مقالات مختارة

غيتس يدين أوباما: انكفائي أعمى يشكك بالجيش!

راجح الخوري
1300x600
1300x600
بالنسبة إلى الأميركيين لن يثير ذلك الكتاب القنبلة أكثر من عاصفة عابرة، أما بالنسبة إلى رؤية دول كثيرة إلى أميركا فإنه يمثل إدانة قاطعة وربما فاجعة لإدارة باراك أوباما الذي وصل إلى البيت الأبيض رافعا شعار يناسب شعبا أنهكته الحروب الخارجية، وخصوصا حروب جورج بوش على الإرهاب التي أدخلت الأميركيين في الرمال الدموية المتحركة سواء في أفغانستان أو في العراق.

مذكرات روبرت غيتس التي صدرت الأربعاء بعنوان «الواجب... مذكرات وزير أثناء الحرب» لا تتحدث عن حقبة التحول المفصلية في السياسة الأميركية بمقدار ما تمثل إدانة قاسية تتجاوز هذا التحول السياسي لتطاول شخصية الرئيس أوباما وسيكولوجيته في تحمل المسؤولية، وأكثر من هذا لتظهر ميله الضمني العميق إلى الانتهازية السياسية، وحتى إلى إخضاع حس المسؤولية العامة عنده إلى الحسابات الشخصية المتصلة بالانتخابات واسترضاء الرأي العام على حساب المصلحة الوطنية.

وإذا كان أوباما اجتاح البيت الأبيض رافعا شعارات التغيير، التي تعني رفضا قاطعا لما سمته إدارة سلفه جورج بوش «الحروب الاستباقية»، التي وصفها أوباما في خلال حملته الانتخابية بأنها «استراتيجية القوة العمياء»، فإن خلاصات شهادات غيتس الذي كان وزيرا للدفاع وتولى مسؤوليات عليا وحساسة ومنها أيضا وكالة الاستخبارات المركزية، تؤكد أن أوباما طبق ويطبق سياسة الانكفاء الاستباقي وهي ليست أقل من استراتيجية التراجع الأعمى، التي ستحصد أميركا نتائجه السلبية على دورها في الساحة الدولية وربما على وضعها الداخلي، قياسا بالاحتمالات المقلقة التي قد تترتب على قوس من الأزمات المتفاقمة الممتدة من أفغانستان إلى سوريا مرورا بباكستان وبالعراق والتي تؤكد أن الانكفاء الأوبامي ساعد في أمرين؛ أولا، عودة «القاعدة» وعناصر التطرف إلى الانتشار، وثانيا، اندفاع روسيا في محاولة لاستعادة حقبة الاستقطاب الثنائي والحرب الباردة!

في بلد غير أميركا قد تشكل شهادة وزير دفاع سابق، بأن الرئيس تسيطر عليه دائما حال من الشكوك تجاه المؤسسة العسكرية، مدخلا يبرر محاكمة هذا الرئيس، ولا يكفي أن نقرأ ما كتب بوب وودوارد مثلا من أنه شعر بالذهول لا بل بالفزع وهو يقرأ إفادات غيتس، عن أن هيلاري كلينتون قالت لأوباما صراحة، إنها تعارض زيادة القوات في العراق لأسباب انتخابية تتعلق برأي الناخبين في أيوا، وأن أوباما أقر صراحة بأن معارضة زيادة القوات كانت تتصل بحسابات السياسة أكثر من حسابات الاستراتيجيات والمصلحة الوطنية، فها هو ديفيد إغناتيوس أيضا الذي يملك علاقات ممتازة مع الاستخبارات الأميركية، يكتب ما يعمق إدانة أوباما بالقول إن إدارته سمحت لإيران بأن تحول نوري المالكي والعراق عملاء افتراضيين وبأن تقوض النفوذ الأميركي.

يأتي هذا في حين لا تتردد إدارة أوباما بتسريع تسليم العراق مجموعات من صواريخ «هيل فاير» وطائرات استطلاع من دون طيار بهدف مقاتلة «القاعدة» في الفلوجة والرمادي، مع أن هناك مخاوف مشروعة وعميقة عند أعضاء كثيرين في الكونغرس، من أن تصل هذه الأسلحة إلى الإيرانيين، ويرى هؤلاء أن عدم يقين إدارة أوباما في أفغانستان مثلا أعاد نفوذ حركة طالبان التي لم يتردد البيت الأبيض في مفاوضتها وهو ما أهدر نتائج الحرب الأميركية، وأن انسحاب القوات الأميركية من العراق وعدم استعداد أوباما لتسليح المعارضة السورية، ومهزلة تلويحه بتوجيه ضربة عقابية إلى نظام الأسد ثم تراجعه الفاضح عنها، فتحت الطريق أمام عودة «القاعدة» والمضحك المبكي أن البيت الأبيض يعول لا على تسليح المالكي رجل إيران، التي تخوض الحرب إلى جانب بشار الأسد مع أذرعها العسكرية اللبنانية والعراقية، بل جعل من مهمة نائبه جو بايدن البقاء على الهاتف مع المالكي لإقناعه بالتصالح مع العشائر السنية في الأنبار!

من «استراتيجية القوة العمياء» إلى سياسة «الانكفاء الأعمى»، لكن إذا كانت مذكرات غيتس تشكل إدانة صارخة لسلوك أوباما الذي جاء ليهدم لا ليغير كما يقول جون ماكين، الذي سبق أن وصف سياسة البيت الأبيض بأنها تكتب بالحبر المخفي، فإن روزنامة المواقف الأوبامية من الأزمة السورية منذ ثلاثة أعوام، كشفت أن كل حرف في كتاب «الواجب... مذكرات وزير أثناء الحرب» هو إضاءة عميقة على خلفيات النقاشات التي جرت في الكونغرس في 30 أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي عندما وجهت انتقادات لاذعة إلى السفير روبرت فورد والبيت الأبيض من السناتور بوب كوركر وزميله جون ماكين وصلت إلى حد القول إن «إدارة أوباما لا تشعر حتى بالخجل من سياستها التدميرية وغير المسؤولة في سوريا»!

(الشرق الأوسط)
التعليقات (0)