قضايا وآراء

كارثة المواصلات في عالمنا العربي.. مصر والأردن نموذجا

1300x600

 ما زال صدى الجريمة الوحشية المتمثلة بإعدام مواطن مصري رميا من القطار كما عبر عن ذلك وائل قنديل حاضرا بقوة، كيف لا ومحصل التذاكر يعطي لنفسه الحق بذلك التصرف القاتل لمجرد أن الراكب لم يقم بشراء التذكرة المخصصة وفق الأصول.

 

هذه الغابة التي نعيش بها تعطي الحق لمحصل التذاكر رمي راكب من القطار لعدم امتلاكه الأجرة وهي نفس الغابة التي جعلت سائقي حافلتي نقل ركاب في مدينة الكرك جنوب الأردن يتسابقان على تحميل الركاب في شارع ضيق، حتى ازداد السباق سخونة وتحول إلى شجار وأصبح المشهد سينمائيًا بامتياز انتهى بحادث مروع ومشاجرة عنيفة لمن أسعفه قدره بالنجاة من حادث مميت فعلا!! 

 

لا شك أن تطبيق القانون بحقهم دون محاباة مسألة ضرورية وخصوصا أن هناك حقا عاما و آخر خاصا لكل ضحية من الضحايا الذين تضرروا بالحادث ناهيك عن الخسائر المادية وترويع الناس والمارة.


بهذا الإجراء الضروري والمطلوب يعالج المسؤولون العرض لا المرض؛ حيث إن خدمات النقل في بلادنا أوجدت هذه المأساة بتفاوت نسبي بين بلد وآخر.


خذ مثلا الأردن:  فيها نظام قائم على بيع خطوط النقل لمتنفذين بشكل أو آخر وعليه يكون السائق أجيرًا عنده، ثم تلقائيا يرتبط دخل السائق ومرافقه بعدد الركاب الذين يحملهم كل يوم وعليه يغدو السائق بتحد محموم كل صباح لتدبير لقمة عيش كريمة له ولأطفاله.


 لا يصح بحال أن تكون خطوط النقل العام للركاب مزايا وعطايا -أو أذونات على رواية أهل المغرب - من المسؤولين لأصدقائهم و أقربائهم ومن ثم يتحول أصحاب تلك الخطوط إلى إقطاعيين يشتغل عندهم مجموعة من السائقين بساعات عمل طويلة لأجل فتات قليل.


وحتى لو كان السائق مالكا لخط النقل فهو بالضرورة عليه دين لأقساط حافلته وحتى لو لم يكن فهو في سباق للظفر بالركاب فلا راتب ثابت له ولا مصدر دخل بديل، وهو يقاتل بأسنانه وبشكل متهور لتحصيل رزقه.


في الوقت الذي  سجل فيه الأردن محاولات جيدة لتحسين قطاع النقل والمواصلات وقدم نموذجًا مبهرًا لعدد محدود من حافلات النقل في العاصمة عمان تدار بشكل مهني وتوفر خدمة الانترنت المجاني ، إلا أن هذه المحاولات ما زالت خجولة و تسير سيرًا سلحفائيا بطيئا جدا، وهناك حديث عن تخريب متعمد تعرضت له بعض هذه الحافلات.


القطاع العريض للنقل في مختلف محافظات الأردن قائم على تلك الصورة التي لخصها حادث الكرك، و محاولات المسؤولين لتخفيف ازدحام وأعداد السيارات وتقليل نسبة التلوث تبوء وستبوء بالفشل ما داموا غير قادرين على تأمين بديل مناسب لخدمات النقل.


يحتاج المواطن عربيًا إلى خدمات نقل آمنة وسريعة ورخيصة؛ ففي اللحظة التي يجد بها المواطن أن استخدام الحافلة العامة أو ما شابه أسرع له لتوصيله لمبتغاه و أكثر أمنًا و حفاظا على حياته و أقل كلفة نسبيا من استخدام سيارته فسيترك مركبته بلا شك ويستخدم وسائط النقل العام بصورة تسهم في تقليل نسب التلوث.


أتطرق لموضوع  التلوث وأنا أذكر حديث وزير البيئة الأسبق خالد الإيراني لي عن رداءة النوع المستخدم أردنيًا من وقود السولار "الديزل " المستخدم في وسائط النقل وضرره الكبير على البيئة وعلى صحة كل من يستنشقه بما يفوق خطر التدخين.


وبطبيعة الحال تدفع الحكومات المتعاقبة الفاتورة مضاعفة في السنوات التالية بانعكاس هذا على صحة المواطنين وزيادة معدلات السرطان والأمراض المزمنة بينهم.


وفي المحصلة لا أحد يتخيل كم هو رعب المقيم في كثير من دولنا العربية فضلًا عن الزائر من شيء اسمه قطاع النقل العام و التعامل مع وسائط النقل والمواصلات العامة؛ لكارثية أوضاعها وسوء حالها في مختلف المجالات.


لسان حال كثيرين في شوارع دولنا العربية إن لم تمت دهسا قتلك السائق بسرعته أو رماك إن لم تدفع له أجرته، أو سمّاك ( شلن ) أو ( بريزة ) بالمصطلحات الدارجة لمسميات القطع النقدية المستخدمة شعبيا في وصف أجور النقل قديما في دولة مثل الأردن!


في النهاية يجب أن نعترف أن  أزمتنا في النقل هي مرآة لأزماتنا الأخرى في التعليم أو الصحة أو غيرهما من المجالات و عنوانها العريض تضييع الأمانة وإسناد الأمر لغير أهله، والسلام.