كتاب عربي 21

معلمة اللغة الإنجليزية: يا خوفي من أحمد الصوفي

جعفر عباس
1300x600
1300x600
عرف الملايين في مختلف أنحاء العالم ما حدث لأحمد محمد الصوفي، السوداني – الأمريكي، الذي ذهب يوم الاثنين الماضي (14 سبتمبر/ أيلول) إلى مدرسته (مكارثر الثانوية) في إرفينغ بولاية تكساس، مزهوا لأنه تمكن من صنع ساعة تنبيه إلكترونية من مخلفات معدنية، وكان قد حدَّث مدرس مادة التكنولوجيا في المدرسة عنها، ونصحه بعدم عرضها على أي شخص قبل أن يراها هو (المدرس) ليتأكد من أنها عمل إبداعي يستحق لفت الانتباه.

وحضر أحمد حصة اللغة الإنجليزية، وهو يخفي الساعة (المنبه) في حقيبته، ولحسن – أو سوء – حظه، رنت الساعة فلفتت الانتباه، وطلبت منه المُدرسة أن يريها ذلك الشيء الذي أصدر رنينا، فأخرج الساعة من حقيبته، وما إن رأتها المعلمة المُربية، حتى "استرابت"، وارتعدت وانسحبت من غرفة الدراسة في هدوء واتصلت بالمباحث الفيدرالية، لتبلغهم بأن طالبا ما يحمل قنبلة أو مشروع قنبلة، والمباحث الأمريكية تعجبك عندما يتعلق الأمر بصيد ثمين في مجال مكافحة الارهاب، خاصة وأن المُعلمة أعطتهم معلومة تعزز فرضية أن ذلك الطالب إرهابي: آن يو نو وات؟ هِز نيم إز أهمد مهمد (ولعلمكم اسمه أحمد محمد)، وبالتالي صارت الشبهة "تهمة ثابتة": مسلم ويحمل أداة توقيت ذات أسلاك، لابد وأنه يفكر في تفجير المدرسة.

وتقاطر رجال المباحث، وحاصروا المدرسة، ولم تصبهم الدهشة عندما لم يقاوم أحمد الصوفي محاولة اعتقاله، أو يحاول تفجير ما حسبوه حزاما انتحاريا، فوضعوا القيود في يديه (عمر المجرم المفترض 14 سنة) واقتادوه الى المخفر، وأخضعوه لاستجواب طويل ليعترف بمخططاته، وشركائه في تعريض أمن تكساس للخطر.

ورغم أن خبراء المتفجرات قاموا بفحص أداة الجريمة، واستنتجوا أنها ساعة حائط عادية، وصناعة منزلية، واصلت المباحث الفيدرالية احتجاز الصبي، ولكن زملاءه في المدرسة اتصلوا بوسائل الإعلام، وحدثوها عن اعتقال أحمد، وكيف أنه بارع في صنع وابتكار معدات إلكترونية وكهربائية، فذاع الخبر وعم القرى والحضر، وحاصر المئات مقر المباحث مستنكرين اعتقال الصبي، فتم الإفراج عنه.

وعاد أحمد إلى بيت أهله، ووجده محاصرا بالكاميرات والصحافيين، ووقف أمامهم وقال بالحرف الواحد: السلام عليكم (قالها بالعربية التي لا يتقنها)، وتعمد ذلك كي يقول تلميحا "نعم أنا مسلم"، ثم واصل بالإنجليزية: أنا الشخص الذي صنع ساعة تنبيه، وجلب على نفسه المتاعب.

وفور شيوع الخبر، وصف الناطق الرسمي باسم البيت الأبيض الأمريكي الحادث بأنه ينم عن تحامل غير مبرر على شخص لكونه مسلما، وانضمت للاحتجاجات على الاعتقال المرشحة الرئاسية هيلاري كلينتون، ومارك زكربيرغ مؤسس شبكة فيسبوك، وكان الرئيس الأمريكي أوباما الأجهر صوتا في إدانة احتجاز أحمد الصوفي، بل ودعا الصبي لحضور الحفل الفلكي السنوي في البيت الأبيض في 16 تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، ليقابل خيرة علماء الولايات المتحدة.

بصفة عامة، تعمد الأجهزة الأمنية إلى التهويل من أمر إمكاناتها وقدراتها، بمعنى أنها تشيع بأنها قادرة على إتيان الخوارق، و(تفهمها وهي طائرة)، وهذا ما تفعله المخابرات المركزية الأمريكية (سي آي إيه)، ومكتب المباحث الفيدرالية الأمريكي (إف بي آي)، ومع هذا ظلت مجموعة 11 من سبتمبر تعمل في الأراضي الأمريكية لنحو سنتين، تتدرب على اختطاف الطائرات ونجحت في مهمتها: تدمير برجي مركز التجارة العالمي وجانب من مبنى وزارة الدفاع الأمريكية.

في ذروة هوس رصد النشاط الإرهابي، انتبهت الشرطة السرية في ميدان ترافلغار في لندن، إلى أن رجلاً ما يقوم بتصرفات تدعو إلى الريبة، حيث إنه كان يحرص على السير خلف السيدات: يتابع هذه لبضع دقائق ثم ينتقل إلى غيرها. وعندما أوقفته الشرطة أخرج الرجل بطاقته الشخصية: ضابط في شرطة أسكتلنديارد، وبالتحديد في قسم مكافحة الإرهاب بخبرة تفوق عشرين سنة!!

طيب ماذا في الحقيبة التي تحملها في يدك؟ آآآه، هذه بها كاميرا فيديو أرصد بها تحركات المشتبه في ضلوعهم أو امكان ضلوعهم في أنشطة إرهابية. ولم يكن ذلك مقنعا للشرطة التي أوقفت الرجل، لأنه من غير المألوف اختباء الإرهابيين تحت ملابس النساء، فاصطحبوه إلى "المركز"، حيث تأكد أنه فعلاً ضابط متخصص في مكافحة الإرهاب، ثم تم فحص محتويات الكاميرا من صور؛ وهنا كانت المفاجأة، فقد كانت الصور كلها لسيقان نساء ومؤخراتهن. يعني كان الرجل يستخدم الكاميرا المخصصة لالتقاط صور الإرهابيين المحتملين لتصوير ما تحت تنانير النساء. طبعا كاميرا مخابرات ومخبأة في حقيبة بطريقة مهنية، ومن ثم كان يصعب على النساء الشك في شخص ما يحرك عدسة كاميرا لتصوير عوراتهن. وبما أن الطقس كان حارا للغاية في لندن، فقد كانت حصيلة الرجل من الصور العارية ضخمة .

مرة أخرى (خلّ بالك) معي: ضابط شرطة مكلف برصد تحركات الإرهابيين في بلد يقال إنه مستهدف من قبل الإرهابيين، استخدم أدوات التجسس لتصوير سراويل وعورات النساء! وإذا كنت تستنكر منه ذلك، فهل تستنكر مطالعة صور النساء العاريات في المجلات ومواقع الإنترنت؟  المسألة هي، هي: أن تلتقط صوراً لعورات النساء بنفسك، أو تطالع صوراً التقطها شخص غيرك لعورات النساء، فأنت في كلتا الحالتين غير سوي.

والشاهد: إذا اختار لك أهلك اسما بمعيار "خير الأسماء ما عُبِّد وحُمِّد" فلا تهاجر الى الولايات المتحدة، ولا تصدق أن مخابرات الدول الغربية تتميز بالمهنية والكفاءة، فهم مثل جماعتنا و"الحال من بعضه"!
التعليقات (0)