أفكَار

مفكر مغربي: الحداثة في العالم العربي بدأت مشروعا إسلاميا

قال إن "درجة تقبل العالم العربي للحداثة لم تكن بدرجة واحدة"- عربي21

ينبغي الاعتراف بأن اللقاء بالدكتور محمد سبيلا ليس أمرا عاديا، فالرجل من القامات الفكرية والفلسفية الكبيرة في المغرب، والعالم العربي ككل، فهو رمز من الرموز الصلبة في التبشير بالمشروع التحديثي في مختلف حلقاته ومستوياته. ناضل من أجل تعميق فكرة الحداثة في الوطن العربي، وسلط الضوء على مبادئها ونماذجها وأبعادها الفكرية والفلسفية، واجتهد في تفصيل مستوياتها الفكرية والثقافية والسياسية والتنظيمية والتقنية، ومارس غير قليل من النضال الفكري والسجال الفلسفي للانتصار لمسارها ودينامياتها في معاركة التقليد.

في هذا الحوار الحصري مع "عربي21"، يخوض محمد سبيلا تمرينا تقييميا لمسار الحداثة في العالم العربي، مستعرضا تعثراتها وعوائقها، مركزا على الخصوص على مسار الحداثة السياسية، والإكراهات والإحباطات التي حالت دون تجذره وتقدمه، بدءا بتقييم لحظة الربيع العربي ببشائره، والتشككات التي صاحبت مساره، والتحايلات التي مارسها الغرب من أجل إجهاض اللحظة الديمقراطية في العالم العربي. 

يتوقف عند تثاقلات التقليد في بعدها الثقافي والتراثي، ولا يغفل سلطته السياسية، وإراداته المعاكسة لفعل التحديث والدمقرطة، ويرفض قراءة التاريخ العربي قراءة وردية حالمة يسير فيها التاريخ في مسار تصاعدي، ويلعب الغرب دور المعين على بلوغ الحداثة بمستوياتها المحتلفة، بل يدعو إلى إعادة قراءة اللحظة وفق فلسفة التاريخ، بما يعنيه ذلك الوعي بالفاعلين وغاياتهم ومختلف الديناميات والتفاعلات التي ينخرطون فيها، والوعي بمختلف الأبعاد الإمبريالية الجديدة في سلوك الغرب اتجاه مسار مشروع التحديث في عالمنا العربي.

يستحضر سبيلا كل هذه الإحباطات والتعثرات، لكنه أبدا لا يسلم بانهزام المشروع التحديثي، فهو الآخر يملك آليات مقاوماته، ويملك أدوات تحايله، ويملك القدرة والروح على المقاومة والتمدد والحياة. فرغم السطوة التي يمثلها التقليد بمختلف سلطه الثقافية والسياسية، ورغم التعثرات التي تصطنعها الإرادات السياسية والهيمنة الغربية، إلا أن المشروع التحديثي ـ حسب محمد سبيلا ـ يتقدم بتدرج وضمن وتيرة التاريخ.

في هذا الحوار، يكشف سبيلا أيضا عن جانب آخر من التعثرات، والمتمثلة بتداعيات تطور التقنية، وما يصاحبها من آثار على مستوى تجاذب القيم، منظومات القيم التقليدية والتجديدات التي تحصل داخل بنيتها، ومنظومات القيم التي تحملها العولمة، والقيم المرتبطة بالتقنية، والمضامين والرسائل القيمية التي تحملها وتبثها، وما يتركه هذا المعترك من الصراع من خدوش داخل المنظومة القيمية التقليدية، وما يخلقه من حالة تيه في تمثل موجات الحداثة المتلاطمة، إذ لا يكاد يأتي جيل من هذه الموجات حتى يداهمه جيل ثان وثالث، فيتعذر مع هذه الوتيرة المتسارعة استيعاب وتمثل هذه الموجات ضمن شروطها التاريخية، مما ينتج عنه حالة من التيه، وعدم القدرة على مواكبة موجات الحداثة. 

يعترف سبيلا بما تشكله هذه التحديات من صدمة في الوعي واللاوعي العربيين، ويقر بأن الحداثة خلقت معها موجات تشكك في مرجعياتها وقيمها ومفاهيمهما، لكنه يرفض أن يعتبر ما بعد الحداثة شيئا خارجا عنها، بل هي ـ في اعتباره ـ درجة من درجات الحداثة، وشكل من أشكال تطورها، إذ يفرض قانونها، أن تخضع هي الأخرى لمنطق الاستيعاب والتمثل والتساؤل والتشكك والتجاوز أيضا:

وهذا نص الحوار:

س ـ في البدء، الدكتور محمد سبيلا معروف بكتاباته المتنوعة، والتأصيلية للحداثة ومشروع الحداثة في العالم العربي. كتبت في تعميق معانيها وسلطت الضوء على أبعادها الفكرية والفلسفية والثقافية، وناضلت من أجل أن يتبنى العالم العربي الحداثة والتحديث، ما هو تقييمك لهذا المشروع، وإلى أي حد العالم العربي تبنى الحداثة ومشروع التحديث؟

 

 
 ج ـ الحديث عن العالم العربي بمجمله، قد يكون فيه نوع من المخاطرة، بسبب سعة حجم البلدان التي يشملها هذا الحكم. ولكن مبدئيا، يمكن أن نقول بأن هناك تنوعا كبيرا في العالم العربي. هذه هي الملاحظة الأساسية الأولى. 

هناك بلدان ارتبطت باكرا بهذا المشروع، وعلى رأسها مصر وسوريا، أو الشام بصفة عامة. المغرب العربي جاء في مرحلة وسطى، ودول الخليج جاء دورها في مرحلة لاحقة أو بسرعة ربما أقل. هذا من حيث التبني الواعي للمشروع. 

النموذج البارز هو مصر، بحكم انخراطها المبكر في المشروع الحداثي، أو لنقل المشروع الكوني، الذي أطل عليها في عقر دارها، وطرق بابها منذ حملة نابليون، وأيقظ العديد من النخب، التي سارعت بالتفكير في هذا الموضوع. فالنهضة أو اليقظة العربية، مرتبطة بهذا التحدي التاريخي العيني المباشر. 
واستجابة مصر كدولة ونخب، كانت باكرا وكانت بشكل عام إيجابية، وحتى النخب المنحدرة من الثقافة التقليدية أو الدينية المتشددة قليلا، كلها كانت استجابتها للتطور والمشروع التحديثي إيجابية. 

 

إقرأ أيضا: العلمانية في العالم العربي.. هل جلبت الديمقراطية أيضا؟

في هذه المرحلة طرحت مسألة النهضة والتفكير فيها، وكيف يمكن أن يتقدم المسلمون، وكيف يمكن أن تتقدم مصر وهكذا. لنقل لدينا نموذج رائد، ونحن نقصد بالريادة هنا، أن مصر كانت مثالا يحتذى. صدى هذه التجربة ظل يتردد في العالم العربي بدرجات متفاوتة، لدرجة أنه حتى في المغرب العربي، كانت هناك أصداء، ولو بطيئة ومتأخرة. ينبغي أن نقر هنا أن المشروع التحديثي بدأ كمشروع إسلامي، ثم في مرحلة ثانية، أخذ تلوينات قومية.  

مبدئيا يمكن الحديث عن نفس المشروع، احتفظ تقريبا بنفس الطموح نحو التحديث. لنقل إنه في المرحلة الأولى ارتبط بالنخب الإسلامية المستنيرة المتحمسة للتقدم، ثم في مرحلة ثانية، ارتبط بالحركة القومية بمختلف تلويناتها وأطيافها وتعثراتها. فيما بعد، أعتقد أن أصداء المشروع الحداثي، طالت حتى بعض التوجهات والتيارات التي ظلت مرتبطة أكثر بالتقليد، ولنتحدث عن الإخوان المسلمين. 

وأفترض أن هذه الحركة التاريخية الشاملة، كانت لها أصداء وإسقاطات وارتجاعات حتى لدى الحركات التي ارتبطت أكثر بالتقليد وتمحور مشروعها الأساسي حول التلقيد وتطويره. مجمل الفكرة التي أريد توضيحها بهذا الخصوص، أن المشروع التحديثي كان مشروعا تاريخيا ترك أصداءه حتى لدى التيارات الإسلامية.

 

أقواس تاريخية
  
أما فيما يخص المغرب العربي، فأنا دائما أتحدث عن أقواس تاريخية، القوس التاريخي الكبير كان من ثورة 1917 في روسيا إلى حدود الأربعينات، حيث بدأت فكرة الحداثة والتحديث، وخاصة في صيغتها الاشتراكية، تثمر وتنتج حركات وفاعلين تاريخيين. 

 


في المغرب، وخاصة في المغرب الأقصى، بدأت تصلنا الأصداء ربما متاخرة. زعماء الحركة الوطنية الذين عاشوا في مصر، تأثروا بهذا المخاض الكبير لليقظة والنهضة والفكرة التحديثية في مختلف تلويناتها، وتشبع بالفكرة زعماء المغرب وتونس والجزائر، كان هناك نفس المخاض، وأعتبر أن التمثلات التي عاشتها النخبة السياسية المغربية في تلك الفترة وتشبعها بمخاض اليقظة والتحديث، بلغت فيما بعد عن طريق علال الفاسي وحزب الاستقلال. هذه الحركة داهمت إلى حد ما الحركة الوطنية. فالحركة الوطنية في المغرب المغربي، استوعبت بشكل من الأشكال، فكرة النهضة والتحديث ليس فقط في شكلها السياسي المباشر المتمثل في الانفصال عن الاستعمار، ولكن أيضا في تطوير التعليم. 

أنا أتحدث عن الحركة الوطنية وفي ذهني شيء عشته، هو التعليم المعربي الذي نشأنا فيه، والذي كان يعكس بالضبط صدى الحركة التحديثية أو النهضوية التي تمثلتها الحركة الوطنية والتي تمثلت بشكل مباشر في تطوير التعليم من تعليم تقليدي إلى تعليم عصري.  

نحن جيل المعربين، كنا نتاج هذا الصدى، وكانت الفكرة المطروحة وقتها هي كيفية تطوير البلد ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا، وأنا أتحدث عن التعليم، فالتعليم الذي نشأنا فيه هو تعليم نسبيا تقليدي قائم على المعطيات التراثية، من دين وفقه وتفسير وتاريخ، وعلى مواد علمية معربة. 

هذه هي الإسقاطات البعيدة لفكرة التحديث التي تمثلتها مختلف الحركات الوطنية ربما في المغرب العربي. وأنا أتحدث بثقة أكبر عن تجربتنا في المغرب. المقصود أن أصداء حركة التحديث العربية في وجدانها الإسلامي والقومي انعكس على مستوى الحركة الوطنية.

س ـ كانت حركة اليقظة العربية، مهمومة بطرد المستعمر وفكرة التنمية وبناء الدولة القطرية، لكنها في وقت لاحق أصبحت مهووسة بفكرة الدمقرطة، إذا أردنا أن نقتصر على قضية الحداثة في شقها السياسي، كيف نقيم مسارها هل يمكن الحديث عن نجاحات أم تعثرات أم إحباطات؟

 ج ـ الحداثة تأخذ أبعادا مختلفة ومستويات متعددة، فكرية وتنظيمية وتقنية، هذا هو التقسيم الذي أعتمده، وهو يساعد على فهم كيفية استيعاب الحداثة ودرجات تمثلها في مراحل مختلفة. 

عندما نتحدث عن الحداثة والتحديث، والحداثة السياسية بالخصوص، فينبغي أن نستحضر أن هذه المعطيات متشابكة، وتتطلب ربما قرونا لتمثلها. فإذن، تدريجيا بدأت مظاهر الحداثة السياسية تتمثل وتستوعب وتتقبل من طرف مختلف التيارات الفكرية والسياسية. 

 

 

اليوم بدأت الحركة الإسلامية تقبل الديمقراطية، ولا تقف عند هذا الحد، بل تقبل الديمقراطية في المجتمع وتقبلها داخل أجهزتها، بل أصبحت تنافح عن الديمقراطية، وتدافع عنها


وإذا شئنا أن نمثل لطريقة تمثل الحداثة، فالأمر يتم "قطرة قطرة". كان المعطى الأول، هو تقبل جهاز الدولة الحديثة، أو تنظيم الدولة الحديثة، من حيث أنها تنظيم لطريقة الحكم، وربما تقبل اعتماد مرجعيات وشرعيات جديدة لم تكن مقبولة أو مطروحة في السابق، مثل التمثيلية الشعبية، وضمن انتقال بطيء وتدريجي من مشروعية مقدسة، إلى مشروعية دهرية أو دنيوية أو مجتمعية. وقد تحقق هذا التطور تدريجيا مع اجتهادات ومساهمات حاولت تليين الفكرة التقليدية وجعلها تتقبل تدريجيا الأفكار العصرية. فضمن هذا المستوى، أي تقبل جهاز الدولة الحديثة، لا يمكن الحسم والانتقال من مشروعية تقليدية إلى مشروعية عصرية أو تحديثية بشكل قسري. إذن فالمسار هو مسار تدرجي عبر زمن طويل. وإلى الآن، المشكلة مطروحة.  

نعم، في العقود الأخيرة بدأت الحدود تلين، وبدأ تقبل فكرة الديمقراطية، في الوقت الذي كانت هذه الفكرة مستنكرة، ومشكك فيها، وأحيانا كانت تكفر وتوصف بكونها مستوردة أو غريبة أو مضادة أو دخيلة عن تراثنا. تدريجيا بدأت الفكرة السياسية الحديثة تأخذ مكانها وتحفر لها بعض المواقع. 

في المغرب مثلا، ومنذ عقدين من الزمن، كنا نسمع خطابات تشكك في الديمقراطية، لكن اليوم بدأت الحركة الإسلامية تقبل الديمقراطية، ولا تقف عند هذا الحد، بل تقبل الديمقراطية في المجتمع وتقبلها داخل أجهزتها، بل أصبحت تنافح عن الديمقراطية، وتدافع عنها وتتهم خصومها بأنهم غير ديمقراطيين، وهذا تحول كبير جدا، لأننا أصبحنا بصدد تمثل الديمقراطية من قبل كل النخب بما في ذلك النخب الإسلامية، واعتبارها مكسبا تاريخيا وجزءا من التراث، يتم تبريره وتأصيل الديمقراطية من داخل مرجعيته. 

الديمقراطية بعملية التأصيل هذه، أصبح عندها جذور وأسس في تراثنا، وأعتقد أن هذا التحول نوعي. هذا على الأقل بالنسبة لفكرة الديمقراطية. وبالنسبة للأفكار المرتبطة بها، والمرتبطة بتوزيع السلطة،  وبتداولها وبالقبول بالتمثيلية الشعبية.

أنا أؤمن بفكرة التدرج في تمثل معطيات الحداثة ومختلف مستوياتها، وبشكل خاص الحداثة السياسية، وما يرتبط بتنظيم الدولة، وبالقبول بالحكم الديمقراطي، والتمثيلية وتوزيع السلط، كل هذه الشبكة المفاهيمية التصورية مترابطة، قد يتم أحيانا التركيز على ركن، لكن يتبين أنه يتعين تقبل الديمقراطية كفكرة ويتعين أيضا تأصيلها. 

الديمقراطية فكرة سياسية وسوسيولوجية

والذي حدث هو الاجتهاد في تأصيلها. فعندما تتبنى حركة من حركات الإسلام السياسي، الفكرة الديمقراطية، وهي ليست فقط فكرة سياسية، وإنما هي فكرة سوسيولوجية، وفكرة ثقافية تتعلق بتصور عام للمجتمع أو لنقل للتاريخ، حينما تتبنى الحركات الإسلامية الديمقراطية، وتصير نموذجا لتنزيلها داخل بنيتها التنظيمية، فذلك يدل على مستوى تمثل النخب للديمقراطية ولإحدى لوازم الحداثة السياسية.

نحن في الحقيقة حين نتأمل هذه التحولات ننسى هذه الجذور الثقافية والأبعاد الثقافية العميقة لفكرة الديمقراطية والتحولات المرتبطة بها، ونهتم فقط بالجوانب السطحية، والجانب التمثيلي في الديمقراطية. لأن تحول المجتمعات سواء في ذلك المجتمع المغربي، أو المجتمعات العربية بصفة عامة، هي تحولات بطيئة، هذه هي وتيرة التاريخ، وأنا كمفكر، أرجع الأمر إلى قوة وثقل وتثاقلات التقليد، بمعنى أن هناك تنظيمات راسخة ومتجذرة في المجتمع، وتتحول إلى عادات مناهضة ومقاومة للتحديث. لأن التحديث مرتبط بتحولات ذهنية وثقافية، ونحن نعرف أن المجتمعات تعتبر أن ثقافتها هي روحها وهي الحياة بالنسبة إليها، وبالتالي هي ليست مستعدة للتفريط في روحها وتقبل بالكاد تكييفها وتأصيلها وتجييرها لكي تصبح متقبلة ومستوعبة.