مقالات مختارة

جريمة في غوانتانامو: مقتل الزهراني والسلامي والعتيبي

فيكتوريا بريتين
1300x600
1300x600
كتبت فيكتوريا بريتين: في أعقاب صدور التقرير الذي حجبت الكثير من محتوياته وأصدرته لجنة في الكونغرس حول قيام وكالة الاستخبارات الأمريكية (سي آي إيه) بممارسات التجريب السري في التعذيب للمعتقلين المسلمين في السجون السرية في أنحاء العالم المختلفة، فإنه لم يقدم أي أمريكي للمحاكمة، كما يقضي بذلك القانون الدولي ضد التعذيب. 

في داخل معتقل غوانتانامو كان هناك موقعان سريان أطلق على أحدهما اسم "ماروون" (اللون الكستنائي) وعلى الثاني "إنديغو" (اللون النيلي)، حيث ذكرهما تقرير الكونغرس، لكنهما لم ينالا اهتماما واسعا. كل هذا سيتغير؛ فقد صدر كتاب جديد يتهم عملاء "سي آي إيه" بقتل ثلاثة سجناء في المعسكر السري داخل غوانتانامو وذلك في ليلة 9 حزيران/ يونيو 2006. ويصف الكتاب كيف قامت المؤسسة التي تدير المعسكر ومسؤولو خدمات التحقيق في البحرية الأمريكية (أن سي أي أس) بالتغطية على الجريمة من خلال توصيف الموت على أنه انتحار حدث داخل زنازين السجناء. وتوصيف كهذا يشكل أساسا لتوجيه اتهامات بارتكاب جرائم وحرف مسار العدالة.

الشخص الذي غير كل شيء وكشف عن محاولة التغطية اسمه جوزيف هيكمان (50 عاما) من قوات المارينز والجندي في الجيش والحرس الوطني. وهو مقاتل مخضرم في حروب أمريكا الخارجية وحارس سجن، وحاز حوالي 20 جائزة وتقدير. ويرى هيكمان في رونالد ريغان رئيسه المفضل من بين الرؤساء الأمريكيين، ويقدم نفسه على أنه رجل محافظ.

أهم مُسرِّب

فمن خلال عمله رقيبًا في كتيبة الاستخبارات العسكرية في سجن غونتانامو، كان أول جندي يطلق الرصاص في السجن. ولكن إصابة زميله بصداع نصفي جعلته يأخذ مكانه في الحراسة الليلية في 9 حزيران/ يونيو 2006، وهو ما غير حياته وحوله إلى أهم مسرب للمعلومات عما جرى في غواتنانامو وفي تاريخ الحرب على الإرهاب التي مضى عليها 13 عاما. ويعمل هيكمان الآن أستاذا مساعدا وباحثا في جامعة للقانون معروفة.

 وعن تجربته، ألّف كتابا تحت عنوان "جريمة في كامب ديلتا" الذي صدر عن "سايمون أند تشوستر" (20 كانون الثاني/ يناير) ويذهب أبعد مما شاهده هيكمان وغيره من الجنود في تلك الليلة حيث كانوا حراسا يراقبون كل المداخل والمخارج على "كامب-1" وبقية  المعسكر. ويصف الكتاب أيضا التحقيق الذي قامت به وبشكل مستقل "سيتون هول يونيفرستي للقانون" في تقرير خدمات البحرية "أن سي آي أس". وقد اكتشف فريق الجامعة أن كل صفحة من صفحات التقرير تم النظر فيها من ناحية أمنية وحجبت محتوياتها. ونشر التقرير بترقيم غريب للصفحات، ما يجعل من الصعوبة على القارئ متابعة ما فيه.

وتظهر هناك تناقضات واضحة في شهادات الشهود، بما في ذلك شهاداتهم حول أحد الضحايا وعما إذا كان لا يزال حيا عندما وصل إلى المركز الطبي أم لا، أو ما إذا كانت أجساد الثلاثة متصلبة أم لا. ومن النتائج المذهلة شهادة وردت في تقرير البحرية وجاءت في سطرين كتبهما ضابط لم يذكر اسمه وعلق بأنه لاحظ "حذف الصفحة أو الصفحات التي تتحدث عن 9 حزيران/ يونيو 3009، فالصفحة والصفحات التي تتعلق بـ 9 حزيران/ يونيو 2009 مفقودة من السجل".

تحقيقات جامعية

وقاد البروفيسور مارك دينبيو الذي يترأس برنامج مدرسة القانون (في سيتون هول يونيفرستي) حول غوانتانامو، وأشرف على البحث بقراءة واعية وحذرة لوثائق الحكومة الأمريكية من أجل التحقيق في روايات الحكومة رواية بعد أخرى. وفي البداية، عندما اتصل هيكمان به، لم يصدق البروفيسور القصة وما قال الرقيب إنه شاهده في السجن، حيث تحدث عن ثلاث جرائم قتل قام بها عملاء الـ"سي آي إيه" وعملية تكتم واسعة عليها. فقد كان ما تحدث به وبكل المقاييس قصة كبيرة لا يمكن لأحد أن يصدقها.

ولكن وبعد أن تحدث البروفيسور وبشكل مستقل مع عدد من الحراس الذين كانوا يؤدون دوريتهم في تلك الليلة، أكدوا له أنه لا يمكن للسجناء الانتحار في زنازينهم في قسم ألفا بدون أن يشاهدهم الحرس. وقالوا له إنهم لم يشاهدوا نقل أحد من الزنازين إلى المركز الطبي.

عرف عندها ديبنيو أنه أمام أسوأ قصة من غوانتانامو سمع بها هو وفريق بحثه.

تكذيب انتحار

عائلات كل من ياسر الزهراني وصلاح أحمد السلامي وماني شامان العتيبي في السعودية واليمن لم تصدق قصة الانتحار. ولم يصدقها أيضا السجناء السابقون الذين عرفوا الثلاثة، خاصة أن تشريح الطب الشرعي أظهر أنه تم إخفاء أجزاء من رقاب الرجال الثلاثة لإخفاء حقيقة أنهم لم ينتحروا. ومع ذلك فإن الرواية الرسمية الأمريكية هي التي سادت. وعبر عن هذا الموقف الأدميرال هاري بي هاريس جي أر  حيث قال إنها "كانت حربا منظمة شنت ضدنا"، وكان يتحدث في مؤتمر صحافي عقد عام 2009 متحدثا عن حالات الموت. ووصف ما أسماه بـ"الاعتقاد الغيبي" في غوانتانامو بأن الرجال الثلاثة ماتوا في المعسكر من أجل الإفراج عن بقية السجناء. وكوفئ هاريس وأصبح برتبة لواء بحري في قيادة الأسطول السادس، وكان ما قاله للصحافيين من أن الحراس عثروا في البداية على رجل ومن ثم على اثنين شنقوا أنفسهم في زنازينهم ولم يستطيع الحرس إنقاذ حياتهم، مثّل بالضرورة القصة التي قدمها تقرير خدمات التحقيق في البحرية "أن سي آي أس" الذي صدر بعد عامين، وتم تقبل ما جاء فيها.

سيارة بيضاء

الحقيقة الغائبة التي لم يعرفها الصحافيون الذين استمعوا لـ هاريس هي أن السجناء الثلاثة كانوا آخر من صمموا على مواصلة الإضراب عن الطعام. ولم يعرفوا أنه تم نقلهم إلى المركز الطبي بخرق حشيت في حناجرهم. وتلقى الجنود الذين كانوا يؤدون حراساتهم في كامب-1 أو في أبراج المراقبة أوامر من العقيد بامغارنر أكبر مسؤول عسكري في منطقتهم في تلك الليلة، بل إنه أخبرهم بنفسه في لقاء سابق في "كامب سينما" أنهم سيقرأون رواية أخرى "في الإعلام".

 ويكتب هيكمان أن العقيد وجه أمرا مباشرا لـ75 جنديا بعدم الحديث عن تلك الليلة: "كان غريبا أنه أمرنا بعدم مناقشة الموضوع مع أشخاص في الجيش، ولكن بالنسبة لنا كانت السرية أمرا روتينيا. وكان يطلق عليها: سرية عملياتية". وانتظر هيكمان من العقيد أن يسأله تقديم روايته، متسائلا عما إذا كانوا يريدون منه "تقديم تقرير عن رؤية جنودي ثلاثةَ رجال وهم ينقلون من كامب ألفا، ولم أكن أتخيل توريط رجالي بجريمة كهذه"، ولكن المسؤولين لم يطلبوا منه أبدا كتابة تقرير مثلما أنه لم يسأله فريق التحقيق في البحرية "أن سي آي أس".

ولكن رواية البحرية لم تقبل كما هي، فقد كشف تقرير صدرعن جامعة "سيتون هول" عام 2009 وتقرير كتبه الصحافي المخضرم سكوت هورتون في مجلة "هاربرز" عن مظاهر قصور خطيرة في الرواية الرسمية وأشارا إلى شهادة هيكمان. 

يضاف إلى هذا أنه قام الصحافي النرويجي إيرلينغ بورغين بإنتاج فيلم مؤثر بعد ثلاث سنوات من العمل، تعاون فيه مع العقيد طلال الزهراني والد ياسر الذي كان عمره 17 عاما عندما اعتقل عام 2002، وباعه تجار الفرص الأفغان للأمريكيين.

كامب نو

يقول هيكمان إن "كامب نو" كان الجزء السري من معسكر غوانتانامو، ولم يكن رسميا مسجلا أو جزءا من المعتقل، وإنه راقب من برج الحراسة في تلك الليلة من حزيران/ يونيو عربة بيضاء غير معلمة حيث طلب من كل الجنود عدم تسجيلها في سجل الواجب واعتقدوا أنها تعود إلى وكالة الاستخبارات الأمريكية – سي آي إيه. وشاهد هيكمان العربة وهي تقوم بثلاث رحلات من كامب ألفا وتسير في طريق إلى "معسكر نو" وعادت إلى المركز الطبي، حيث تم بعدها فتح جرس الإنذار.. لقد مات ثلاثة سجناء.

 كيف حدث كل هذا؟ وما تبع ذلك من رواية رسمية عن انتحار لا يصدقه العقل، وفوق كل هذا تجاهلته المؤسسة الرسمية.

قاد بحث هيكمان في غوانتانامو بعد تركه الجيش "البحث عن حقيقة ما جرى في غوانتانامو" وهو العنوان الفرعي لكتابه، إلى سجين بريطاني آخر هو شاكر عامر الذي كان ضيفا على المكان السري. فرغم تبرئته من كل التهم الموجهة إليه، إلا أن شهادة خطية قدمت إلى محاميه زخاري كاتزنيلسون تتحدث عن كيفية نقل عامر في نفس اليوم إلى موقع مجهول وكيف أنه ضرب لمدة ساعتين ونصف وقيد على مقعد، وكمم فمه ومن ثم وضع على رأسه لثام.

يصف كتاب هيكمان ممارسات التجريب السري في التعذيب الذي مورس في غوانتانامو على السجناء. منها واحدة قامت على استخدام جرعات قوية من المضاد الحيوي للملاريا – ميلفوكين وحقن السجناء به، ومن المعروف أن هذا اللقاح يترك آثارا على الذهن، كل هذا مع أن أيا من المسؤولين في السجن أو الجنود لم يأخذوا لقاح الملاريا.

إن مسؤولية ما جرى في المعتقل التي ترتبط بالتسلسل القيادي من البيت الأبيض، ورمسفيلد إلى الجنرالات المسؤولين عن التحقيق، يعبر عن مؤامرة كبيرة من الصعب تحديها.

حدث في أمريكا

ما جرى في السجن يذكر بنبوءة السبعينيات من القرن الماضي في الولايات المتحدة. ففي عام 1975/ 1976 ترأس السيناتور فرانك تشيرتش لجنة للتحقيق في العمليات الاستخباراتية السرية التي استهدفت اغتيال قادة أجانب. وجاء التحقيق بعد مقال كتبه سايمون هيرش في "نيويورك تايمز" قدم فيه تفاصيل عن عدة عمليات سرية قام بها مكتب التحقيقات الفدرالي "أف بي آي" و"سي آي إيه"، بما في ذلك جمع معلومات عن مواطنين وناشطين سياسيين أمريكيين. وأحد أعضاء فريق فورد الذي عمل جهده لحماية أعضاء "سي آي إيه" كان دونالد رمسفيلد.

وقال السيناتور تشيرتش الذي تحدث مرة عن قدرات الحكومة واستخدامها تقنيات جديدة لمراقبة المواطنين: "أعرف أن القدرة موجودة لجعل الطغيان عاما في أمريكا، وعلينا أن نتأكد من تصرف هذه الوكالة والوكالات الأخرى التي تمتلك التكنولوجيا هذه ضمن القانون وتحت رقابة جيدة حتى لا نصل لشفير الهاوية التي لا رجعة عنها". ويدفع اليوم شباب أمريكيون مثل إدوارد سنودين وتشيلسي مانينغ الثمن الذي خاف منه تشيرتش.

وقبل تشيرتش كان هناك رون راديداور، المحارب الشاب في فيتنام الذي حاول إثارة انتباه الكونغرس والبنتاغون حول مذبحة ماي لاي- التي تعتبر واحدة من أسود الحوادث التي ارتكبها الجيش الأمريكي في فيتنام. وقد قابلته في واشنطن وجلسنا على مقعد في الحديقة حيث كان يبحث عن أي داعم له، وأتذكر أن ما قاله وتحدث عنه كان كبيرا جدا وشريرا جدا كي تصدق أنه قد حدث فعلا. واستطاع رايداور نشر قصته رغم كل المعوقات تماما مثلما فعل هيكمان. وأصبح رايداور صحافيا شهيرا، وهناك جائزة سنوية للشجاعة باسمه استحدثت بعد وفاته في سن الـ52 عاما، وآمل أن يحصل عليها هيكمان هذا العام.

 فيكتوريا بريتين كاتبة وصحافية، وقضت وقتا وهي تغطي الأحداث في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط لصالح صحيفة "الغارديان" ومجلات فرنسية أخرى، وعملت مستشارة للأمم المتحدة حول أثر الحروب على المرأة، وآخر كتبها "حيوات في الظل"، ومسرحية "انتظار". وتعاونت في كتابة سيرة المعتقل السابق في غوانتانامو معظم بيغ "مقاتل عدو". وهي ناشطة في مؤسسات تدافع عن فلسطين والمرأة.


تفاصيل الكتاب:
:Murder at Camp Delta
A Staff Sergeant's Pursuit of the Truth About Guantanamo Bay
By Joseph Hickman
.Simon & Schuster-  2015, 256 pages

التعليقات (0)