قضايا وآراء

المطلوب مقابل سقوط الإعلام الرسمي في الأردن

1300x600
سقط الإعلام المحلي الرسمي في الأردن سقوطا مريعا في أحداث مداهمة نقابة المعلمين واختطاف مجلسها المنتخب، وبات يكرر ما تمليه عليه الجهات الأمنية، ولم تسلم من تلك الحالة الببغائية وسيلة إعلام خاصة، فضلا عن القنوات شبه الرسمية، إلا إذا كانت وسيلة في أصلها محاربة ومحدودة الموارد.

بل وتنافست بعض وسائل الإعلام المحلية ومن يكتب فيها من كتّاب "التدخل السريع" في الافتراء والكذب والتطاول على من هم خلف القضبان من خيرة أبناء الأردن، الذين غدوا الممثلين الشرعيين لمئة وعشرين ألف معلم ومعلمة بعد انتخابات حرة ونزيهة.

وكانت إحدى أكبر الفضائح التي مرت مرور الكرام ما تناقلته منصات إعلام محلية مختلفة على شبكات التواصل الاجتماعي قبل أيام، دون أن تكلف نفسها عناء تحرير ذلك التعميم الرسمي، فظهر الجميع كأنهم يقرأون على شيخ واحد؛ حيث تناقلوا حرفيا: عادت حليمة لعادتها القديمة، مجلس نقابة المعلمين ومؤيدوه يروجون للتأثير على امتحان التوجيهي ويستخدمون أبناءنا كتهديد.. الخ.

طبعا نقلت هذا عنهم بعد تصحيح الأخطاء الإملائية الكثيرة الواردة في كتابهم "الذكي جدا"، وهم بطبيعة الحال لن يكونوا أفضل في لغتهم العربية من وزير التربية والتعليم نفسه الذي ألقى خطابا مليئا بالأخطاء النحوية.

وعودة لأسطوانتهم المشروخة في اتهام المعلمين بعدم الوطنية، أتساءل: كيف تعتبر ممارسة المعلم لحقه في الإضراب السلمي تهديدا اجتماعيا؟! هل سائقو بريطانيا وموظفو فرنسا وغيرهم يهددون أمن بلادهم الوطني عندما يمارسون حقهم الدستوري والنقابي بالإضراب السلمي؟!

وعلى جميع الأحوال لن تكون هذه القصة هي الأولى ولا الأخيرة لاستخدام لغة الترهيب في مؤسسات الإعلام المختلفة في الأردن؛ تلبية لرغبات الدولة العميقة.

أما إذا نظرت إلى شبكة القنوات الإخبارية العربية، فهي إما تابعة لدولة لا تريد إفساد علاقتها الرسمية مع الأردن ولذلك تغطي الأحداث على استحياء، أو تابعة لمحور الشر الذي يرجو سحق المؤسسات المنتخبة في أي بلد وشيطنة القائمين عليها، لينفّر الناس من الديمقراطية وإفرازاتها.

وهناك من لزم الحياد وهو كما قيل: شخص لم ينصر الباطل ولكن من المؤكد أنه خذل الحق.

وعليه، غدا الرهان على الشارع ومنصات الإعلام الجديد كبيرا، وفي فضاء العالم الأزرق ينقسم الناس عادة؛ فينحاز كثير منهم للضحية بينما يتخندق غيرهم خلف الأجهزة الرسمية لاعتبارات مختلفة (وهم بالمناسبة ليسوا سواء في ذلك الخندق). فبعضهم يخشى فعلا على البلاد من الانزلاق لحرب أهلية أو فتن داخلية، ويرى ضرورة الحفاظ على استقرار الأردن؛ تلك البقعة الهادئة في منطقة مشتعلة حولها.

وآخر في نفس الخندق خلف الرواية الرسمية ومعا، ولكنه قد تعرض قبل ذلك لغسيل دماغ من أجهزة الإعلام الموالية وما خلفها من قنوات عربية ودراما تلفزيونية، وأصبح حاقدا على كل ما هو إسلامي، بل وواسما كل من يطالب بحقه بأنه إخواني، وكأن الإخوان المسلمين الذين ساهموا ولا زالوا في بناء البلد سبّة أو شيء يُنتقص منه!

وثالث، ونحسبه من فئة قليلة في الأردن، يعيش على التزلف للسلطة، حتى لو كان ارتزاقه منها وجاهيا لا ماليا.. فهي توزع على هؤلاء الألقاب والمناصب والنياشين من غير حسيب أو رقيب، بدءا من مختار الحي وانتهاء بعضوية مجلس الأعيان، مع مرور سريع على مجالس إدارة ذات مكافآت مجزية جدا هنا وهناك.

وفي نهاية اليوم نجد - كما قيل - رجل الأمن الذي لا يحمل في جيبه أكثر من خمسة دنانير يلاحق معلما قد لا يملك في جيبه أكثر من عشرة دنانير! ولماذا؟ لحماية فاسد نهب الملايين ووضعها في ملاذات آمنة خارج البلاد (حسب تقارير صحفية غربية).

الأردن قيادة وشعبا في غنى عن ذلك، وأبناؤه قادرون على حل أكبر خلافاتهم وهم يحتسون فنجانا من القهوة. والحكمة أولا وآخرا هي سيدة الموقف في تجاوز هذا الوضع المأزوم، كما تجاوز الأردنيون قصصا وأحداثا وفتنا أكثر تعقيدا من قبل. ويمكن ببساطة تدشين عهد جديد في البلاد برحيل الحكومة الحالية وإنفاذ الاتفاقية الموقعة مع مجلس النقابة؛ بعد إطلاق سراح معتقليها ووقف حملات التحريض الإعلامي، يصاحب ذلك كله فتح حقيقي لباب حوار وطني جامع برعاية ملكية، فهل يجد هذا المقترح آذانا صاغية رحمة بالبلاد والعباد؟