ملفات وتقارير

هل يتشكل مجلس الأعيان الأردني قبل انتخاب مجلس النواب؟

أدى الوباء إلى عدم وضوح الصورة بشأن استحقاق دستوري كان له ميقات محدد وهو الانتخابات البرلمانية- بترا

طالت جائحة "كورونا" جوانب الحياة المختلفة في العديد من دول العالم، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، إلا أن الانعكاسات تباينت من دولة إلى أخرى.


الأردن هو أحد العناوين البارزة لتداعيات "كورونا"؛ إذ أدى الوباء إلى عدم وضوح الصورة بشأن استحقاق دستوري، كان له ميقات محدد، وهو الانتخابات البرلمانية.


واستنادًا إلى الدستور، تُجرى الانتخابات البرلمانية في الأردن خلال الشهور الأربعة التي تسبق انتهاء عمر مجلس النواب الحالي (في أيلول/ سبتمبر الجاري)، لكن تدابير مكافحة "كورونا" حالت دون ذلك.


وهذه المدد الدستورية غير ملزمة لعاهل البلاد، الملك عبد الله الثاني، في ظل استمرار الحالة الوبائية، إلا أنه أصدر قرارا بإجراء الانتخابات، وحددتها الهيئة المستقلة للانتخابات في 10 تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل.


وتنص الفقرة الأولى من المادة 68 في الدستور على أن "مدة مجلس النواب أربع سنوات شمسية تبدأ من تاريخ إعلان نتائج الانتخاب العام في الجريدة الرسمية، وللملك أن يمدد مدة المجلس بإرادة ملكية إلى مدة لا تقل عن سنة واحدة ولا تزيد على سنتين".


ورغم أن الدستور أتاح للملك خيار التمديد، إلا أنه لم يقرر ذلك.


الإعلان الملكي بإجراء الانتخابات لم يقترن بحل المجلس كما جرت العادة، وهو ما يعني أن المجلس الحالي ما زال قائما بانتظار ذلك القرار الذي يصاحبه رحيل الحكومة، وفق ما تنص عليه الفقرة الثانية من المادة 74 في الدستور.


وتنص هذه المادة على أن "الحكومة التي يُحل مجلس النواب في عهدها تستقيل خلال أسبوع من تاريخ الحل، ولا يجوز تكليف رئيسها بتشكيل الحكومة التي تليها".


ومجلس الأمة في الأردن هو البرلمان، وينقسم إلى شقين، هما: الأعيان (المُعَّين من طرف الملك) والنواب (مُنتخب).


ويتألف مجلس الأعيان، بما فيه الرئيس، من عدد لا يتجاوز نصف عدد مجلس النواب (يبلغ عدد نوابه 130)، ويعين الملك الأعضاء والرئيس مباشرة، وفق الدستور.


وكان الملك قد حل مجلس الأعيان السابق، وأعاد تشكيله في 27 سبتمبر/ أيلول 2016، بالتزامن مع إعلان نتائج الانتخابات النيابية للمجلس الـ18 (الحالي)، والتي أجريت في العشرين من الشهر نفسه.


وتنص الفقرة الأولى من المادة 65 في الدستور على أن "مدة العضوية في مجلس الأعيان أربع سنوات، ويتجدد تعيين الأعضاء كل أربع سنوات ويجوز إعادة تعيين من انتهت مدته منهم".


بموجب النص السابق، فإن مجلس الأعيان الحالي سيتم حله وتشكيله من جديد قبل انتخاب مجلس النواب، ورغم دستورية هذا القرار المنتظر، إلا أنه يعد إجراءً غير معتاد في تاريخ المملكة، والسبب هو "كورونا"، الذي أدى إلى تأجيل انتخاب مجلس النواب.


"لا تمديد للأعيان"


أستاذ القانون الدستوري في الجامعة الأردنية (حكومية) ليث تصراوين قال لوكالة الأناضول التركية إن "الدستور الأردني ينص في المادة 65 على أن عمر مجلس الأعيان أربع سنوات، ولم يعط الحق للملك أن يمدد لأعضائه، بخلاف مجلس النواب".


وأضاف: "بالتالي، فإنه في 27 سبتمبر/ أيلول الجاري، يكون المجلس قد أنهى مدته الدستورية، وصدور إرادة ملكية بتشكيل مجلس جديد".


وتابع: "هذه المرة، صادف أن مجلس الأعيان سيجري تشكيله قبل انتخابات النواب، وهذا لا يعتبر مخالفة دستورية، فمجلس الأعيان أنهى مدته".


وزاد نصراوين: "المتعارف عليه، أن يتم تشكيل مجلسي النواب والأعيان معا؛ لتكون لهما نفس البداية والنهاية".


وأوضح: "إذا كان القرار الملكي قبل موعد نهاية عمر مجلس الأعيان، وهو الـ27 من الشهر الجاري، فإن الملك سيصدر إرادتين ملكيتين، الأولى بحله والثانية بتشكيل مجلس جديد، أما لو كان في اليوم نفسه فسيكون هناك إرادة واحدة بالتشكيل".


"ليست مخالفة"


رئيس مجلس الأعيان الأسبق، طاهر المصري، قال إن تشكيل الأعيان قبل الانتخابات النيابية "ليست المرة الأولى التي تحدث، وجرت سابقا"، دون أن يحدد تاريخا لذلك.


واعتبر في حديث للوكالة التركية أن وجود مجلس الأعيان في ظل إجراء انتخابات مرتقبة هو أمر مهم؛ كي لا يكون هناك فراغ دستوري، كما أن وجود "الأعيان له رمزية لوجود السلطة التشريعية".


وشدد على أن تشكيل مجلس الأعيان قبل انتخابات مجلس النواب "أمر طبيعي، حتى وإن كانت هذه تصادفات لم تحدث سابقا".


واستطرد: "لا أرى أية محاذير في ذلك، خاصة أن الأعيان يتم تعيينهم، وليس انتخابا".


"عرف دستوري"


أستاذ القانون الدستوري في جامعة اليرموك (حكومية) كريم كشاكش قال للأناضول إن "النظام الدستوري الأردني من خصائصه سيادة الدستور حكم القانون، أي خضوع جميع السلطات الدستورية من تشريعية وتنفيذية وقضائية لأحكام القانون الساري المفعول".


واستطرد: "يعني أن طائفتي الحاكمين والمحكومين تخضع لسيادة الدستور والقانون، وهي من أهم مقومات الدولة القانونية".


وزاد بأن "رأس الدولة يخضع لسيادة الدستور وحكم القانون، وأي إرادة ملكية تصدر دون ذلك يمكن إحالتها إلى المحكمة الدستورية بناء على طلب من مجلس الوزراء أو بقرار يتخذه أحد مجلسي الأمة بالأغلبية ويكون قرارها نافذ المفعول بعد نشره في الجريدة الرسمية".


وأردف كشاكش: "انطلاقا من ذلك، فلا بد -من وجهة نظري- من احترام مواعيد المدد الدستورية وإعادة تشكيل مجلس الأعيان في موعده الذي لا يشمل التمديد والتأجيل كما هو في مجلس النواب".


ونوه إلى أن "المصلحة العامة قد تكون مطلقة، والقرار بإعادة تشكيل مجلس الأعيان ملزم بموجب الدستور".


وأوضح أن "أعمال مجلس الأعيان (التشريعية) تتوقف بحل مجلس النواب وفق الفقرة الثانية من المادة 66، وهنا أعتقد أن التشكيل لن يؤثر على الأدوار التشريعية لكل من مجلس الأعيان والنواب".


وتابع: "بما أن الحالة تكررت فإن ذلك ينضوي تحت ما يسمى تشكيل عرف دستوري مكمل، وهو إنشاء قاعدة دستورية جديدة لم يرد فيها نص أو أغفلها الدستور".

 

رأي مخالف


من جهته قال الدكتور طلال الشرفات إن "المشرع الدستوري لم يحدد أحكاما لحل مجلس الأعيان واكتفى بتقرير وقف انعقاد جلسات مجلس الأعيان إذا تم حل مجلس النواب، وجواز إعادة تشكيل مجلس الأعيان كل أربع سنوات باستثناء رئيس المجلس الذي يتوجب تعيينه كل سنتين على الأقل"، وإن "معظم الأحكام المتعلقة بالمجلسين من حيث شروط العضوية والمدد تكاد تكون متشابهة دون تطابق باستثناء بعض التفاصيل المرتبطة بطبيعة أي مجلس من المجلسين".

وقال الشرفات في تصريحات نشرها موقع "عمون" المحلي إنه "في حال حلّ مجلس النواب قبل انتهاء مدته الدستورية فإن الصمت الملكي عن إعادة تشكيل مجلس الأعيان يجعل منه - أي المجلس - قد انتهى حكماً عند انتهاء مدته في ٢٦ / ٩ / ٢٠٢٠ دون إلزام صاحب الشأن وهو في هذه الحالة الملك بإعادة تشكيل مجلس الأعيان إلا عندما يصبح انعقاد مجلس النواب ضرورياً وهو في هذه الحالة بالضرورة أن يكون بعد إجراء الانتخابات النيابية؛ أي بعد ١٠ / ١١ / ٢٠٢٠ ودون أن يشكل ذلك مخالفة دستورية".

وبين الدكتور الشرفات أن هناك "مبررات سياسية ووطنية تتطلب أن يأتي تشكيل مجلس الأعيان لاحقاً لإجراء الانتخابات النيابية، تتمثل في سد الذرائع وحياكة المشهد العام بما يتلاءم ومقتضيات المصلحة الوطنية العليا في مجتمع ما زالت الهويات الفرعية فيه عاملاً مؤثراً في الاستقرار السياسي ومستوى وطبيعة تمثيل النخب ومصلحة الدولة في هذا السياق".