هل خالف القضاء المصري مواد الدستور في محاكمة رئيسة تحرير "مدى مصر"؟

غرامة مالية باهظة أنزلتها المحكمة بحق لينا عطا الله- موقع مدى مصر
غرامة مالية باهظة أنزلتها المحكمة بحق لينا عطا الله- موقع مدى مصر
شارك الخبر
أثارت إجراءات جلسة محاكمة الصحفية المصرية لينا عطاالله، رئيسة تحرير موقع "مدى مصر"، الثلاثاء، في اتهامها بإدارة موقع إلكتروني دون ترخيص بالقضية (رقم 11743 لسنة 2026)، انتقادات صحفية وحقوقية ودولية واسعة، واتهامات بمخالفة المادتين (96) و (89) من دستور مصر حول ضمانات المحاكمات العادلة.

المحاكمة التي شهدتها أروقة محكمة "جنح القاهرة الجديدة"، انتهت بتغريم عطاالله، 3 ملايين جنيه (53 ألف دولار)، وإغلاق الموقع ومصادرة معداته وأجهزته، في قرار قضائي حمل العقوبة القصوى لهذا الاتهام، الأمر الذي لم ينته لهذا الحد.

أحداث مثيرة ومفارقات عديدة


وذهب الحكم إلى حد أمر القاضي محمد مبارك، بإخلاء القاعة واستدعاء قوات الأمن لاحتجاز الصحفية حتى دفع الغرامة، ليتم إخلاء سبيلها بعد 7 ساعات، قبل أن تواجه عطاالله، أزمة حكم قضائي سابق عام 2024 بحبسها مدة سنة بتهمة نشر أخبار كاذبة، جرى معارضته وتحددت له جلسة 11 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.

ولم تكن سرعة إحالة لينا عطاالله للمحاكمة، أو الإحالة الأولى للمحكمة رغم وجود 6 قضايا سابقة، أو سرعة صدور الحكم ومن أول جلسة، أو إقرار أقصى العقوبة في تلك التهمة، أو ظهور حكم سابق بالحبس مدة سنة، أو غلق الموقع رغم رفض السلطات منحه ترخيصا منذ عام 2018، هي المفارقات الست الوحيدة المثيرة للجدل.

بل إن أحداث المحاكمة كانت الأكثر جدلا وحملت مفارقات أخرى عديدة هو ما كشف عنه المدير التنفيذي للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، حسام بهجت، في حديثه لـ"فرانس برس"، و"مدى مصر".

وأكد البرعي، لـ"فرانس برس"، أنه عقب النطق بالحكم، أمر القاضي بإخلاء القاعة قبل أن يحاوط أفراد الأمن عطالله و"يحملونها من على الأرض إلى خارج القاعة"، حيث تم احتجازها لنحو 7 ساعات.

وكشف "مدى مصر"، عن وجود فريق دفاع مكون من 8 محامين، تقدموا بدفوع أولها الاطلاع على أوراق الدعوى، موضحا أنه بين إصرار القاضي أن يطلعوا عليها خلال الجلسة، وتمسك المحامون بحقهم في أجل للاطلاع، "رفع القاضي الجلسة وعاد بعد نحو ساعة ليتجاهل المحامين الثمانية، ويتجاهل المتهمة نفسها، ويقرر انتداب محامٍ لا يعرفه أي منهم، ويكتب القاضي نيابة عنه طلباته، قبل أن يُصدر حكمًا يتضمن أقصى عقوبة، بلا اطلاع، بلا دفاع".

استدعاء وحكم وإحالة ومخالفة للقانون


وأكد حقوقيون أن إجراءات محاكمة عطالله، وقرار غلق "مدى مصر" وعلى نحو ما أكدته هيئة الدفاع عنها، تمت بالمخالفة لنص "المادة 96" من "دستور 2014" بأن "المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية عادلة، تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه"، و"المادة 98" من الدستور، والتي تؤكد أن "حق الدفاع أصالة أو بالوكالة مكفول، واستقلال المحاماة وحماية حقوقها ضمان لكفالة حق الدفاع".

وفي قضية لم تستغرق سوى 8 أيام، وتعد من الأسرع في المحاكم المصرية، جرى استدعاء عطاالله للتحقيق في 19 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، لتمثل أمام النيابة بعد 3 أيام، في جلسة امتدت لـ 6 ساعات وانتهت بإخلاء سبيلها بكفالة 100 ألف جنيه، لتتم إحالتها إلى المحاكمة باليوم التالي 22 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، لتنعقد أولى الجلسات الثلاثاء، ويصدر الحكم بعد 5 أيام من الإحالة و8 أيام من الاستدعاء.

ما دفع لإعلان نقابة الصحفيين، اتخاذ الإجراءات القانونية للطعن على الحكم، وفق ما أعلنه النقيب خالد البلشي، مشير إلى ملاحظات سجلها على مسار الدعوى وما جرى مع عطاالله، ومنها سرعة الإجراءات، متحدثا عن "مخالفة الإجراءات التي اتُخذت مع الموقع لقانون تنظيم الصحافة ولائحته التنفيذية".

وفي سياق مخالفة المحكمة الإجراءات القانونية وسابق أحكام محكمة "النقض" التي تمثل قمة الهرم القضائي المصري، قال نجاد البرعي، عبر فيسبوك، إن "احترام حق المحامي في الاطلاع مقدس"، مؤكدا أن  الإخلال بحق الدفاع نذير شؤم لمهنة المحاماة"، موضحا أنه "يصم المحاكمة كلها بالبطلان"، وفقا لما استقرت عليه أحكام محكمة النقض.

ولم يقلل وجود فرصة لاستئناف حكم المحكمة الاقتصادية درجة أولى أمام دائرة الاستئناف بالمحكمة خلال 40 يوما من صدور الحكم، من الضجة الحقوقية الدولية التي أثارتها إدانة لينا عطاالله، التي أدرجتها مجلة (تايم) عام 2020 ضمن قائمة الأكثر 100 تأثيرا في العالم.

فمن جانبها، وبعيدا عن انتقادها الحكم ومطالبتها بإلغائه ووصفه بأنه "ضربة مدمرة لحرية الصحافة"، أكدت "لجنة حماية الصحفيين"، أن المحاكمة "هزلية افتقدت أبسط قواعد المحاكمة العادلة، وأهدرت حقوق عطاالله وفريق دفاعها".

وفي حين وصفت "منظمة العفو الدولية" الحكم بأنه "يوم أسود للصحافة المستقلة"، وأعربت عن مخاوفها من اضطهاد ممنهج بحق الصحفيين، أكدت أن "سرعة تحديد موعدي التحقيق والمحاكمة ورفض القاضي تأجيل الجلسة لإتاحة وقت كافٍ للدفاع ورفضه سائر طلباته، ومنها تقديم وثائق إضافية واستدعاء شهود، بأنها تثير مخاوف جدية بشأن الإجراءات القانونية الواجبة".

ويتزامن حكم غلق موقع "مدى مصر" المنصة المستقلة التي صدرت عام 2013، وتم حجبها عن الظهور في مصر منذ العام 2017، مع قرار نيابة أمن الدولة، في القاهرة الجديدة، بتجديد حبس صحفيي منصة "متصدقش" الستة 15 يوما، بعد توقيفهم يومي 28 و29 أيلول/سبتمبر الماضي، لتصل قائمة الصحفيين المعتقلين لرقم 26 بتهم "نشر أخبار كاذبة" أو "الانضمام لجماعة إرهابية".

خالفت مبادئ فوق دستورية


وفي إجابته على السؤال المطروح في الأوساط الصحفية والحقوقية: هل خالف القضاء المصري مواد الدستور في محاكمة صحفية "مدى مصر"؟، يقول المحامي بالنقض والإدارية والدستورية العليا، أحمد قناوي: "بكل تأكيد جرى مخالفة مواد الدستور الناظمة للمحاكمات التي ينبغي أن تكون محاكمات عادلة".

وفي حديثه لـ"عربي21"، أضاف: "وكذلك جرت مخالفة تلك المواد التي تتضمن حق الدفاع عن المتهم والذي يتعين أن تمكن المحكمة منه، أصالة أو وكالة"، مبينا أن "الأهم أنها خالفت مبادئ فوق دستورية تتعلق بقيم العدالة".

ويرى أنه "لم يكن يضير العدالة أن تستمع المحكمة إلى دفاع لينا عطاالله، وتمنح أجلا ولو قصيرا للدفاع وتمكنه من أداء دورة"، مؤكدا أنها "محاكمة يتم رصدها وتحت الضوء وتملك المحكمة في كل وقت اتخاذ قرار لن يشاركها فيه أحد، ورغم هذا تم تصدير فكرة غالبة وهي مصادرة حق الدفاع".

ولفت إلى أن "مصادرة حق الدفاع أمر لا يضر العدالة فقط، بل يضر ضررا كبيرا بفكرة التقاضي ذاتها".

وألمح إلى أنه "يمكن تدارك جزء مما حدث إذا كانت هناك رغبة حادة في تغيير الصورة أمام محكمة الاستئناف"، متسائلا: "هل يحدث الكثير؟"، مجيبا: "يُشك في ذلك بالطبع، فالتراث الحديث يخيب الظن، ولا أعرف حتى من منطلق الحرص على تقديم محاكمة مبررة أن يتم مخاصمة قواعد بديهة للعدالة".

غير قانوني وغير دستوري


وفي حديثه لـ"عربي21"، يعتقد السياسي المصري وعضو "المكتب التنفيذي لائتلاف شباب الثورة" السابق، محمد عباس، أن "ما حدث في محاكمة لينا عطاالله، وموقع (مدى مصر)، غير قانوني وغير دستوري ويتجاوز الحد الأدنى من حقوق المتهمين والماثلين أمام القضاء".

ويرى أنه "ليس من المعقول ولا المقبول ولا المفهوم أن يكون هناك 8 محامين مع الصحفية وعندما يطلبون مطالبات قانونية أساسية من صلب المحاكمة يتجاهلهم القاضي ويعين محاميا آخر، دون رغبة الصحفية، ويقوم القاضي بنفسه بإملاء الطلبات والدفوع لحاجب المحكمة، نيابة حتى عن المحامي المنتدب".

وأكد أن "ما حدث لا يمكن وصفه بغير أنه إهانة للقضاء، رغم أن إهانة القضاء أمر مجرم، ولكن ما جرى خلال المحاكمة من القاضي ومن الأمن عقب المحاكمة يعد إهانة واضحة للقضاء المصري، وإساءة لتاريخ القضاء".

"إنهم يهدمون مؤسسات الدولة"


ولفت إلى أن "ما حدث يمثل سابقة خطيرة، بأن يجبر القاضي المتهم على انتداب محامي من قبل المحكمة على غير رغبته ورغم وجود 8 محامين آخرين، عند رفضهم ما اتخذه القاضي من إجراءات وعدم السماح لهم بالاطلاع على محاضر الاتهام".

عباس، ذهب للقول: "نتكلم هنا عن كارثة في مسار المؤسسة القضائية في مصر"، متسائلا: من يثق مستقبلا في أن يقف أمام أي قاضي بعد تلك الواقعة؟"، متوقعا أنه "في أية قضية تريد الدولة أو يريد النظام ترتيب أموره فيها دون وجود محامين يزعجونه يُحضر محام من قبل المحكمة مع قاضي يتحرك بنفس الشكل".

وأكد أنه "يجب على جموع المحامين اتخاذ موقف من مثل هؤلاء المحامين"، مبينا أننا "أمام كارثة تستهدف القضاء وتهدم مؤسسات الدولة"، مبينا أن "هذه ليست اتهامات مرسلة بل اتهامات حقيقية لهذا القاضي وذلك المحامي ولقوات الأمن التي احتجزت الصحفية 7 ساعات"، مؤكدا أنهم "يهدمون مؤسسات الدولة".

وحول سر كل هذا الحجم من التعنت مع الصحفية لينا عطاالله ومدى مصر، وصحفيي "متصدقش"، خاصة أنها تتزامن مع انعقاد "منتدى مصر 2026"، قال عباس: "هناك رفض تام لأي صوت مستقل أيا كان، عن الصوت الواحد خلال الفترة القادمة، ويبدو أننا ذاهبون إلى أزمات كبيرة ولكوارث سياسية وحقوقية أكثر مع إصرار النظام على ألا يتحدث أحد".

سر التنكيل


وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، قال استشاري الإدارة الاستراتيجية الدكتور محمد زويل: إذا صحت تلك الوقائع فإن "الأمر يتجاوز مجرد التشدد القضائي إلى إثارة أسئلة خطيرة حول ضمانات المحاكمة العادلة، وحق الدفاع، واستقلال القضاء، وحدود السلطة في مواجهة حرية الصحافة، وفق قراءته للمشهد عبر "فيسبوك".

وفي تفسيرهم لسرعة صدور الحكم وغلق الموقع واتخاذه الحد الأقصى للعقوبة، تساءل رئيس تحرير الأهرام الأسبق عبدالعظيم حماد، "هل السبب مبادرة الموقع للمشاركة في تأسيس منصة بديلة لموقع (متصدقش)، مما اعتبرته دوائر في النظام تحديا مباشرا لا يمكن قبوله؟".

وأشار الصحفي والإعلامي قطب العربي، إلى احتمال أن يكون السبب نشر "مدى مصر"، تقريرا عن "إضراب السجناء السياسيين وما يتعرضون له من انتهاكات، وتدخل الداخلية لتكذب ذلك عبر بيان رسمي، ناهيك عن مشاركتها في مبادرة المنصات الثمانية للتضامن مع (متصدقش)"، كما اعتبر العربي، أن الحكم، يأتي كرد فعل على حملة التضامن الدولية الواسعة مع الموقع ورئيسة تحريره.

وتوقع الصحفي سليم عزوز، أن يتبع الإجراء الذي "يفتقد للياقة السياسية"، بتوقيع العقوبة الأقصى على "مدى مصر"، "فتح باب للضغوط الأجنبية التي تصمد أمامها السلطة في البداية ثم تنهار"، مؤكدا أن "القانون فيه حل لكل المشاكل، وأن منح الموقع الترخيص يحل كثيرا من الإشكالات".

13 عاما من القمع


وخلال عهد السيسي، تراجعت مصر بشكل مستمر في مؤشرات حرية الصحافة العالمية لتنضم إلى قائمة الدول الأسوأ في حرية الإعلام، حيث تحتل المركز 169 من أصل 180 دولة لعام 2026، بحسب تصنيف منظمة "مراسلون بلا حدود".

وحجبت السلطات المصرية منذ العام 2017، أكثر من 500 موقع إخباري وإعلامي داخل مصر، مع السيطرة على الصحف والفضائيات الخاصة بتأسيس الشركة "المتحدة للخدمات الإعلامية" تحت مسميات عدة منذ العام 2016.

كما قامت السلطات الأمنية ووفق ما وثقته منظمات حقوقية دولية مثل منظمة مراسلون بلا حدود باعتقال وملاحقة عشرات الصحفيين، واستهداف نقابة الصحفيين في أحداث سابقة عام 2016.
التعليقات (0)