واحدة من أصغر الدول مساحةً في المنطقة، لكنها لم تكُ الأقل تأثيراً أبداً. ولقد فعلت قطر ذلك دون أي تحريكٍ لجيوشها العسكرية، بل لخططها الاستراتيجية عبر قواها الناعمة، من إنشائها لقناة الجزيرة الإخبارية التي شكلت نقلةً نوعيةً لدى المتابع العربي أيدها أم عارضها، وأصبحت ذراعاً قوياً لقطر، إلى تطوير حقل غاز الشمال الذي زاد من مردوداتها المادية وأهميتها في المنطقة، إلى إنشاء العديد من المتاحف والجامعات التي صُنِّفت عالمياً، إلى شركة الخطوط القطرية التي صارت من أفضل شركات الطيران عالمياً مما جعل الدوحة مركزاً رئيسياً للنقل الجوي وموزعاً للشحن (Shipping Hub) في المنطقة، أتبعت ذلك بخوض عالم الرياضة عالمياً فرعت الخطوط القطرية ثلاثة أندية دولية (روما الإيطالي، وبوكا الأرجنتيني، وبايرن ميونخ الألماني) فغدا شعارها على أقمصة اللاعبين لينتشر في بلادهم وبين جمهورهم، وتوجت هذه الخطوات وغيرها باستضافة لكأس العالم؛ هي الأولى من نوعها في الوطن العربي، ولم تكُ قطر لتفوِّت فرصة كهذه لنشر ثقافتها.

جاء افتتاح كأس العالم في نسخته القطرية لعام 2022 ممتلئاً بالرسائل الثقافية والأيديولوجية، من استعراض نقل صورة الثقافة العربية المتأصلة برموز الجمل والهودج (ما تحمل فيه النساء) والسيف في الرقصات والهاون والأهازيج، وقراءة القرآن في موضعٍ يقدّم تفسير الآية المقروءة، وحضورٍ للممثل الأمريكي مورغان فريمان القريب من الناس صوتاً وحضوراً، لتقول للعالم على لسان هذا الحفل بأنه إن أخافتكم أخبار بلادكم منّا وإن أثارت فيكم رهاباً من العرب والمسلمين، فها نحن نفتح بلادنا وأنديتنا كما لم يفتحها العالم لكم من قبل لنقول صوتاً "الجميع موضع ترحيب"، ونقول فعلاً وتحقيقاً بأنه ما كانت هذه الشعوب طاردةً للحضارات يوماً بل إنها منشأ الحضارات وأساسها.
جاء افتتاح كأس العالم في نسخته القطرية لعام 2022 ممتلئاً بالرسائل الثقافية والأيديولوجية، من استعراض نقل صورة الثقافة العربية المتأصلة برموز الجمل والهودج (ما تحمل فيه النساء) والسيف في الرقصات والهاون والأهازيج، وقراءة القرآن في موضعٍ يقدّم تفسير الآية المقروءة، وحضورٍ للممثل الأمريكي مورغان فريمان القريب من الناس صوتاً وحضوراً

الشاب القطري غانم المفتاح الذي ولد بمرض نادر منع نمو الجزء السفلي من جسده أصبح رمزاً لـ"تحدي المستحيل"، وكذلك أرادت قطر أيضاً أن تتحدى ما صوّره العالم مستحيلاً، فجعلته قطر واقعاً لتقول لنا كعرب قبل غيرنا: لا يخيفكم هذا العالم ولا يهدد وجودكم، نحن نملكُ من الطاقات والقدرات أكثر من ذلك بكثير.

خلاصة الأمر..

تملك الرياضة عادة من أن تزيد انتماءات الشعوب، وكما يقال فإنك ترى الشوارع ممتلئة بالناس تسير على أقدامها إما في الثورات أو في الألعاب الرياضية العالمية، ولذا شعر العرب المنتمونَ لأمتهم في افتتاح كأس العالم في الدوحة لكأنهم جميعهم قطريون، جميعهم فلسطينيون، جميعهم يريدون للوجه الذي شوهته سياسات العالم عنهم أن يُرى بأبهى صوره وبأثبت قيمه.. وكأننا جميعنا نقول: نحن هنا، في هذا العالم، لدينا من الطاقات ما حاولت قوى العالم أن تسلبها أو أن تنكرها، إلّا أننا هنا، نفتح القلوب والبلاد مُتسعة جداً.


إن لم تستخدم الدول مثل هذه الأحداث لتروّج لقيمها ومبادئها وتجذب العالم لها، فمتى يكون؟