أدعو إلى التعامل مع الرأي العام بقدر من الحذر والاحترام، ليس في مصر وحدها ولكن أيضا في العالم العربي كله، ذلك أنني ألاحظ أن بعض القرارات التي تصدر تعبر عن الاستهانة بالإدراك العام وسوء الظن بوعي الناس وذكائهم، فضلا عن تجاهلها لما حققته ثورة الاتصال وانتشار التعليم من تقدم وتطور ليس فقط في الوعي، ولكن أيضا في فنون التواصل ونقل المعلومات، وهو ما يسوغ لي أن أقول بأن الناس ليسوا بالسذاجة أو البلاهة التي يتصورها البعض، وأنهم أصبحوا يملكون القدرة على التمييز بين الغث والثمين، وبين الصدق والإخلاص والنفاق والتدليس.
وعلى من يشك في ذلك أن يلقي نظرة على مواقع التواصل الاجتماعي وصفحات الفيس وغير ذلك من الوسائط والمنابر غير الخاضعة للسيطرة والغربلة والتوجيه، وإن كانت قابلة للاختراق. لذلك أزعم بأن مجتمعاتنا أصبحت تطالع خطابين يتكلمان بلسانين مختلفين وأحيانا متناقضين. أحدهما يتمثل في وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة، وهذه تعبر عن وجهة النظر الرسمية بدرجة أو أخرى. والثاني يتمثل في مواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت المنبر الأوسع الذي يعبر عن وجهة نظر المجتمع. ورغم أن تلك المواقع تتعرض للمراقبة والملاحقة وربما الإغلاق والمصادرة، فإن تلك تظل إجراءات عقابية لاحقة، فضلا عن أن من يحاصر بعض المواقع ويقمعها، فإنه لا يستطيع أن يحاصر كل المواقع.
أقول ذلك بمناسبة ما شهدناه في مصر أخيرا حين فوجئنا ذات صباح بحملة تنديد شرسة في اتجاه معين، تبنتها وسائل الإعلام بمختلف منابرها مروجة لسيل من الادعاءات والاتهامات.
واستمرت تلك الحملة بالوتيرة ذاتها يومين أو ثلاثة، ثم حين أتيح للرأي الآخر أن يعبر عن نفسه في تصحيح المعلومات التي ذكرت، أو كشف التدليس الذي جرى الترويج له، إذا فوجئنا بقرار أصدره النائب العام يحظر النشر في الموضوع، ويلزم الجميع بالصمت على أمور بالغة الخطورة تمس سمعة الدولة وهيبتها. حين يحدث ذلك، دون أن يبين النائب العام الأسباب التي دعته إلى فرض الحظر، فإن ذلك يفتح الباب لإساءة الظن بموقفه وبالأسباب التي دعته إلى ذلك. ذلك أنه في غيبة الأسباب التي كان عليه أن يوردها لإقناع الرأي العام بالكف عن الحديث في الموضوع، يجد الناس أنفسهم أمام احتمالين لا ثالث لهما: الأول أن إغلاق الباب أريد به التستر على فضائح معينة منسوبة إلى المؤسسات المهمة في الدولة، التي هي فوق القانون وفوق الحساب.
الثاني أن النشر كان مباحا ومرحبا به طالما ظل يعبر عن خطاب التشهير والاتهام والاغتيال المعنوي، ولكن حين بدأت الحقائق تظهر من خلال صوت الرأي الآخر تمت المسارعة إلى إغلاق الباب وطولب الجميع بالصمت. وفي الحالتين فإن الإساءة تصبح من نصيب السلطة التي يظن البعض أنها تتستر على وقائع الفساد في مؤسساتها. كما أنها تسيء إلى النائب العام نفسه الذي يظن أنه استخدم صلاحياته لحماية طرف وتشويه طرف آخر، دون أدنى احترام لحق الناس في المعرفة.
الذي لا يقل خطورة عن هذا وذلك، أن الذين أداروا العملية كلها ولم ينتبهوا إلى أن هناك جمهورا ذكيا ومفتوح الأعين يرفض ابتلاع مثل هذه الرسائل، ولديه من الوعي ما يمكنه من أن يلتقط المعاني والدلالات الكامنة وراء قرار الحظر، وهو ما حدث. ولا تنس أن الجمهور ذاته الذي يفهمها وهي «طائرة» كما نقول، فما بالك بها حين تكون مكتوبة ومقروءة ومسموعة؟!
من المصادفات أن قرار النائب العام الذي أعلن يوم الأربعاء الماضي 20/1 بحظر النشر في قضية الفساد الشهيرة، صدر بعد يومين فقط من قرار محكمة القضاء الإداري بإبطال حظر النشر، الذي أصدره النائب العام السابق في تحقيقات قضية انتخابات الرئاسة. التي جرت عام 2012، وقال قرار المحكمة التي رأسها يوم 18/1 المستشار يحيى الدكروري نائب رئيس مجلس الدولة أن قرار النائب العام اغتصب سلطات قاضي التحقيق، المخول له قرار حظر النشر في قضية معينة ما دام هو من يباشر التحقيق فيها. وأوردت الحيثيات رأيا شجاعا ونزيها ذكرت فيه أن كل تقييد لحق المواطنين ووسائل الإعلام في الوصول إلى المعلومات الصادقة، على غير سند من القانون ودون مبرر يستند إلى المصلحة العامة، يعد مخالفا للدستور ويهدر الحقوق التي أقرها للمواطنين ووسائل الإعلام. وأن كل ساحة تخلو في وسائل الإعلام من المعلومات والحقائق تمتلئ بالأكاذيب والأضاليل. وكل خصم من العلم الصحيح بالحقائق يؤدي إلى زيادة الجهل والانتقاص من الوعي العام.
إن ما ذكره المستشار الدكروري لم يعبر فيه عن احترام الرأي العام فحسب، ولكنه جاء معبرا عن نص القانون وروحه ــ ما رأي النائب العام في هذا الكلام؟
عن صحيفة الشروق المصرية
1
شارك
التعليقات (1)
أيمن عصمان ليبيا
السبت، 23-01-201604:16 ص
وهل يمكنهم سيدي الكاتب بعد أن تم تسريب أن رئاسة الجمهورية ووزارتي الدفاع والداخلية لم يتم مراقبتهم من طرف الجهاز المركزي للمحاسبات إلا في عهد الرئيس مرسي إلا أن يحظروا النشر؟!وعندما سئل رئيس الجهاز جنينة لماذا تتكتم على هذا الفساد أجاب بأنه تقدم ب399 بلاغ لم يتم التحقيق فيها!!!!إنها فضيحة مدوية للسيسي وأعوانه فكان قرار حظر النشر لمدارة الفضيحة!!!!، مشكور سيد فهمي هويدي