قضايا وآراء

ربيعُ الغَضبِ الفَرنسي

محمد مالكي
1300x600
1300x600
قال "وليام شكسبير" في "هاملت": "لا تأتي المصائب فرادى"، ما يعني أن الفواجع غالبا ما تقع مجتمعة ودون سابق إعلان، ولعل هذا القول ينطبق بشكل كبير على ما تتعرض له حكومة "فرنسوا هولاند" منذ شهور: إرهاب يضرب قلب باريس في 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، وموجات احتجاج عارمة هزّت مدن فرنسا وحواضرها، وفشل ذريع في إقناع ممثلي الأمة في مجلسي البرلمان بجدوى التعديل الدستوري الخاص بـ"إسقاط الجنسية" في حال ارتكاب صاحبها جريمة إرهابية ضد أمن البلاد واستقرارها.. وتراجع مُهول لشعبية الرئيس الفرنسي .. إنها أحداث دالة وعميقة تراكمت بالتدريج لترسم صورة عن المستقبل القريب الذي ينتظر الحزب الاشتراكي، وزعيمه "فرانسوا هولاند".

لم يكن في الواقع ممكنا أن يندلع الاحتجاج ليعُمّ الحواضر والمدن الفرنسية، ويخلق حالة من التوتر الاجتماعي، لو لم تتزايد الضربات على الرئيس الفرنسي وأدائه خلال الشهور الأخيرة، ومن المفارقة اللافتة أن شعبية "فرانسوا هولاند" التي ارتفعت عاليا مباشرة بعد انفجارات باريس الأخيرة، والتئام مجلسي البرلمان في قلب قصر فرساي، سرعان ما بدأت بالانخفاض، لتصل أضعف معدلاتها الآن، بل بدت مؤسسة الرئاسة مرتبكة، غير قادرة على الإمساك بمعالم القيادة، وهو ما عبّر عنه بمرارة "هولاند" أمام البرلمان حين أعلن رسميا عن إغلاق ملف "إسقاط الجنسية"، الذي صفقت له كل مكونات الطبقة السياسية لحظة اقتراحه كأحد الآليات لمواجهة موجات الإرهاب التي ضربت مرتين فرنسا في أقل من سنة.

يذهب كثير من المحللين والمتابعين للشأن الفرنسي إلى أن ربيع الغضب الذي تعيشه الجمهورية الفرنسية راجع في جزء كبير من أسبابه إلى اضطراب المجال السياسي الفرنسي، وإلى انقسام طبقته السياسية، وتراجع آفاقها الإيديولوجية والفكرية، بل شددت بعض الأصوات على أن ثمة تراجعا في مستوى النقاش السياسي الفرنسي، وأن هناك تقهقرا واضحا للنقاش العمومي، على الرغم من الانطباع الذي تقدمه فرنسا عن حيوية مجالها السياسي وتجدد نظر نخبها السياسية. والحقيقة أن إمعان النظر في هذا الرأي يُقنع برجاحة حكمه. ففرنسا ابتعدت عن العصر الذهبي لمؤسسي جمهوريتها الخامسة وقادتها التاريخيين، ربما كان آخرهم الرئيس الأسبق "جاك شيراك"، وأنها دخلت، مع ولاية "نيكولا ساركوزي"، دائرة التراجع المُزمِن.

 فإذا كان هذا الرأي سليما ومعبرا عن حقيقة ما يجري داخل فرنسا، فإن الوضع الذي تعيشه مؤسسة الرئاسة في فرنسا، لاسيما خلال الشهور التي أعقبت العمليات الإرهابية الأخيرة، تُعطي الدليل على حالة الترهّل والتقهقر التي تسِم الوضع السياسي الفرنسي. لنتأمل جيدا في مسار الإجراء الدستوري الذي اعتبره الرئيس "هولاند" أساس شعبيته وإعادة تجديد قوته، أي مقترح "إسقاط الجنسية". فالنخبة الممثلة للأمة الفرنسية، الحاضرة في اجتماع "فرساي" غداة انفجارات 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، والتي صفّقت طويلا لإجراء "إسقاط الجنسية"، واتخاذ إجراءات جذرية لاستعادة هيبة فرنسا، هي نفسها التي خذلت رئيسها وحالت بينه وبين تمرير التعديل عبر البرلمان.. بل إن الاشتراكيين، المحسوبين تنظيميا على صفّ "هولاند"، لم يترددوا في إعلان عصيانهم ضده، وتركه وحيدا، ناهيك عن معارضة اليمين بكل أطيافه لمشروع "إسقاط الجنسية"، والحال أن الرهان السياسي كان واضحا: سحب البساط من تحت أقدام الرئيس، وتعريضه للضعف والتآكل التدريجيين، بُغية إخراجه من حلبة التنافس الرئاسي المقبل (2017).

نفهم مما سبق بيانُه أن الاضطراب الحاصل في المجال السياسي الفرنسي، والتراجع الواضح في شعبية الرئيس "هولاند"، كانا في أصل رفع إيقاع الاحتجاج الاجتماعي، الذي أذكى جذوته مشروع قانون العمل الجديد. ففي التاسع من شهر آذار/مارس الماضي، اجتاحت فرنسا موجات عالية من الاحتجاجات قُدرت بنصف مليون مشارك، أو 224 ألف بتقدير أجهزة الأمن، يتزعمها الطلاب والمنظمات الشبابية، وإلى جانبهم كبريات الاتحادات النقابية اليسارية، وحزب الخُضر، وشبيبة الحزب الاشتراكي الحاكم، ناهيك عن نواب الجناح اليساري في الحزب المعارضين لسياسة الرئيس "هولاند".

 يُؤخذ على مشروع قانون العمل الذي طرحته وزيرة العمل، طابعه الليبرالي، المدعم لأرباب العمل، وغير المنصف للعمال وأوضاعهم، والمضر بالمكاسب التي حققتها الشغيلة عبر عقود من النضال. أما الاشتراكيون فيأخذون على سياسة زعيمهم انحيازها التدريجي إلى صف الشركات ورجال الأعمال والأوساط الليبرالية عموما، وتنكرها لبرنامجها الانتخابي وتوجهاتها المبدئية في دعم الطبقات المتوسطة والكادحة، وحماية العدالة الاجتماعية. فمثلا، يتيح مشروع قانون العمل الجديد للشركات إمكانات تحديد ساعات العمل وخفض أجور ساعات العمل الإضافي، وتسهيل عمليات "تسريح" العاملين واستبدالهم من دون ضوابط، مما يعني "تطوير نموذج عمالة رخيصة الثمن، والعقود القصيرة، وفي أحسن الأحوال توسيع قطاع العمالة غير المستقرة، رخيصة الأجور..". لذلك، وبسبب خطورة هذه الإجراءات تكونت جبهة واسعة مناهضة لهذا المشروع، وقد أشارت استطلاعات الرأي إلى أن سبعين في المائة من الفرنسيين يرفضون قانون العمل المطروح للنقاش، ويدعون إلى إلغائه. لكن لا يبدو بالمقابل أن ثمة استعدادا من قبل الحكومة للتفاوض حول الجوهر والبحث إلى جانب المركزيات النقابية عن حلول مشتركة مرضية لجميع الأطراف.. وهذا ما سيزيد من حدة الاحتقان الاجتماعي في فرنسا.

لا شك أن في مشروع قانون العمل الكثير من السلبيات، والعديد من مصادر التوتر الاجتماعي الذي اجتاح فرنسا، غير أن أبعاد هذا المشروع أكثر مما يظهر للعيان، إنه المسمار الذي سيضرب في نعش الاشتراكيين، وزعيمهم "هولاند" على بعد بضعة شهور من الانتخابات الرئاسية لعام 2017.
التعليقات (0)