كتاب عربي 21

التحالف وتعقيدات المعركة المصيرية

1300x600

فجأة توقفت معركة استعادة الحديدة، أو تحريرها كما يحلو لتحالف الرياض- أبو ظبي أن يسميها، عند حدود المطار الدولي للمدينة، الذي بات أشبه بمساحةٍ محايدةٍ لا هي بيد القوات الحكومية المدعومة من التحالف ولا هي بيد الحوثيين.

أغرق التحالف الفضاء الإعلامي بأخبار الانتصارات الاستثنائية التي أحرزها في الساحل الغربي، في وقت لم يتحقق فيه بعد الهدف الأساسي من المعركة التي يخوضها في هذه المنطقة، وأعني به دحر الحوثيين من مدينة الحديدة ومينائها.

جزء من "البروباغندا" التي ترافقت مع "معركة النصر الذهبي"؛ كان قد استهدف النيل من سمعة الجيش الوطني الذي تعتمد عليه الحكومة الشرعية في استعادة نفوذها، والنيل من الكفاءة العسكرية لهذا الجيش ومن إنجازاته العسكرية في معظم الجبهات الرئيسية.

لقد انخفض منسوب الاستعراض القتالي الذي شهدناه منذُ الإعلان عن تحرير المطار يوم الثلاثاء الماضي، والذي لم يستمر طويلاً، وتوقفت العمليات القتالية بشكل لافت من جانب التحالف، لكن الحوثيين لم يتوقفوا عن استهداف المطار بقذائف الهاون والدبابات وتكريس وضعه المحايد.

 

انخفض منسوب الاستعراض القتالي الذي شهدناه منذُ الإعلان عن تحرير المطار يوم الثلاثاء الماضي، والذي لم يستمر طويلاً، وتوقفت العمليات القتالية بشكل لافت من جانب التحالف

أراد التحالف من خلال معركة المطار تسديد ضربة قوية لمعنويات الحوثيين القتالية، وتخفيف الضغوط السياسية التي يمارسها المجتمع الدولي على التحالف والحكومة اليمنية؛ على خلفية القلق المتزايد من التداعيات الإنسانية للمعركة المنتظرة في الحديدة.

لكن سرعان ما أدرك التحالف أن أمامه مساراً شائكاً وشديد التعقيد لإنجاز هدف تحرير الحديدة ومينائها من سطوة ونفوذ الحوثيين، في ظل مؤشرات عديدة على أن الحوثيين ماضون في خوض معركة الدفاع عن وجودهم ومصالحهم الكبيرة التي توفرها الحديدة وميناؤها.

فعلى الرغم مما يقال عن قبول الحوثيين المتأخر بمقترحٍ لإدارة ميناء الحديدة، من قبل منظمة الأمم المتحدة، فإن ما ينجزه الحوثيون على الأرض يشير إلى استعدادهم لمواصلة القتال حتى آخر نفس.

فقد قاموا بتقطيع أوصال المدينة وتحويل شوارعها وأحيائها إلى خنادق وثكنات، وتم توزيع المعدات القتالية الثقيلة وسط الأحياء، واعتلاء المباني السكنية، وتنظيم تنقلات عناصر المليشيا عبر الدراجات النارية التي أصبحت وسيلة المواصلات الرئيسية لدى هذه العناصر.

 

على الرغم مما يقال عن قبول الحوثيين المتأخر بمقترحٍ لإدارة ميناء الحديدة، من قبل منظمة الأمم المتحدة، فإن ما ينجزه الحوثيون على الأرض يشير إلى استعدادهم لمواصلة القتال


الحوثيون لا يكترثون لمصير المدينة، لذا يواصلون استعداداهم للمواجهة العسكرية المنتظرة، ما يعني أن المدينة مهددة بدمار رهيب، وبسقوط الآلاف من الضحايا المدنيين وبتنامي موجة النزوح المحفوفة بالمخاطر في ظل الصعوبات الشديدة التي يواجهها الآلاف من النازحين ممن يفتقدون إلى الحد الأدنى من الإمكانيات اللازمة للعيش في مأمن من الجوع والبرد والخوف.

تحولت أدوات المواجهة في الحديدة، من عسكرية إلى سياسية، على ضوء التحركات الأخيرة للتحالف، في محاولة منه لاستثمار الضغط العسكري الذي مارسه مؤخراً على الحوثيين؛ في التحرر من الضغوط التي يتعرض لها هذا التحالف من جانب المجتمع الدولي، وحفز المجتمع على تعزيز ضغوطاته على الحوثيين وإجبارهم على تسليم مدينة الحديدة سلمياً والانسحاب منها، وتسليم الأسلحة وتسليم خارطة بانتشار الألغام، وهي الشروط التي عرضها المندوب السعودي في الأمم المتحدة السفير عبد الله المعلمي.

 

تحولت أدوات المواجهة في الحديدة، من عسكرية إلى سياسية، على ضوء التحركات الأخيرة للتحالف

يستمر تحالف الرياض- أبو ظبي في إقناع الدول المتحفظة حيال معركة الحديدة؛ بأن المعركة ستتم بأقل كلفة إنسانية ممكنة، وبأنها ضرورية لتحرير المدينة من قبضة الحوثيين الذين يستخدمون الميناء لإدخال الأسلحة المهربة من إيران والاعتداء على السفن المدنية بالصواريخ، وزرع الألغام بشكل عشوائي في منطقة جنوب البحر الأحمر، وفقاً لما صرح به وزير الخارجية اليمني خالد اليماني؛ الذي يُدفعُ به للبقاء جزءا من المواجهة مع المجتمع الدولي، وإظهار المعركة على أنها تخص الحكومة اليمنية قبل التحالف.

يضع الاتحاد الأوروبي كل ثقله وراء منع معركة الحديدة، وسيقف وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي الاثنين المقبل أمام إحاطة نادرة سيقدمها المبعوث الأممي إلى اليمن، مارتن غريفيث، بشأن جهوده المبذولة لاحتواء معركة الحديدة، وضمان حل سياسي للوضع القائم في هذ المدينة اليمنية الواقعة على ساحل البحر الأحمر.

 

التحالف أمام تحديات عسكرية وسياسية شديدة التعقيد، ستنهي مرحلة من التصرف المريح حيال مستقبل اليمن، والذي كان قد دفع بالحكومة الشرعية خارج التأثير السياسي والعسكري في البلاد


ولهذا الغرض، أوفدت الرياض الناطق باسم التحالف العقيد تركي المالكي إلى بروكسل، في ما يشبه حملة العلاقات العامة، لتبديد المخاوف لدى الأوروبيين بشأن مآلات المعركة المنتظرة في الحديدة.

يأتي ذلك فيما أكد نائب وزير الخارجية الأمريكي جون سوليفان؛ دعمه لجهود المبعوث الدولي، وحثه كلا من الرياض وأبو ظبي على التعاطي الإيجابي مع الحلول الوسط التي يعرضها هذا المبعوث، على نحو يضع التحالف أمام تحديات عسكرية وسياسية شديدة التعقيد، ستنهي مرحلة من التصرف المريح حيال مستقبل اليمن، والذي كان قد دفع بالحكومة الشرعية خارج التأثير السياسي والعسكري في البلاد، وأبقاها رهن الإقامة الجبرية في الرياض، أو إقامة تشبه اللجوء في العاصمة السياسية المؤقتة، عدن.