مقالات مختارة

"البشاريون الأردنيون" والفرحة المغشوشة!

محمد أبو رمان
1300x600
1300x600
طريف أمر نخبة من السياسيين والمثقفين الأردنيين، الرسميين وغير الرسميين، الذين احتفلوا بالأمس احتفالاً باهراً بتراجع شعبية حزب العدالة والتنمية في الانتخابات التركية، واعتبروا ذلك ضربة لحلم الرئيس رجب طيب أردوغان بتولي الزعامة المطلقة في تركيا، وتحويل البلاد إلى "دولة تسلطية"، ما قد يؤثّر على السياسة الخارجية التركية تجاه سورية، ويخفف الضغوط على نظام الأسد الذي يتهاوى!

وجه الطرافة في الأمر أنّ هؤلاء، وأخصّ بالذكر أنصار النظام السوري، يشعرون بالزهو لتراجع شعبية أردوغان في انتخابات ديمقراطية تعددية تشهد تداولاً للسلطة، فيها حرية تصويت واختيار وانتخاب، ونتائج صادقة معبّرة عن رأي الشعب، بينما ينسون بأنّ الرجل الذي يدعمونه ويقفون إلى جانبه لا يعرف الديمقراطية ولا التعددية، ونظامه معروف بأجهزة الأمن المرعبة، وبتعذيب وحشي للمعارضين، وبالبراميل المتفجرة التي تقتل العشرات بدقائق معدودة، وباختفاء عشرات الآلاف من المعتقلين وملايين المشرّدين السوريين!

لم يكترث "البشّاريون الأردنيون" بتلك المفارقة المدهشة والمذهلة بين النظامين والرئيسين؛ واحد تتراجع شعبيته بالانتخابات، بعد أن قام بنقل تركيا إلى دول العالم المتقدم، وقفز بالاقتصاد قفزات نوعية مهمة، والآخر يدمّر دولته لأنّه يرفض الديمقراطية ذاتها، ولا يؤمن أصلاً بوجود شعب له حق الاختيار وتقرير المصير!

لم ينتبه "البشاريون"، أيضاً، إلى أنّ تأثير نتيجة الانتخابات التركية الحالية، وتراجع الحزب، أهم بكثير على المزاج العام العربي من انتصار أردوغان أو فوزه بالانتخابات. فهناك على أرض الواقع بشر يصوّتون ويختارون، ويسقطون أشخاصاً وزعامات ويضعون أخرى. بينما في المقابل على الطرف الآخر، هناك أوثان تبيد الشعوب، وتتغير الدول والحدود، لتبقى هي مكانها على قاعدة "الأسد أو نحرق البلد"!

وبالرغم من أنّني أحترم الرئيس أردوغان كثيراً، لأسباب متعددة، إلاّ أنّني ارتحت للنتيجة الحالية. فالرجل في الآونة الأخيرة اتّجه بالفعل نحو السلطوية والذاتية، بما كان سيضر بالنموذج الديمقراطي التركي الذي انتشله هو من وصاية العسكر وهيمنتهم، ومن مافيات الفساد، لكن سياساته وتوجهاته في الأعوام الأخيرة كانت تشي بأنّنا أمام استحضار "النموذج البوتيني"، قبل أن تصحح الانتخابات الأخيرة المسار وتعطي الأفضلية للمسار الديمقراطي. 

فالديمقراطية هي الحل الناجع والخيار الأفضل لأي شعب، بينما السلطوية أيّاً كانت نتائجها، هي بيت الداء والوباء.

إذا كان أردوغان قد حقق نجاحات، وهزم خصومه السياسيين، فإنّ الطرف الوحيد الذي كان قادراً على هزيمة أردوغان هو أردوغان نفسه، عندما يصيبه مرض "حب السلطوية". وأخشى أنّ الرجل تأخر كثيراً في الخروج من المشهد السياسي بالطريقة التي يريدها هو، لا تلك التي يريدها خصومه!

مع ذلك، فإنّ فرحة "البشّاريين الأردنيين" بهذه النتيجة، بتمنّي أن تكون سبباً في تغيير السياسات الخارجية التركية، وتكسير التحالف الثلاثي الجديد مع كل من قطر والسعودية، هي فرحة مغشوشة. فحتى لو حدث ذلك بدرجة أو بأخرى، فإنّه لن يؤدي إلى إنقاذ نظام الأسد واستعادته زمام المبادرة، لأنّ النظام عملياً انتهى من الناحية السياسية والعسكرية، والمسار تجاوزه تماماً، والقوى الفاعلة على الأرض السورية أصبحت تتكيّف مع حالات وصول الدعم والإسناد وانقطاعه.

المشهد الانتخابي التركي بما حمله من تأكيد على قيمة الديمقراطية مقابل النزوع السلطوي، يجسد القيمة الحقيقية التي كان من المفترض أن يلتقطها أصدقاؤنا البشّاريون، فهناك فرق بين تداول سلمي للسلطة، وتعددية حزبية، وزعماء يرتفعون ويهوون بصندوق الاقتراع، وبين ما نراه في سورية اليوم!



(نقلا عن صحيفة الغد الأردنية)
التعليقات (0)