قضايا وآراء

أين العرب من التصنيف العالمي للجامعات؟

محمد مالكي
1300x600
1300x600
لم يَحمل تصنيفُ شنغهاي لأفضل 500 جامعة لهذا العام (2017) جديداً بالنسبة للجامعات العربية، فقد استمرت جُلها خارج الخمسمائة جامعة الأولى في العالم، باستثناء جامعة القاهرة، التي رُتبت ضمن فئة 401 ـ 500 جامعة الأولى، وأربع جامعات سعودية، هي تحديدا جامعات الملك عبد العزيز والملك سعود، وجامعة الملك عبد الله، والملك فهد. وما عدا هذا دخلت لأول مرة تصنيف 701 ـ 800 جامعتا عين شمس والإسكندرية، بينما رُتبت جامعة قطر ضمن فئة 600 ـ 700 جامعة الأولى.

يُذكر أن تصنيف "شنغهاي" صدر لأول مرة عام 2003، وتواتر إعداده كل سنة ليُصبح عملاً علمياً مميزا ومعترف به دوليا، في قياس مكانة الجامعات من حيث جودة التعليم والمخرجات، والبحث العلمي والإنتاج المعرفي، وأداء الهيئات الأكاديمية في تطوير مناهج التدريس وخدمة المجتمع.

أما المعايير الستة المعتمدة عليها في التقييم  وإجراء التصنيف، فتخُصُّ أساسا: "عدد المتخرجين من الجامعات الحائزين على جائزة نوبل، وعدد الباحثين المعروفين في مجالات تخصصهم، الذين تزداد أسماؤهم في مصنفات عالمية، وعدد المنشورات الصادرة في مجلتي "ساينس" و"نيتشر"، علاوة على الميداليات التخصصية الأخرى بين أعضاء هيئة التدريس، وعدد المرات التي يتم فيها الإشارة المرجعية للبحوث، في الدوريات العلمية المحكّمة"، إضافة إلى "عدد الباحثين المعروفين بأدائهم المميز  ومستوى الأداء الأكاديمي قياسا بحجم الجامعة.

لاشك أن تصنيف "شنغهاي رانكيغ كونسلتنسي" أصبح من أكثر التقارير وثوقية من حيث قياس أداء الجامعات في العالم، على الرغم من بعض الملاحظات الموجهة إليه من قبل بعض الجامعات هنا وهناك. لذلك، يمكن الارتكاز على نتائجه لمعرفة موقعنا كعرب ضمن جامعات العالم، ونصيبنا من البحث العلمي ومراكمة المعارف.
 
جاء تقرير 2017، الصادر رسميا منتصف هذا الشهر، غير مختلف في جوهره عن سابقه لعام 2016، حيث احتلت الجامعات الأمريكية صدارة التصنيف بـ 8 جامعات من أصل عشر جامعات الأولى، وجامعتين بريطانيتين، ومن أفضل أفضل 20 جامعة، كان نصيب أمريكا 15 جامعة وثلاث جامعة بريطانية، وجامعة سويسرية، هي "المعهد الفيدرالي للتكنولوجيا" في زيوريخ.. أما جامعة طوكيو فجاءت في المرتبة الرابعة والعشرين. كما أن تقرير 2017 حافظ لجامعة "هارفرد" الشهيرة، على المرتبة الأولى للمرة الخامسة عشرة، تليها نظيرتها "ستانفورد"، في ما آلت المرتبة الثالثة لجامعة "كايمبريدج" البريطانية. ومما هو لافِت للانتباه في تصنيف هذا العام، دخول جامعات إيرانية حلبة صدارة الجامعات في العالم، بجامعتين في قائمة الـ500، وست جامعات في فئة 500 ـ 800، واحتلت إلى جانبها ست جامعات إسرائيلية مراتب في قائمة الـ500 جامعة الأولى.

تسمح قراءة المعطيات الإحصائية أعلاه باستنتاج مجموعة من الخلاصات، كما تُحفز على الكثير من التساؤلات والاستفهامات حول واقع الجامعات العربية، وآفاق تطورها نحو الأفضل.

فمن جهة، نحن كبلاد عربية جد متأخرين في مراتب التصنيف العالمي للجامعات، وعدد جامعاتنا في الصفوف المتقدمة محدود وبسيط، ولا يعكس حجم عدد جامعاتنا، ولا حجمنا السكاني، ولا نوعية الإمكانيات التي لدينا لتطوير العلم وبناء المعرفة في مجتمعاتنا. والحقيقة أن منذ سنوات، إن لم نقل منذ عقود والحديث يتكرر حول هدر الطاقات وهجرة الكفاءات، وتزايد الفجوات المعرفية التي تفصلنا عن العالم، وتُبعدنا عن التشابك معه معرفيا. وحتى الجامعات التي تمكنت من دخول حلبة التنافس على مراتب القوائم الأولى في تصنيف شنغاي، يعود الفضل الكبير فيها إلى الكفاءات الوافدة، أي غير المحلية، أو الكفاءات الوطنية التي درست في الخارج واشتغلت علميا في جامعاته، وحصلت هناك على جوائز مرموقة، دعمت بشكل غير مباشر مراكز جامعات بلدانها.
 
ومن جهة أخرى، يرتبط تدني مراتب جامعاتنا العربية بمتغيرات أساسية ذات صلة بالبيئة السياسية والمجتمعية لبلداننا. فجامعة ناجحة تتحقق بالضرورة في بلد له رؤية واضحة ومشروع مجتمعي متوافق حوله حقا، ومجتمع قضى نهائياً على الأمية وتسلح بالتعليم الفعال والناجح، أي يمتلك نموذجا تعليميا ناجحا وفعالا ومنتجا. أما غير ذلك فلا أمل في أعداد جامعاتنا للعطاء العلمي والمعرفي القادر على تأهيلها لأن تصبح واحدة من الجامعة المتصدرة لقوائم الترتيب. وفي السياق نفسه، لن تقوم جامعة وتستقيم وتغدو ناجحة، بقيادات فاسدة، وهيئات أكاديمية إما مصطفة بإرادة إلى جانب الفساد، أو مستقيلة من الحياة الداخلية للجامعة، أو ضحلة علمياً وتقوم بأدوار تضر الجامعة أكثر مما تنفعها.. تحتاج جامعاتنا العربية إلى بث روح التقييم بكل أشكاله، والمساءلة، والترقي على أساس الاستحقاق والأداء الجيد، وليس على اعتبارات أخرى تستجيب لمناخ الفساد وتعزز استمراره.

نحن جزء من العالم، ولن نستطيع بناء جامعات منخرطة في جدلية العلم والمعرفة في العالم، إلا إذا تصالحنا مع هذا العالم، برد الاعتبار للغتنا قراءة وتدريسا وإنتاجا، وبالموازاة تعلم لغة العلم وتكنولوجيا المستقبل، والتشابك مع العالم بها ومن خلالها، كما هو حال اللغة الإنجليزية.. أما بقاؤنا سجناء لغة المستعمر، كما هو حالنا في البلاد المغاربية، فسيفرض علينا البقاء خارج العلم والمعرفة العالميين..

إن واقعنا في التصنيف العالمي يُسائلنا باستمرار، ويدعونا إلى التفكير والعمل جديا في رفع اليد عن جامعتنا، بصيانة أدوارها الحقيقية ورسائلها النبيلة في إعلاء مكانة العقل والاجتهاد، والنأي عن مرض الإساءة إلى أصحابها (الهيئة الأكاديمية) بحفزهم على لعب أدوار مشينة، أو تفقيرهم وجعلهم يعيشون دوامة العوز وضيق اليد، أو تخويفهم وارعابهم بُغية تخليهم عن استقلاليتهم وحريتهم الأكاديمية.. إن استمرار مثل هذه الروح في جسم الجامعة لتجعل منها مرتعاً للفساد وإنتاج "الضباع" بتعبير المرحوم محمد جسوس.
التعليقات (0)