قضايا وآراء

ماذا بعد سقوط الطائرة؟... اختبار لقوة العلاقات المصرية الروسية

محمد محمد حامد
1300x600
1300x600
على مدار عامين كاملين سعت القيادة المصرية مع القيادة الروسية إلى إحياء العلاقات المصرية الروسية التي تضرب في جذور التاريخ وتبلورت بشكل فعال في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي إبان الحقبة الناصرية والسوفيتية في كل من مصر وروسيا.

تبلورت خلالها علاقات سياسية واقتصادية وعسكرية جديدة بين البلدين، ولكن سقوط الطائرة الروسية  في وسط سيناء في 31 أكتوبر الماضي  والذي أدى إلى مقتل ركاب الطائرة بالكامل والمقدر ب 224 سائحًا روسيا  هو وذلك من خلال وضع قنبلة صغيرة في ذيل الطائرة تم تسريبها عبر حقائب الركاب على الأرجح وأعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ذلك في 17 نوفمبر الماضين وكان تنظيم الدولة (داعش) في مصر تبنى تفجير الطائرة منذ اللحظات الأولى نتيجة للتدخل الروسي في سوريا لضرب معاقل التنظيم. ومن الممكن اعتبار حادثة الطائرة الروسية محطة هامة في تاريخ العلاقات المصرية الروسية على غرار طرد الرئيس الراحل أنور السادات الخبراء الروس في أوائل السبعينات والذي أدى إلى تقليص النفوذ السوفيتي في المنطقة العربية، ورغم عدم تشابه الموقفين ولكن نحن أمام علامات فارقة في تاريخ العلاقات بين البلدين

أولا: الثمن الباهظ 

يبدو أنه كان يوجد عدة إطراف إقليمية ودولية تناصب العداء ولو في الخفاء لزيادة وتيرة تطور العلاقات المصرية الروسية ويبدو أن الدولتين ستدفع ثمنا باهظا نتيجة لتلك العلاقة التي تتجه لتصبح إستراتجية مما أدى للتربص بها خاصة بسبب

1- التأييد المصري للضربات الروسية لمعاقل (داعش و جبهة النصرة) والذي يساهم في تقليص نشاطات البؤر الإرهابية في سوريا وهذه أولوية مصر روسية خاصة بعد تهديد تنظيم الدولة لروسيا واستعادة القوقاز وضمها لدولة الخلافة الإسلامية.

2- قرار القاهرة بتنويع مصادر السلاح للجيش المصري وذلك عقب قرار الإدارة الأمريكية بوقف المعونة الأمريكية لمصر عقب تظاهرات 30 من يونيو من خلال شراء طائرات (الرافال) الفرنسية وحاملة الطائرات (ميتسرال) الفرنسية أيضا  وصورايخ (s300) الروسية المتطورة ، وطائرات (سوخي (35 وطائرات، (ميج 29)

3- نجحت القاهرة بشكل كبير في كسر العزلة الدولية (السياسية والاقتصادية والدبلوماسية) التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على موسكو عقب ضم روسيا لجزيرة القرم الأوكرانية واتهام الغرب لها بزعزعة استقرار وأمن كييف من خلال دعم الانفصاليين في شرق أوكرانيا، فالاتجاه المصري لروسيا دفع عدة دول خليجية مثل السعودية والامارات لكي تكون أكثر انفتاحا على الدب الروسي مما ساهم على الحفاظ على قوة الاقتصاد الروسي رغم انخفاض سعر النفط والعقوبات الدولية.

4- نجاح الدبلوماسية الروسية في الحفاظ على مصالحها الدولية من خلال الاتفاق النووي في أن تضمن موسكو ولاء طهران واستمرار العلاقة الاستراتجية الممتدة منذ اندلاع الثورة الإيرانية لها بعد الانفتاح على الغرب وعودتها للساحة الدولية في ظل اتجاه الغرب إلى الاعتماد على النفط الإيراني.

5- اختيار القيادة المصرية الشركة الروسية شركة "روز أتوم" لإقامة المفاعل النووي المصري في مدينة الضبعة تلك الخطوة التي ستجعل العلاقات المصرية الروسية أكثر متانة ولولا التطور اللافت في العلاقات بين البلدين والمدعوم شعبيا أيضا كان المشروع النووي المصري من نصيب دولة أروبية.

ثانيا: تداعيات سقوط الطائرة الروسية

ثمة تداعيات جمة ستسفر عنها سقوط الطائرة الروسية في وسط سيناء ستؤدى إلى مراجعة العلاقات بين البلدين.

1- سياسياً ودبلوماسياً: قد تؤدى الحادثة إلى توحيد الصوت الدبلوماسي المصري والروسي تجاه قضية مكافحة الإرهاب حيث بدأت القيادة في مصر وروسيا بالتأكيد على قوة العلاقات ورسوخها تجنبا لأي محاولة للوقيعة بين البلدين وذلك منن خلال ضرورة تكاتف العالم لمحاربة الإرهاب وعدم جعل الخلافات الدولية نحو طريقة محاربة (داعش) تكون سببا في تفشى الإرهاب والانتقام من الدول خاصة بعد هجمات باريس في 13 من نوفمبر الماضي، أيضا قرار الخارجية الروسية في فتح قنصلية روسية في محافظة البحر الأحمر (الغردقة) لتوفير الخدمات القنصلية للسياح الروس في المناطق السياحية.

2- قبول القاهرة العروض الدولية الروسية والبريطانية والأمريكية التي تهدف إلى تزويد المطارات المصرية بمعدات متطورة تساهم في تأمين المطارات و رحلات الطيران المدنية، وتجلى ذلك في تفهم القاهرة إجلاء موسكو ولندن رعاياه من شرم الشيخ من أجل تنفيذ خطط التأمين الجديدة

3- اقتصاديا: كان توقيع الحكومة المصرية مع شركة "روز أتوم" لإقامة المفاعل النووي المصري في مدينة الضبعة بحضور الرئيس السيسي في 19 نوفمبر الماضي كأكبر دليل على قوة العلاقات المصرية الروسية والتي تحكمها المصلحة السياسية والاقتصادية الإستراتجية بين البلدين، واستمرار زيادة الاستثمارات الروسية في مصر خاصة بعد المؤتمر الاقتصادي في مارس الماضي ومناقشة مشروع إقامة منطقة صناعية روسية في إقليم قناة السويس الاستراتجي.

4- اتجاه شركة مصر للطيران  إلى شراء 24 طائرة مدنية روسية من نوع سوخوي 100 وسوبر جيت ودخلت مصر في عملية التفاوض لشراء تلك الطائرات قبل حادثة الطائرة الروسية.

ثالثا: نتائج متوقعة

1- الموقف الروسي من تنظيم الدولة : 
(أ):  التكاتف دوليا بشكل اكبر لمحاربة الإرهاب وتجلى ذلك في قرار روسيا التعامل مع فرنسا كحليف في قصف معاقل الإرهاب سوريا عقب هجمات باريس الدامية والتي أسفرت عن مقتل 130 شخصا وتبنى تنظيم الدولة العملية، ويأتي هذا التعاون بين باريس وموسكو عقب التعاون موسكو مع واشنطن من أجل الطيران الأمن فوق سوريا.

(ب): رصد مبالغ مالية لأول مرة في تاريخ روسيا الاتحادية للإرشاد عن مرتكبي العملية الإرهابية  من خلال قرار القيادة الروسية تخصيص 50 مليون دولار لمن يرشد بأي معلومات تؤدى إلى مرتكبي الحادثة.

(ج): تفعيل المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة والتي تعطى الحق للدول في ملاحقة من قاموا بإلحاق الضرر بمواطنيها في أي مكان في العالم من خلال اتخاذ الإجراءات الضرورية للدفاع عن النفس في إطار القانون الدولي ولا تعتبر هذه المادة موجهة ضد الدولة المصرية بل ستؤدى إلى مزيد من التعاون بين الأجهزة الأمنية في البلدين و ستبذل قصارى جهدها للوصول لمرتكبي الحادث، فهذه الخطوة ليست على غرار الضربات المصرية التي وجهت إلى معاقل داعش في ليبيا والتي استندت على طلب الحكومة الليبية المعترف بها دوليا وذلك من خلال التزام مصر بالقانون الدولي ، كما روسيا من أكثر الدول حرصا على سيادة الدول الأخرى وفقا للقانون الدولي.

(د): تكثيف الضربات الروسية على معاقل تنظيم الدولة في سوريا وذلك من تكثيف عدد الغارات والتي وصلت إلى 500 طلعة جوية من أكتوبر الماضي، زيادة عدد الطائرات الروسية إلى 69 طائرة تحلق في الأجواء السورية، زيادة الضربات الروسية عبر البحر المتوسط وبحر قزوين من خلال صورايخ مجنحة واستراتجية تقطع الآلاف الأميال لتدك معاقل التنظيم.

2- الموقف الروسي من النظام السوري والمعارضة السورية

(أ): أبدت روسيا بعض المرونة تجاه حلحلة الأزمة السورية من خلال عدة مقترحات سرب بعضها من خلال مؤتمر فيينا مثل كتابة دستور جديد لسوريا و تهيئة الأجواء لعقد انتخابات رئاسية في سوريا يخوض الرئيس بشار الأسد تلك الانتخابات الأمر الذي ترفضه تركيا وقطر والسعودية.

(ب): يبدو أن موسكو أصبحت أكثر حساسية تجاه جماعات الإسلام السياسي والتي تنضوي تحت مظلة الائتلاف السوري المعارض خاصة بعد حادثة الطائرة الروسية وتسعى موسكو لعزلهم سياسيا وتحجيم دورهم في مستقبل سوريا ودائما ما ترجح كفة معارضة الداخل عن معارضة الخارج، وتزداد حساسية موسكو في ظل رفض الجيش الحر الذراع العسكري للائتلاف الحوار والتنسيق مع موسكو منذ1 بداية الضربات الروسية في أوائل أكتوبر الماضي.

(ج): وعلى الجانب الآخر أصبح النظام السوري في وضعية أفضل من تنظيم الدولة خاصة بعد العملية التي وصف بالوحشية في باريس، وأصبحت دعوة موسكو والتي تم أطلقها منذ فترة إلى التنسيق مع الجيش السوري للقضاء على داعش أصبح هذا الرأي أكثر نجاعة خاصة بعد أن أعلن الرئيس الفرنسي فرانسوا اولاند أن عدو باريس في سوريا هو تنظيم الدولة وليس نظام الرئيس الأسد في ظل تسريبات حول عرض من المخابرات السورية قائمة تضم مجمعة الفرنسيين التي انضمت إلى داعش الأمر الذي رفضته المخابرات الفرنسية، كل هذا سيمهد لموسكو فرض رؤيتها تجاه الحل في سوريا وإعادة الأولوية لمكافحة الإرهاب.

3- الموقف الروسي تجاه الدولة المصرية

(أ): رب ضارة نافعة هكذا تقول الحكمة أو بمعنى أخر قد تكون حادثة الطائرة الروسية تفتح الطريق إلى مزيد من التعاون والتنسيق الأمني بين القاهرة وموسكو، في ظل اقتراحات روسية بتشكيل غرفة عمليات مصرية روسية لرصد النشاطات الإرهابية في المنطقة خاصة في بؤر التوتر في المشرق العربي وسيناء على غرار غرفة التنسيق التي شكلتها موسكو مع كل من العراق وسوريا وإيران

(ب): حادثة الطائرة قد تفتح الباب أمام القاهرة الانضمام لمنظمة  "شنغهاي "( هي منظمة دولية أعلنت نواتها في العام1996 ولكن تم تأسيسها فعليا في عام 2000 وكان هدفها تعزيز الاستقرار والأمن ومكافحة الإرهاب وتجارة المخدرات، بين دول وسط وجنوب أسيا وضمت في البداية (روسيا والصين وقرغيزيا و أوزباكستان وكازاخستان ) وتم إعلان دول مراقبة داخل المنظمة مثل الهند وإيران و منغوليا وباكستان وأفغانستان.

وقد تقدمت بطلب رسمي للالتحاق بعضوية منظمة شنغهاي في صيف العام الحالي أملا في الاستفادة من الدول الإقليمي للمنظمة وهو مكافحة الإرهاب والتي تعاني منه مصر منذ عامين.

(ج): ازدياد فعالية الدور المصري في الأزمة السورية بشكل أكبر وبدعم من موسكو ( التي تشن هجوما عنيفا على المتطرفين في شمال البلاد ) ولكي ينازل ويقارع الدورين الإيراني والتركي الذي يسعى للحفاظ على مصالحه من خلال محور ما يعرف بالمقاومة والتركي الرامي إلى صعود جماعة الإخوان المسلمين في سوريا إلى أعلى منصب في الدولة السورية، ويبقي الدور المصري الأكثر نزاهة والذي يهدف للحفاظ على وحدة الدولة السورية بمؤسستها و ضرورة مكافحة الإرهاب

رابعا: الخلاصة 
إن توافر المصلحة  العليا لأي بلدين في العلاقات الدولية يؤسس لعلاقات شراكة إستراتجية حقيقية وهذا ما تم بين مصر وروسيا في العامين المنصرمين ويبدو أن  إحياء العلاقات المصرية الروسية أرق الكثير من الدول والتحالفات الدولية و الإقليمية الناشئة أو القديمة خاصة أن تلك العلاقات جاءت في وقت تحتاج كل من القاهرة وموسكو لبعضها البعض فموسكو تواجه عزلة دولية ومحاولة بتر أخر قدم لها في البحر المتوسط وهي سوريا ، ومصر في حالة سيولة أمنية وسياسية عانت منها طوال 4 أعوام ماضية ولم تبدأ ان تصل إلى الاستقرار النسبي عقب قيام النظام الجديد عقب  تظاهرات 30 من يونيو، فجاءت فاجعة الطائرة الروسية كمحاولة للوقيعة بين البلدين ولكن يبدو أن العاصمتين نجحتا في الاختبار الأول لقوة العلاقات.
التعليقات (0)