حول العالم

بابور الكاز يُخلع عن عرشة لصالح الغاز (صور)

أصبح بابور الكاز تراثا بعد أن كان أحد لوازم تحضير الطعام في الماضي - عربي21
أصبح بابور الكاز تراثا بعد أن كان أحد لوازم تحضير الطعام في الماضي - عربي21
لم يكن هدير "بابور الكاز" حكرا على منزلنا المصنوع جله من الصفيح في مخيم الشهيد عزمي المفتي للاجئين الفلسطينيين في شمال الأردن – إذ إنه كان يهدر بين أزقة المخيم.. معلنا إشراقة يوم جديد.
 
وكما يودعك صوت "دك" بابور الكاز عند ذهابك إلى المدرسة، فهو يستقبلك مرة أخرى بعد رحلة طويلة تكون قد قطعتها سيرا على الأقدام حتى تصل إلى مدرسة وكالة الغوث (المبنية من الصفيح) الواقعة على مدخل المخيم.. رحلة يتخللها فضول طفل يتطفل على طوابير النساء والرجال الذين ينتظرون ساعات للحصول على مساعدات وكالة الغوث من الطحين والـملابس: "البكج"، كما يطلق عليها سكان المخيم.
 
رحلة تنتهي في كل مرة إلى "طشت" معدني "لقن" ومياه تغلي على بابور تفيح منه رائحة الكاز، لتخليصك من غبار علق في شعرك وملابسك بعد "معركة الحصول على المؤن"، ومن رائحة عرق خلفتها نصف ساعة من السير تحت أشعة الشمس أو اللعب داخل الأقنية المكشوفة في المخيم.
 
اليوم وبعد مرور عشرات السنين استبدلنا البابور بغاز إيطالي فاخر يتوسط المطبخ المرتب بعناية، ليصبح البابور مرحلة توثق لذكريات عنوانها "البساطة والفقر".

من أين أتى بابور الكاز؟

حمل الاحتلال البريطاني بابور الكاز للمنطقة في أربعينيات القرن الماضي كأداة للطهي و التدفئة واقتصر على العائلات الميسورة، وكان جزءا مهما في "جهاز أي عروس كمعين لها عوضا عن إشعال الحطب" كما تقول الحاجة فاطمة الصقور.. إلا أن مكانته الاجتماعية سرعان ما تراجعت وأصبح رفيق الفقراء في الليالي الباردة.
 
ويعتقد علماء الأنثروبولوجيا - وهو علم يهتم بالثقافات ومواضيع التطور الإنساني – أن ظهور بابور الكاز في المنطقة و المدن والقرى العربية جاء بسبب ما يسمى " بالتثاقف"، وهو "اقتباس الثقافات من بعضها البعض، بحسب ما يقوله أمين سر جمعية الأنثروبولوجيين الأردنيين فهمي الزعبي.
 
وبحسب عالم الأنثروبولوجيا الزعبي، فقد انتقل "بابور الكاز " إلى القرى عندما بدأ القرويون بالاتصال مع المدن، من خلال بيع منتجاتهم الزراعية للمدن حيث وجدوا فيه الراحة أكثر من استخدام الحطب الذي يتسبب بتلويث المنزل.
 
ويضرب الزعبي مثالا لانتقال ثقافة استخدام بابور الكاز من الغرب إلى بعض المدن العربية كحيفا، وانتقالها من تلك المدن إلى مدن وقرى أخرى في فلسطين والأردن، وينطبق مفهوم "التثاقف" في علم الأنثروبولوجيا أيضا على اقتباس ثقافة القرية من المدينة والعكس.
 
يقول الزعبي لـ"عربي21" إن "القرى سواء في الأردن أو فلسطين كانت تعتمد بثقافتها على موقدة الحطب في الطبخ والتدفئة ولم تكن تعرف "بابور الكاز" كونه اختراعا أجنبيا دخل إلى مجتمع المدينة الذي لا يجيد التعامل مع الحطب، وكان الأثرياء في المدينة يمتلكون أنواعا مرتفعة السعر من بوابير الكاز التي لا تصدر ضجيجا يسمى "البريموس الأخرس".
 
اليوم وبعد تطور المجتمعات البشرية وتوفر بدائل تقنية، فقد تحولت كل مقتنيات المنزل التي لا حاجة لها إلى تحف للزينة ومنها بابور الكاز، بحسب الزعبي.

مصلح بوابير الكاز صامد في وجه الحداثة

ووسط مدينة إربد (شمال الأردن) وبالقرب من مسجد إربد الكبير، أقدم مساجد المدينة، والذي يعود بناؤه إلى نهايات العهد العثماني، يقبع محل الحاج يوسف اللداوي لتصليح بوابير الكاز.. اللداوي لا يحمل في ذاكرته حكاية بابور الكاز فقط، وإنما الكثير من صور النزوح من مدينة اللّد عام 1948، واللجوء من مدينة غزة إلى الأردن عام 1967.
 
يستذكر الحاج يوسف في حديثه لـ"عربي21" موقع "بابور الكاز" في الذاكرة الشعبية بالأردن وفلسطين، وكيف أن البابور كان جزءا مهما في كل منزل، يقول: "اليوم، أصبح البابور يعلق كتراث وأنتيكا في المنازل".
 
ويعج محل اللداوي بكافة أنواع البوابير كـ"البريموس"، وهو نسبة للبلدة المصنعة في السويد، والبابور "الأخرس" الذي لا يصدر صوتا وهو الأغلى سعرا، وبوابير أخرى من صنع بريطانيا وأستراليا وحتى الصين.
 
إلا أن تطور الحياة وظهور الغاز المطبخي بكافة أشكاله جعلت الحاج أبو يوسف يدخل تعديلات على طبيعة مهنته لتشمل تصليح "النرجيلة" وكافة أشكال أجهزة الغاز.
 
"ارتفاع سعر الكاز وجه ضربة قاضية لهذا الاختراع"، كما يقول اللداوي. ورغم أنه لا ينكر مدى تأثير تطور التكنولوجيا على مكانة بابور الكاز، فإنه يؤكد حضور البابور اليوم رغم تنحيه عن عرش تربع عليه لعقود طويلة جدا.
 
كل منا ومن أبناء جيلنا والأجيال التي سبقتنا، يعرف كيف يشغل البابور، إلا أن وقع هذه العملية يأخذ من تفكير وتخيلات أبنائنا الكثير كلما حكينا لهم عن دفء شتاءاتنا سابقا. وبحسب خبير تصليح بوابير، فإن البابور يعمل بآلية بسيطة تشمل ضخ مادة الكاز من الخزان النحاسي إلى الرأس مرورا بالأنابيب، من خلال دفع الهواء بواسطة مفتاح طويل "يدك" بشكل متواصل لحين تحول مادة الكاز من الحالة السائلة إلى الغازية، ليشعل حينها بواسطة عيدان الكبريت.
 
ومن الأجزاء المهمة في البابور "مفتاح التنفيس" الذي يتواجد على جانب الخزان النحاسي؛ ففي حال فتح هذا المفتاح يخرج ضغط الهواء وتقل مادة الكاز المتدفقة للرأس، ويحتاج البابور لأداة أخرى بسيطة في "الإبرة" وهي عبارة عن شريط معدني برأس إبرة لتنظيف الرأس.
 
مدير مديرية التراث في وزارة الثقافة الأردنية حكمت النوايسة يرى في حديث لـ"عربي21" أن "بابور الكاز في طريقه إلى التلاشي من الثقافة الشعبية الأردنية، بعد انتشار أدوات أخرى بديلة مثل الغاز المنزلي، لسهولة التعامل بدون ضوضاء وبتكلفة أقل".
 
يقول النوايسة إن "البابور أصبح تراثا، حتى عند الفقراء الذين يستخدمون الغاز أو الحطب في التدفئة والطبخ، إلا أنه يرتبط بذكريات لدى الأجيال التي عاصرته، تتعلق بالنهوض صباحا على صوت دك البابور، كما أنه يرتبط بالاستحمام والوعاء المعدني الذي كان يسخن الماء فيه".
 
ويبدو أن بابور الكاز خُلع عن عرشه في ظل حداثة طالت مناحي حياة المجتمع، ليعتلي العرش كل من الغاز المنزلي والمواقد، تاركة بابور الكاز يتقاعد بسلام ويصبح من صفحات التاريخ.




التعليقات (0)
الأكثر قراءة اليوم