تتجه
الشراكة الجزائرية الروسية نحو توسيع
مجالات التعاون لتشمل، إلى جانب الطاقة، التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي
وتحلية المياه والخدمات المالية الرقمية، في تحرك يعكس رغبة موسكو في تعزيز حضورها
الاقتصادي والتكنولوجي في إفريقيا، ومساعي الجزائر إلى تحويل علاقاتها
الاستراتيجية مع
روسيا إلى مشاريع إنتاجية ونقل للتكنولوجيا، بما يتجاوز أنماط
التعاون التقليدية.
وتأتي هذه التوجهات عشية انعقاد
القمة
الروسية الإفريقية الثالثة في موسكو يومي 28 و29 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، حيث
أكد نائب رئيس الإدارة الرئاسية الروسية، ماكسيم أوريشكين، استعداد بلاده لتوسيع
التعاون الاقتصادي والتكنولوجي مع الجزائر والدول الإفريقية، واضعا الغاز والسيادة
الرقمية ضمن المجالات المطروحة للشراكة.
وبحسب ما أوردته صحيفة
"الخبر"الجزائرية، الاثنين، عرض أوريشكين، خلال منتدى إعلامي مرتبط بالقمة، ملامح الرؤية
الروسية لتعزيز التعاون مع دول القارة، مشيرا إلى إمكانات الشراكة في الطاقة
والتكنولوجيات الرقمية والذكاء الاصطناعي والطاقات المتجددة، إلى جانب قطاعات أخرى
تشمل الزراعة والأمن الغذائي وتحلية المياه.
ويضع هذا التوجه العلاقات الجزائرية الروسية
أمام اختبار يتجاوز التقارب السياسي، يتمثل في قدرة الطرفين على ترجمة الاستعدادات
المعلنة إلى استثمارات ومشاريع مشتركة تحقق قيمة مضافة للاقتصاد الجزائري، وتعزز
مشاركة المؤسسات المحلية في الإنتاج والتطوير التكنولوجي.
الغاز.. بوابة التعاون الاقتصادي
احتل قطاع الغاز موقعا مركزيا في التصريحات
الروسية، بالنظر إلى أهميته في الاقتصاد الجزائري، والخبرات التي راكمتها موسكو في
إنتاج الغاز ونقله وتصديره، ولا سيما تطوير الحقول البحرية وإنشاء منصات إنتاج
الغاز الطبيعي المسال.
وأكد أوريشكين استعداد بلاده للعمل مع
الجانب الجزائري على مشاريع مشتركة في قطاع الطاقة، معتبرا أن الخبرات الروسية
يمكن أن تفتح آفاقا إضافية للتعاون بين البلدين، سواء في تطوير القدرات الإنتاجية
أو في الجوانب التقنية المرتبطة بالصناعة الغازية.
ولا تقتصر أهمية هذا الطرح على توسيع
التعاون في قطاع المحروقات، بل ترتبط أيضا بمدى قدرة الجزائر على الاستفادة من
الخبرات الأجنبية لتطوير صناعتها المحلية، وتحسين قدراتها التقنية، وتوسيع قاعدة
المؤسسات الوطنية المشاركة في المشاريع الكبرى.
ومن هذا المنطلق، فإن الانتقال من استيراد
المعدات والخدمات إلى التصنيع المحلي والإنتاج المشترك ونقل المعرفة يمثل أحد أبرز
التحديات أمام الشراكة الثنائية. فالتقارب السياسي، مهما بلغ مستواه، لا يتحول
تلقائيا إلى مكاسب اقتصادية ما لم يُترجم إلى اتفاقات واضحة، واستثمارات قابلة
للتنفيذ، وآليات تضمن استفادة الاقتصاد الوطني من التكنولوجيا والخبرات المنقولة.
السيادة الرقمية.. رهان يتجاوز استيراد
التكنولوجيا
لم يحصر المسؤول الروسي مجالات التعاون
المقترحة في الطاقة، بل خصص جانبا من عرضه للسيادة الرقمية، مقدما روسيا بوصفها
شريكا محتملا للدول الإفريقية في تطوير البنى التكنولوجية والخدمات الرقمية.
وربط أوريشكين هذا المفهوم بقدرة الدول على
التحكم في بياناتها الاقتصادية وحمايتها، والحد من التبعية للمنصات والمؤسسات
التكنولوجية العالمية الكبرى، معتبرا أن البيانات أصبحت جزءا من الأمن الوطني
والسيادة الاقتصادية.
وشملت المجالات التي طرحها تطوير البرمجيات
المحلية وتطبيقات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، إلى جانب رقمنة الخدمات
وإشراك الشركات الوطنية في تنفيذ المشاريع، بدلا من الاكتفاء باستيراد التجهيزات
والخدمات الجاهزة.
وبالنسبة إلى الجزائر، وفق تقرير صحيفة
"الخبر"، قد يفتح هذا التوجه مجالا لتطوير القدرات الوطنية في
التكنولوجيا، لكنه يثير في المقابل أسئلة بشأن طبيعة الحلول المقترحة، وشروط
نقلها، ومستوى حماية البيانات، ومدى قدرة المؤسسات الجزائرية على تشغيل الأنظمة
وتطويرها بصورة مستقلة.
فالسيادة الرقمية لا تتحقق بمجرد تغيير
الجهة الموردة للتكنولوجيا، وإنما ترتبط أيضا بالتحكم في البيانات، وتكوين
الكفاءات المحلية، وامتلاك القدرة على صيانة الأنظمة وتحديثها، وتجنب الارتهان
لمزود واحد في القطاعات الحيوية.
ومن هنا، ستتوقف القيمة الفعلية لأي شراكة
رقمية على مدى مساهمتها في بناء قدرات محلية مستدامة، وعلى وضوح الضمانات
القانونية والتقنية المتعلقة بأمن المعلومات وخصوصيتها، فضلا عن قدرة المؤسسات
الوطنية على المشاركة في التطوير والإنتاج، لا مجرد استخدام المنتجات المستوردة.
الذكاء الاصطناعي وتحلية المياه والأمن
الغذائي
تضمنت مجالات التعاون التي عرضها أوريشكين
أيضا الذكاء الاصطناعي والطاقات المتجددة وتحلية المياه والخدمات المالية الرقمية،
إلى جانب المشاريع الزراعية والأمن الغذائي.
وتكتسب هذه القطاعات أهمية في ضوء مساعي
الجزائر إلى تنويع اقتصادها وتعزيز قدراتها الإنتاجية والتكنولوجية، وتقليص
الاعتماد على المحروقات باعتبارها مصدرا رئيسيا للإيرادات والصادرات.
لكن توسيع قائمة المجالات المقترحة لا يعني
بالضرورة أن المشاريع دخلت مرحلة التنفيذ؛ إذ لم تتضمن التفاصيل المنشورة بشأن
تصريحات المسؤول الروسي إعلانا عن عقود محددة أو استثمارات جديدة بأرقام معلنة في
هذه القطاعات.
ويظل التحدي الأساسي، لذلك، هو الانتقال من
عرض فرص التعاون إلى تحديد المشروعات ذات الأولوية، ومصادر تمويلها، والجهات
المسؤولة عن تنفيذها، وحجم مشاركة الشركات الجزائرية فيها، والنتائج الاقتصادية
المنتظرة منها.
ويمكن أن يشكل توطين التكنولوجيا وتطوير
الكفاءات المحلية معيارا مهما لقياس نجاح هذه الشراكات، إلى جانب قدرتها على زيادة
الإنتاج وتحسين الخدمات وفتح مجالات جديدة للتصدير.
شراكة استراتيجية تبحث عن مضمون اقتصادي
أوسع
تأتي هذه التحركات، كما يقول تقرير
"الخبر"، في سياق العلاقات التاريخية بين الجزائر وروسيا، التي تعززت
بإعلان الشراكة الاستراتيجية المعمقة خلال زيارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون
إلى موسكو عام 2023.
وخلال القمة الروسية الإفريقية الثانية التي
انعقدت في سانت بطرسبورغ في العام نفسه، شددت الجزائر على أهمية دورها في تعزيز
العلاقات الروسية الإفريقية. ووصف الوزير الأول الجزائري آنذاك، أيمن بن عبد
الرحمان، الجزائر بأنها "بوابة إفريقيا ضمن الشراكة الاستراتيجية مع روسيا"،
في إشارة إلى موقعها الجغرافي ومؤهلاتها الاقتصادية وعلاقاتها بالقارة.
وتسعى الجزائر، وفق هذا التوجه، إلى
الاستفادة من موقعها بين الأسواق الإفريقية والمتوسطية لتوسيع مجالات التعاون
والاستثمار، مع السعي إلى جعل العلاقات الاقتصادية أكثر ارتباطا بالإنتاج المشترك
والتصنيع المحلي ونقل التكنولوجيا.
غير أن تطوير الشراكة يتطلب أيضا الحفاظ على
تنوع العلاقات الاقتصادية الدولية، بما يتيح للجزائر الاستفادة من عروض متعددة
ومقارنة تكاليفها وشروطها التقنية والمالية، وتجنب الاعتماد المفرط على شريك واحد
في المجالات الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، أثار إعلاميون أفارقة
مشاركون في المنتدى مخاوف بشأن انعكاسات تعزيز التعاون مع موسكو على علاقات
بلدانهم بالقوى الدولية الأخرى، وشددوا على أهمية تنويع الشراكات والحفاظ على
المصالح القائمة مع مختلف الأطراف.
ورد أوريشكين بأن روسيا لا تسعى، وفق ما
نقلته «الخبر»، إلى فرض نموذج محدد للتعاون على الدول الإفريقية، بل تعرض نفسها
شريكا مستعدا لتوسيع العلاقات واحترام خيارات الدول، ضمن رؤية تدعو إلى نظام عالمي
متعدد الأقطاب.
الساحل.. تقاطع المصالح وحدود التوافق
ولا تنفصل العلاقات الجزائرية الروسية عن
التحولات الجيوسياسية والأمنية في إفريقيا، خصوصا في منطقة الساحل التي تمثل مجالا
حيويا للأمن القومي الجزائري.
ففي حين تسعى روسيا إلى توسيع حضورها
وعلاقاتها مع دول المنطقة، بما في ذلك التعاون العسكري والأمني، تركز الجزائر على
أمن الحدود ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، إلى جانب دعم الحلول السياسية
والتعاون الإقليمي.
وقد تتيح هذه المصالح المشتركة، وفق
"الخبر"، فرصا للتنسيق بين الطرفين، لكنها لا تلغي احتمال اختلاف
المقاربات بشأن إدارة الأزمات الإقليمية، أو طبيعة الأدوار الخارجية المطلوبة في
دول الساحل.
وبالنسبة إلى الجزائر، يظل الحفاظ على
الاستقرار الإقليمي وتفادي اتساع بؤر التوتر من الاعتبارات الأساسية في سياستها
تجاه المنطقة. ومن ثم، فإن توسيع التعاون مع روسيا سيظل مرتبطا بمدى توافقه مع
حساباتها الأمنية ومقاربتها السياسية للأزمات المحيطة بها.
وفي المحصلة، تفتح القمة الروسية الإفريقية
الثالثة المجال أمام بحث آفاق جديدة للشراكة الجزائرية الروسية، من الغاز إلى
التكنولوجيا والسيادة الرقمية. لكن نجاح هذا التوجه لن يُقاس باتساع القطاعات
المطروحة وحده، بل بمدى تحويلها إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، تنقل التكنولوجيا،
وتدعم الإنتاج المحلي، وتحافظ في الوقت نفسه على قدرة الجزائر على تنويع شركائها
وإدارة مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية باستقلالية.
كريم مولاي لـ"عربي21": تطورات
مالي أعادت الفتور إلى العلاقات الجزائرية الروسية
وفي قراءة للتطورات التي تحكم العلاقات بين
الجزائر وموسكو، قال الخبير الأمني الجزائري المنشق عن النظام كريم مولاي، في
تصريحات خاصة لـ
"عربي21"، إن العلاقات الجزائرية الروسية مرت بمرحلة من
الفتور عقب التطورات العسكرية في مالي، والدور الذي أداه الفيلق الأفريقي المدعوم
من روسيا والإمارات، بحسب تقديره، في إجهاض مبادرة السلام المالية التي قادتها
الجزائر.
وأضاف مولاي أن استئناف الحديث عن الشراكة
الجزائرية الروسية، بالتزامن مع سعي الجزائر إلى فتح قنوات لعلاقات أوسع مع
الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الساحل الأفريقي، يستدعي قراءة ما وراء
التصريحات المتعلقة بتوسيع التعاون بين البلدين. ورأى أن هذه المعطيات تجعل الحديث
عن الشراكة الاستراتيجية الجزائرية الروسية أقل دلالة على مستوى التقارب السابق،
في ظل ما يعتري العلاقة من تباينات في مقاربة ملفات الأمن الإقليمي والتطورات في
منطقة الساحل.
وتفتح هذه القراءة، وفق مولاي، الباب أمام
التمييز بين استمرار العلاقات الرسمية والتعاون الاقتصادي من جهة، ومدى التوافق
السياسي والأمني بين الطرفين من جهة أخرى. فاستعداد موسكو لتوسيع التعاون في
مجالات الغاز والطاقة والتكنولوجيا لا يعني بالضرورة تجاوز الخلافات المرتبطة
بمالي والساحل، كما أن انفتاح الجزائر على واشنطن لا يثبت، بمفرده، تراجع شراكتها
مع روسيا، لكنه يسلط الضوء على سعي الجزائر إلى توسيع خياراتها الخارجية في منطقة
تتداخل فيها المصالح الأمنية والاستراتيجية لقوى دولية وإقليمية متعددة.
اظهار أخبار متعلقة