مقالات مختارة

"الشمسُ لا تشرق من باريس"

1300x600

هذا عنوانُ قصَّة قصيرة كان الأستاذ حنفي بن عيسى –رحمه الله- قد نشرها في مجلة “الآداب” اللبنانية في شهر جوان من عام 1961.


لم أقرأ هذه القصَّة لأعرفَ مضمونها، وإن كنتُ قد تبنّيته وهو “أنّ باريس هي منبعُ شقائنا”، كما يقول الإمام البشير الإبراهيمي، وأنّ الجزائر قد عمّها الظلامُ منذ دنّستها أرجلُ الفرنسيين القذرة.
إنّ هؤلاء الفرنسيين منذ التقى تاريخُنا بهم في 1830 إلى أن طردناهم في 1962 لم نعرف منهم معاملة آدمية ولو لساعةٍ واحدة، حتى ليصدُق فيهم ما قاله أحدُ الشعراء:


رأيتُ آدم في نومي فقلتُ له:   أبا البرية إن الناس قد حكموا
أنّ “الفرانِسَ” نسلٌ منك قال:   إذن حواء طالق إن صحّ ما زعموا

 

لأسبابٍ قاهرة هاجر كثيرٌ من الجزائريين إلى فرنسا، وفيها أسسوا أهمّ حركة وطنية سياسية هي حزب نجم شمال إفريقيا، ثم حزب الشعب الجزائري، ثم حركة انتصار الحريات الديمقراطية، وقد نشط كثيرٌ من الوطنيين هناك، وعرفوا فرنسا أكثر من كثير من الفرنسيين، كما أستُشهد فيها كثيرٌ من شهدائنا، تقبّلهم الله مع من سبقهم من شهداء المسلمين.


بعد اجتماع المناضلين الستة في شهر أكتوبر من عام 1954 في مدينة الجزائر، قرَّروا إعلان الجهاد في 1 نوفمبر 1954، ووزعوا أنفسهم على التراب الوطني الذي قسّموه إلى مناطق هي: المنطقة الأولى – الأوراس – وقائدها المجاهد مصطفى بن بولعيد، المنطقة الثانية – الشمال القسنطيني – وقائدها المجاهد مراد ديدوش، المنطقة الثالثة – جرجرة وما حولها – وقائدها المجاهد بلقاسم كريم، المنطقة الرابعة – منطقة الجزائر الوسطى – وقائدها المجاهد رابح بيطاط، المنطقة الخامسة – الغرب الجزائري – وقائدها المجاهد محمد العربي ابن مهيدي، وكُلّف المجاهدُ السادس وهو محمد بوضياف بمَهمَّة التنسيق بين هؤلاء القادة وبين ممثلي الثورة في الخارج.


أخبرني الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي أنّ محمد بوضياف أخبره أنّ مصطفى بن بولعيد سأله عن المكان الذي سيتّخذه مركزا لنشاطه؟ فأجاب محمد بوضياف: باريس، لوجود جالية جزائرية كبيرة هناك، وفي فرنسا عموما، ولمعرفته بفرنسا، فقد عمل فيها مسئولا عن الحزب الوطني قبل انشقاقه.


استوقف سي مصطفى بن بولعيد محمد بوضياف وقال ما معناه: إنّ أصلح مكان لنا في هذه المرحلة هو القاهرة، لما يتوفر من أمن، وهي أهمّ عاصمة في المشرق العربي، وثورتها محلّ اهتمام العالم.. إضافة إلى التعاطف العربي معنا.. وصدق المجاهدُ بن بولعيد؛ فقد كانت القاهرة مركزا مهمّا في الدعاية لثورتنا، واحتضانا لقادتنا، حتى أتى نصرُ الله، وتخلّصنا من أخبث وأنذل استعمار جعل أحدَ أبناء فرنسا وهو دوبارد يقول: “أشعر بالعار لكوني فرنسيا”. (الشروق في 17. 5. 2016. ص3).


رحم الله شهداءنا الميامين، وثبّتنا على ما استُشهدوا عليه، و”إن الجزائر لا تُنبت الدفلى الفرنسية” كما قال الداي حسين.

 

(الشروق الجزائرية)