تزايدت في السنوات الأخيرة الحوادث والمخاوف المتعلقة بـ"الحديث جنسياً" مع روبوتات
الدردشة، حيث تحولت هذه الظاهرة من مجرد تسلية تكنولوجية إلى قضايا أثارت جدلاً واسعاً حول الخصوصية، والأخلاق، والصحة النفسية.
وفضلاً عن تعرض بعض المنصات لعمليات اختراق أدت إلى تسريب محادثات
جنسية وصور حساسة تخص المستخدمين، مما عرضهم لخطر الابتزاز، فإن إفلاس بعض الشركات وبيعها لأخرى، قد يتيح الاستيلاء على بيانات خاصة لملايين المستخدمين.
اظهار أخبار متعلقة
وفي تحقيق لشبكة "
بي بي سي"، فإن انهيار شركة "كاراكتر.أيه آي" الناشئة في مجال
الذكاء الاصطناعي، كشف عن خطر نادراً ما تتم مناقشته فيما يتعلق بمستخدمي الذكاء الاصطناعي، وهو أن الشركات التي تحتفظ بأسرار العملاء قد لا تبقى موجودة إلى الأبد.
واستشهد تقرير الشبكة بحادثة تعرضت لها إحدى الفتيات بعدما أنشأت حساباً على منصة شركة "كاراكتر.أيه آي"، حيث حاورها روبوت المحادثة على أنه فتاة اسمها "جيسيكا" وأن والديها ليسا في المنزل، وعرض عليها تبادل رسائل ذات طابع جنسي، قبل أن ترد المشتركة بـ"لا".
وأوضح التقرير أن هذه الفتاة رفضت عرض الروبوت "جيسيكا"، لكن في المقابل هناك عشرات الملايين من الأشخاص الآخرين، ومن بينهم أطفال، أقاموا فعلاً علاقات مع روبوتات الدردشة التابعة للشركة التي أفلست.
وقالت إن بعض هذه الروبوتات تدّعي أنها تعمل في المحاماة والطب النفسي ولديها التراخيص، ولكن شركة الذكاء الاصطناعي هذه تُعلن اليوم إفلاسها، وبالتالي فإن بيانات المستخدمين ورسائلهم وأسرارهم معروضة للبيع.
يؤكد الخبراء أن مخاطر الخصوصية يجب أن تُقلقك حتى لو لم تستخدم روبوتات "كاراكتر.أيه آي" من قبل، لأنهم يخشون أن تكون دليلاً على أزمة أوسع نطاقاً تلوح في الأفق.
ومع هذا فإن بعض الخطوات البسيطة يمكن أن تساعد في حماية الخصوصية، وهنا تكمن المشكلة، إذ يعتقد العديد من المحللين أن الكثيرين يعيشون في "فقاعة الذكاء الاصطناعي"، نظراً لأن بناء وتشغيل أدوات الذكاء الاصطناعي مكلف للغاية لدرجة أن بعض الشركات قد لا تحقق أرباحاً أبداً.
والخطر يكمن في أنه إذا ما انفجرت هذه الفقاعة، فإن عدداً هائلاً من شركات الذكاء الاصطناعي سيندمج أو يُغلق أبوابه، وحينها، قد تُصبح البيانات التي يُقدمها مليارات الأشخاص لأدوات الذكاء الاصطناعي متاحة لأي شخص تقريباً، وقد لا يعرفون أبداً ما سيكون عليه مصيرها.
وتوضح الـ"بي بي سي" أن بيع البيانات عند الإفلاس ليس بالأمر الجديد، لكن الذكاء الاصطناعي قد يزيد الأمور سوءاً.
وبهذا الشأن، تقول كالي شرودر، مديرة برنامج الذكاء الاصطناعي وحقوق الإنسان في مركز معلومات الخصوصية الإلكترونية: "عندما يتحدث الناس إلى روبوت دردشة، فإنهم يشاركون غالباً معلومات شخصية وحساسة للغاية".
وتحذّر كالي قائلة: "لا تستخدم الذكاء الاصطناعي، لا تزال معرَّضاً للخطر، لأن المستخدمين يشاركون معلومات عن الأصدقاء والعائلة".
وتوضح: "قد تفصح عن مشاعرك الخاصة وعندها تكون قد قدمت معلومات وبيانات عن أشخاص آخرين لم يستخدموا أبداً روبوتات الشركة"، ويعني ذلك أن الخطر لا يقتصر على من يستخدم الذكاء الاصطناعي فقط، جميعنا معرَّضون للخطر، بطريقة أو بأخرى.
بعد إعلان إفلاسها، وافقت شركة "كاراكتر.أيه آي" على بيع بعض أصولها لشركة ديزني مقابل 20 مليون دولار، ومن المفترض أن الصفقة لا تشمل بيانات المستخدمين.
لكنَّ وثائق المحكمة تشير إلى أن الشركة تستطيع بيع بياناتها لمشترين آخرين. وهذا الأمر لا يُرضي الكثيرين، بمن فيهم مسؤولون أمريكيون.
وبسبب المخاطر، قدَّم ائتلاف يضم 40 مدعياً عامّاً من ولايات أمريكية إشعاراً يطالب القاضي بتطبيق قوانين حماية سلامة الأطفال وخصوصيتهم. هذا أمر هام، لكنَّ مطالب هذه الولايات قد لا تكون فعالة.
وتشرح ميليسا جاكوبي، أستاذة القانون في جامعة نورث كارولاينا في تشابل هيل بالولايات المتحدة ومؤلفة كتاب "الديون غير العادلة: كيف يزيد نظام الإفلاس اللامساواة في أمريكا"، قائلةً: "بدون حماية أقوى للخصوصية في الولايات المتحدة، فإن ما يمكنهم فعله محدود للغاية".
تُلزم بعض القوانين الشركات بإبلاغ المستخدمين بالمعلومات التي تجمعها وكيفية استخدامها في سياسات الخصوصية المتعلقة بها. ولكن عند التعمق في بنود هذه السياسات، ستجد عادةً قائمة بحالات لم يتم الالتزام فيها بهذه الوعود.
تقول كالي شرودر: "غالباً ما يُذكر الإفلاس كأحد تلك الاستثناءات. وهذا يشكل خطراً كبيراً، لأنه بمجرد أن تُعلن الشركة إفلاسها، لا يتم تطبيق الكثير من بنود الحماية التي كنت تعتقد أنك تتمتع بها".
تعتمد بعض الدول، كالاتحاد الأوروبي، حماية أقوى للخصوصية، ومع ذلك تُباع البيانات في حالات الإفلاس، ورغم هذا يجب على المشتري الالتزام ببنود سياسة الخصوصية الأصلية، وقد يتمتع هذا المشتري بهامش واسع من الحرية، وتؤكد كالي أن شركة كاراكتر.أيه آي مثال واضح على ذلك.
وعلى سبيل المثال، هناك مزاعم بأن برنامج الدردشة الآلي التابع لشركة كاراكتر.أيه آي، "شجَّع" مراهقاً على قتل والديه بسبب تحديد وقت استخدامه للجهاز.
كما أقدم فتى يبلغ من العمر 14 عاماً على إنهاء حياته بعد مزاعم بأن أداة الذكاء الاصطناعي التابعة للشركة قد حثته على ذلك. وقد ينتهي المطاف بهذه الرسائل، إلى جانب كميات هائلة من البيانات الأخرى، في أيدي شركات لم تسمع بها من قبل.
ولتهدئة المخاوف صرّح متحدث باسم "كاراكتر.أيه آي" بأن الشركة قد سوّت هذه الدعاوى القضائية، وأنها ملتزمة بالعمل مع العائلات لتطوير منتجات أكثر أماناً، لكنه لم يُجب عن أسئلة محددة تتعلق بخصوصية الأطفال.
وأضاف المتحدث: "على مدار العام الماضي، اتخذت الشركة خطوات مبتكرة وحاسمة فيما يتعلق بالاستخدام الآمن للذكاء الاصطناعي من قِبل المراهقين، وسيتواصل دعم هذه الجهود وحثّ الآخرين في هذا القطاع على تبنّي معايير أمان مماثلة".
و"كاراكتر.أيه آي" لا تعدو كونها حلقة واحدة في سلسلة طويلة، إذ تخشى كالي أن تكون هذه الشركة ربما الأولى من بين العديد من الشركات الأخرى التي تتبع المسار ذاته فيما بعد، إذا حدث تراجع اقتصادي كبير.
كيف يمكنك حماية أسرارك من الذكاء الاصطناعي؟
الإجابة وفقاً لـ"بي بي سي" باختصار: احذف بياناتك. وأوضحت شركة "كاراكتر.أيه آي" تعليماتها للمستخدمين في إعلان إفلاسها، ورغم عدم إلزام القانون الشركات بأن تتيح لمستخدميها حذف البيانات، إلا أن الشركات تسمح لمستخدميها بعمل هذا في كثير من الأحيان، بدلاً من إنشاء أنظمة مختلفة.
اظهار أخبار متعلقة
من الواضح أن هذا يتطلب جهداً. لذا قدّم تقرير شبكة الـ"بي بي سي" النصيحة وهي: "فكّر في الخدمات التي تحتفظ بمعلومات حساسة عنك. إذا توقفت عن استخدامها، خصص بضع دقائق لمحاولة حذفها.
تختلف كل خدمة عن الأخرى، ولكن بشكل عام، يمكنك العثور على معلومات حول حذف البيانات من خلال مراجعة إعدادات الخصوصية أو سياسة الخصوصية للحصول على التفاصيل".
وتضيف: "إذا لم تجد حلاً، فاتصل بدعم العملاء. وإذا كنت تواجه صعوبة في معرفة كيفية حذف بياناتك، فإحدى الطرق للعثور على التعليمات هي سؤال روبوت الدردشة نفسه الذي يعمل بالذكاء الاصطناعي، لكن يجب التأكد من أن إجاباته صحيحة".