كتاب عربي 21

هل يكون 2022 عام الانفجار العظيم؟

1300x600

تختصر الحالة الأردنية على نحو أو آخر حالة الوطن العربي، الذي يبدو أنه محتجز اليوم داخل "طنجرة ضغط" ولا يدري أحد متى تنفجر!

يجمل الكاتب الأردني د. عبد الحكيم الحسبان في مقال لافت نشره في الموقع الإخباري المحلي جو24 الحلة الأردنية المأزومة في جملة نقاط، أوصلتها إلى مرحلة شبيهة بما يحصل للماء الموضوع على مرجل، وغدا قريبا من مرحلة الغليان. 

يرصد الدكتور الحسبان أربعة من القرارات والإجراءات التي اتخذت في الأردن، وأوصلته إلى حافة الهاوية، في تسعينيات القرن الماضي تشكلت المسارات الأربعة القاتلة التالية؛ دولة تقرر التخلي عن دورها في تخطيط الاقتصاد بل وإدارته والتحكم فيه إلى نموذج الاقتصاد الذي يديره الأفراد ورجال الأعمال والشركات المحلية والعالمية. 

وبهذا أسلمت المواطن العادي إلى وحوش وحيتان اقتصاد السوق، بلا حماية حقيقية. وقررت الدولة فجأة أن النموذج الاقتصادي ودور الحكومة فيه، والذي ساد منذ تأسيسها واعتاد الأردنيون عليه، وحيث الدولة هي المحرك الرئيس للاقتصاد والأعمال والاجتماع، وحيث أكثر من 65 بالمئة من قوة العمل في البلاد توفر الدولة العمل لها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لم يعد صالحا وأن على الأردنيين الانتقال منذ تلك اللحظة إلى انتظار فرص العمل ولقمة الخبز التي سيوفرها منذ اليوم القطاع الخاص.

وفي تسعينيات القرن الماضي، تشكل مسار ثان حين قررت الدولة أن "إسرائيل" لم تعد عدوا وأن السلام معها هو خيار استراتيجي، وأن السلام مع الكيان الصهيوني سوف يجلب الرفاهية والعيش الرغيد للأردنيين، وان السلام مع الكيان سوف يخلق شراكة بين الكيان المتقدم تكنولوجيا وتلك الجيوش من الشباب الأردني المتعلم ومن قوة العمل الأردنية. 

وتعدى ذلك إلى مرحلة "شراكة" غريبة، تجاوزت كل الخطوط الحمراء التي رسمها مفهوم "التنسيق الأمني" فأفضت إلى حالة فريدة من استلاب البلد وتسليم مقدراتها ليد عدو لا يؤمن بالشراكة أصلا، وبالتوازي مع هذين المسارين القاتلين، كان هناك مسار ثالث قاتل لا يقل خطورة عنهما. 

 

تشير الإحصائيات مثلا إلى نجاح الغرب في تشكيل ما يزيد على الثلاثين ألف منظمة غير حكومية في لبنان هي بمثابة جيش محلي داخل الجسد اللبناني صنع وأنتج غربيا،

 



ففي موازاة التحول في دور الدولة وانسحابها أو سحبها من حياة الأردنيين الاقتصادية والاجتماعية وترك الاقتصاد والاجتماع والأخلاق لما يسمى بآليات السوق حدث تحول في نظام المعونات والمساعدات الغربية للأردن؛ فبعد أن كانت المساعدات والمعونات تأتي للدولة حصريا وبما يكرس من قوتها وحضورها داخل حياة الأردنيين، باتت المعونات والمساعدات تتجنب الدولة وأجهزتها فالمعونات لا ينبغي أن تذهب لكيانات دولتية بيروقراطية فاسدة، وأما الجهات التي تستحق المعونات فهي ما يسمى بمنظمات المجتمع المدني والجمعيات والمنظمات غير الحكومية ليتشكل مع الوقت جيش من هذه المنظمات في الأردن كما في لبنان، وحيث تشير الإحصائيات مثلا إلى نجاح الغرب في تشكيل ما يزيد على الثلاثين ألف منظمة غير حكومية في لبنان هي بمثابة جيش محلي داخل الجسد اللبناني صنع وأنتج غربيا، وأما المسار الخاطئ بل والقاتل الرابع الذي تم تدشينه بدءا من سنوات منتصف التسعينيات فيتعلق بالتعليم ودور الدولة تجاه المدرسة والجامعة. 

فبعد عقود طويلة من لعب دور القائد في حقل التعليم بمختلف مستوياته وحيث قامت الدولة بإنشاء آلاف المدارس وبتدريب وتأهيل عشرات آلاف الكوادر التدريسية، وبعد مسيرة مظفرة في إنشاء الجامعات في شرق الأردن الذي بقي دون جامعات حتى العام 1962، قررت الدولة في تسعينيات القرن الماضي وبصورة فورية الانسحاب من الاستثمار في التعليم، ولم يعد التعليم أولوية إلا بالقدر الذي يرتبط فيه بعلاقات الأردن الخارجية من قبيل ما يسمى بـ "مكافحة الإرهاب والتطرف" أو التربية الجندرية أو تخريج أجيال السلام وأشباله. 

وبعد بناء ما يزيد على العشر جامعات حتى سنوات التسعينيات قررت الدولة، أن التعليم يجب أن يترك للقطاع الخاص، وترك المجال للمال الفردي والخاص بأن ينشىء الجامعات ويمنح الشهادات الجامعية ليتحول التعليم إلى سلعة تخضع لمنطق السوق والربح قلما تعثر على نماذج جيدة منها.

والنتيجة، كما يقول الدكتور الحسبان، أن كل المؤشرات تقول وبأعلى الصوت أننا بتنا في ربع الساعة الأخير إن استمرت تلك المسارات القاتلة على حالها، وإن لم يحدث قرار استراتيجي بمراجعة تفضي إلى تغييرات بنيوية في المجتمع والدولة والسياسة الخارجية!

 

بعد تعاظم غول المديونية، وسيطرة صفة إدارة الأمور بالقطعة، ودون سياسات مدروسة، بدأنا نشهد التصدعات المخيفة والانهيارات في بنى المجتمع، حتى بتنا ننتظر لحظة الحقيقة، أو الانفجار العظيم!

 



وإلى ذلك، مما لم يذكره الدكتور الحسبان، تلا ذلك وترافق معه بيع جل إن لم يكن كل مقدرات الدولة، تحت مسمى براق هو "الخصخصة" وبدا أن بضعة مممن يسمونهم "رجال أعمال" يحكمون ويرسمون في مصائر ورقاب الأردنيين، وأصبحوا أقوى من الدولة نفسها، إن لم يكونوا أصلا شركاء في النفوذ والمصالح مع رموزها!

وبالطبع ترافق كل هذا بنمو منظومة سياسية واجتماعية واقتصادية تدور كلها على مبدأ اللامبدأ، حيث نخرت مؤسسات الدولة وبناها الاجتماعية فيروسات الفساد والإفساد والمحسوبية، ولا نقول "النهب" وسادت ثقافة المنسف بمعناها السياسي، إن جاز التعبير، حيث تحول "الوطن" إلى سدر منسف والشاطر من يستطيع أن يستحوذ على أكبر قدر ممكن من محتويات هذا السدر دون نظر إلى أي قانون أو عرف، وفي الأثناء بدأت عملية انهيار متسارعة لعنصر الثقة، أفقيا وعموديا، بين الفرد والفرد، وبين الفرد ومؤسسات الدولة، وحتى بين مؤسسات الدولة نفسها، فتآكلت هيبة الدولة، واستفحلت المشكلات الناتجة عن انهيار الاقتصاد وعبثية السياسات الحكومية وتحولها إلى جهة همها جباية كل ما تقدر عليه من جيوب الناس، وبعد تعاظم غول المديونية، وسيطرة صفة إدارة الأمور بالقطعة، ودون سياسات مدروسة، بدأنا نشهد التصدعات المخيفة والانهيارات في بنى المجتمع، حتى بتنا ننتظر لحظة الحقيقة، أو الانفجار العظيم!

والأمر ليس مقصورا على الحالة الأردنية، فهي أنموذج عربي ممثل لكل ما يجري في الوطن العربي، الذي يبدو أنه يجلس على فوهة بركان، ولا ندري متى ينفجر، وإن صرنا نعتقد أننا اليوم أقرب من أي وقت مضى لهذه اللحظة المخيفة، ولا نستبعد أن يكون عام 2022 هو عام الانفجار العظيم!