يوشك أن يُحدث اعتماد مجلس النواب في
ليبيا،
الثلاثاء، اتفاقية ترسيم الحدود البحرية المبرمة بين ليبيا وتركيا بالإجماع بعد توقيعها
قبل 7 سنوات، زلزالا سياسيا في شرق
المتوسط، حول ترسيم الحدود البحرية بسبب الثروة
الهائلة المحتملة من آبار النفط وحقول الغاز.
وفي أول رد فعل مصري قالت الخارجية المصرية،
عصر الأربعاء: "نرفض تصديق مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم مع
تركيا بشأن
تحديد مجالات الصلاحية البحرية"، مؤكدا أنها "تمس الحقوق السيادية لمصر في
منطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القاري"، واصفا إياها بأنها "باطلة ولا
يترتب على التصديق عليها أي آثار قانونية بالنسبة لمصر".
إقرار البرلمان الليبي تلك الاتفاقية والذي يأتي
إثر تصديق البرلمان التركي عليها عام 2019، وإيداعها في الأمم المتحدة عام 2020؛ يعني
وفق مراقبين دخولها حيز النفاذ، مؤكدين أن إحدى النتائج المترتبة على ذلك قد تطال علاقات
مصر وتركيا، حيث ترتبط حكومة القاهرة مع اليونان باتفاقية ترسيم حدود بحرية عام
2020، تتعارض حدودها مع الاتفاقية التركية الليبية، والتي رفضتها مصر عام 2019، واعتبرتها
غير قانونية وغير ملزمة لها.
اظهار أخبار متعلقة
لاقى الاعتراض المصري على
الترسيم البحري الليبي
التركي، في ذلك الوقت انتقادات معارضين مصريين خاصة وأنها تمنح مصر مساحة تقدر بحوالي
15 ألف كيلومتر مربع في المنطقة الاقتصادية الخالصة في شرقي البحر المتوسط، وهي مساحة
أكبر مقارنة بالحدود المقترحة وفقاً للاتفاقية المصرية اليونانية.
حينها؛ قيل إن الخلاف السياسي القائم بين القاهرة
وأنقرة منذ العام 2013، هو الدافع الأكبر لذلك الرفض، ولكنه مع التقارب المصري التركي
وتبادل زيارات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس النظام المصري عبدالفتاح السيسي،
للقاهرة وأنقرة، يترقب محللون إعادة مصر حساباتها من الاتفاقية (الليبية-التركية)،
خاصة وأن حكومتها لم تعرض اتفاقها مع اليونان على مجلس النواب للتصديق عليه حتى الآن.
ويتخوف البعض من احتمال أن تتسبب تلك الاتفاقية
في تراجع علاقات مصر وتركيا خطوات إلى الخلف لما كانت عليه قبل 13 عاما، وأن تنهي نحو
5 سنوات من ترميم العلاقات، وعودة السفراء، ورفع التعاون الاقتصادي لـ15 مليار دولار
مستقبلا، وتنظيم مناورات عسكرية وتوقيع اتفاقيات تصنيع عسكري، والتعاون في ملفات إقليمية
بينها الحرب في السودان، وتحقيق نجاحات مشتركة في ملفات الوساطة حول قطاع غزة والحرب
الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
وفي حين قال أردوغان، إن توقيع البرلمان الليبي
الاتفاقية "خبر مفرح للغاية"، فإنه ووسط رفض أوروبي دائم لاتساع نفوذ أنقرة
في شرق البحر المتوسط، أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، رفض الاتحاد
الأوروبي الاتفاقية، مشددة الثلاثاء، على تضامن الاتحاد مع اليونان وقبرص، ما تبعه
الأربعاء بيان للاحتلال ينتقد الاتفاقية، ويتهم تركيا بالسعي لزعزعة استقرار منطقة
شرق المتوسط.
لذلك يترقب محللون، مدى تأثر الموقف المصري بالموقف
اليوناني والأوروبي الرافض لتلك الاتفاقية، حيث إنه وكما تسبب اتفاق طرابلس وأنقرة
27 تشرين الثاني/نوفمبر2019، في تجاذبات واسعة بين تركيا واليونان وقبرص والاتحاد الأوروبي،
فإن التصديق النهائي دفع أثينا للتصعيد وحشد شركائها الأوروبيين.
وفي أولى الخطوات على الأرض، دعت أثينا، القاهرة،
لعقد لقاء عاجل يجمع القبارصة واليونانيين الذين أعلنوا عبر بيانات شديدة اللهجة رفض
الاتفاقية واتخاذ إجراءات حاسمة، والمصريين الذين أعلنوا رفض الاتفاقية بعد تواصل وزير
خارجية اليونان جيورجوس جيرابتريتيس ونظيره المصري بدر عبدالعاطي، الثلاثاء.
وتظل نتائج توقيع الاتفاقية والخطوات التي ستتخذها
أنقرة لاحقا، هي العامل الأهم والمؤثر في حجم وحدود الاعتراض المصري على الاتفاقية،
وفي وضع علاقات البلدين وما بينهما من تفاهمات واتفاقيات بينها التصنيع العسكري، وكذلك
علاقات القاهرة مع طرابلس وبنغازي.
وقدم خبراء لـ"عربي21"، توقعاتهم لرد
فعل مصر، وقراءتهم لاحتمالات استمرار رفض الاتفاق رغم زوال الخلاف السياسي مع تركيا،
وأسباب رفض اتفاق يمنحها مساحة بحرية أكبر وبحجم محافظة الجيزة، والرد بتفعيل اتفاقها
مع اليونان في المقابل، وحجم الأزمة المتوقع ومدى وصولها حد الصدام العسكري بين اليونان
وتركيا وموقف مصر المحتمل، وتأثير توافق طرابلس وسرت على الاتفاق في علاقتيهما بالقاهرة.
"مصر تمارس سياسة واقعية"
الباحث والأكاديمي المصري الدكتور محمد الزواوي،
قال: "في حال اعتماد ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا فتظل اتفاقية على
الورق، وفي النهاية مصر تمارس سياسة واقعية، بمعنى أنها تعلم حدود القوة والإمكانيات
في الإقليم، وتعلم أن القوة في يد الأطراف الدولية العظمى من ناحية، ومن ناحية أخرى
بيد الشركات الكبرى التي لديها أدوات الكشف والتنقيب واستخراج غاز شرق المتوسط".
خبير العلاقات الدولية والدراسات الشرق أوسطية،
أوضح في حديثه لـ"عربي21"، أنه "حتى لو تم التوافق على هذه الاتفاقية
وزادت تركيا من حصتها الإقليمية بشرق المتوسط فهي ليست لديها سفن تستطيع التنقيب في
أعماق كبيرة، وليس لديها القدرة على الاستخراج، إذ تظل عمليات الكشف والتنقيب والاستخراج
كلها رهينة لدى شركات كبرى لديها سفن مسح سيزمي قادرة على سبر الأغوار والكشف العميق
وأدوات استخراج من تحت المياه، إضافة إلى التكلفة العالية".
ولذلك ذهب الزواوي، للقول إن "ترسيم الحدود
البحرية بين ليبيا وتركيا، يظل من الناحية الواقعية غير مؤثر على مصر، بالعكس يزيد
من حيثياتها الإقليمية"، موضحا أن "الشركات الكبرى منذ ثمانينيات القرن الماضي،
تعلم بالضبط أماكن الحقول الكبرى، ولو كانت في تلك المنطقة التي سوف تُضَم إلى تركيا
آبار نفط أو غاز كبرى ما كانت تلك الشركات تخلت عنها".
وبين أنه "منذ الثمانينيات، وحتى حين كان
السياسي الأمريكي الراحل ديك تشيني مسؤولا في إحدى تلك الشركات العملاقة -رئيس مجلس
إدارة شركة هاليبرتون (Halliburton) بين 1995 و2000-
جاء إلى مصر لترسيم الحدود البحرية، وتم الاتفاق على الوضع الحالي، وجرى تقاسم الآبار
بهذه الطريقة، ومن ثم دخلت الشركات الكبرى للمنطقة بناء على تلك الاتفاقيات مثل شركة
(إيني) الإيطالية وغيرها، وكان لديها أدوات الكشف والتنقيب والاستخراج".
المحاضر بجامعة "سكاريا"، التركية،
لفت إلى أنه في هذا الملف "تنظر مصر بواقعية شديدة إلى حدود قوتها وحدود قدرتها
على الاستكشاف والتنقيب والاستخراج؛ ومن ثم فإن هذه الخريطة الجديدة لن تؤثر على العلاقات
المصرية التركية على الإطلاق، بالعكس فمصر قد تستفيد، وهي تعلم أنه لن تُقدِم شركات
أجنبية عملاقة للتنقيب في المناطق التي أضيفت أو على الفرض أنها أضيفت إلى تركيا، ومن
ثم يبقى الوضع كما هو في يد الدول والشركات الكبرى".
خسائر الرفض ومعضلة الإذعان
وأشار إلى أن "مصر رأت أن تقوم بحل وسط،
بأن تتنازل عن بعض أراضيها البحرية في مقابل أن تضم آبارا كبرى لحصتها، ومن ثم السماح
للشركات الكبرى للتنقيب عن النفط والغاز دون عوائق"، ملمحا إلى أن "ما تم
يبدو أنه عبارة عن مقايضة وإن لم تقبل حينها بهذا الترسيم فلم تكن لتأتي الشركات الكبرى
لك للاستكشاف والتنقيب والاستخراج".
ووصف الأكاديمي المصري تلك الاتفاقيات بـ"اتفاقيات
إذعان"، ملمحا كذلك إلى ضعف المردود الفعلي على مصر، مبينا أن "الشركات الكبرى
تأخذ مبالغ طائلة عن الاستخراج؛ حيث تسترد أولا مصاريف التشغيل، ثم بعد ذلك تقوم بإعادة
توزيع حصص النفط والغاز المستخرج لتأخذ حوالي 50 بالمئة".
وقال إنك "أمام خيار وفي معضلة أن تحصل
على حدود بحرية أكبر لكنك لن تستطيع الاستخراج منها، وأن تذعن وتقبل المقايضة وفي النهاية
تقبل بالحصة الأصغر في مقابل أن تستطيع استخراج الثروات الطاقوية الموجودة في المنطقة
بالتعاون مع الشركات الكبرى".
وخلص في نهاية حديثه إلى التأكيد على أن
"هذه الخريطة الجديدة لن تؤثر على العلاقات المصرية التركية، بالنظر إلى أن تركيا
لن تستفيد من ذلك، كما أن علاقات البلدين وصلت مرحلة استراتيجية ودخلت مرحلة التصنيع
العسكري المشترك، وخلافه، في تطور ماض في طريقه لن تؤثر عليه تلك الاتفاقية".
اختبار ضغط حقيقي
وفي تقدير، الكاتب الصحفي والمحلل السياسي المصري
إلهامي المليجي، فإن "اعتماد مجلس النواب الليبي الاتفاقية يمثل اختبار ضغط حقيقي
للعلاقات المصرية التركية، لكنه لا يعني بالضرورة عودتها تلقائيًا لمرحلة القطيعة والعداء؛
فعلاقات البلدين أصبحت محكومة بشبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية،
إلا أن ذلك لا يلغي أن الاتفاقية تمس واحدًا من أكثر ملفات الأمن القومي المصري حساسية".
وفي حديثه لـ"عربي21"، توقع
"ألا يتوقف الرد المصري عند بيان الخارجية، وإنما يمتد إلى تحرك قانوني ودبلوماسي
لدى الأمم المتحدة، وتعزيز التنسيق مع اليونان وقبرص، واستخدام قنوات الاتصال المباشر
مع أنقرة لإبلاغها بأن المصالحة لا تعني قبول المساس بالحقوق البحرية المصرية، وقد
تلجأ القاهرة كذلك لتكثيف أنشطة البحث والاستكشاف وإعلان مناطق الامتياز داخل حدودها
البحرية؛ لتثبيت حقوقها بالممارسة إلى جانب الموقف القانوني".
ويرى أن "التساؤل عن رفض مصر اتفاقية يقال
إنها تمنحها مساحة بحرية أكبر، فينطلق من فرضية تحتاج إلى تصحيح؛ الاتفاقية التركية
الليبية لا تمنح مصر أي مساحة؛ فمصر ليست طرفًا فيها، وما يجري ترويجه يتعلق بتصور
تركي لاتفاق افتراضي بين القاهرة وأنقرة قد يمنح مصر مساحة حسابية أكبر إذا جرى تجاهل
الأثر الكامل لبعض الجزر اليونانية".
الحق القابل للحماية والاستثمار
ويعتقد الصحفي المصري، أن "الدول لا تقيس
مكاسبها بعدد الكيلومترات الملونة على خريطة أحادية، وإنما بحق قانوني قابل للحماية
والاستثمار، ولا تستطيع أي دولة أن تربح مساحة بحرية على حساب حقوق دولة ثالثة ثم تتوقع
أن تصبح تلك المساحة آمنة للتنقيب والاستثمار، فشركات الطاقة الكبرى لن تضخ ملياراتها
في منطقة متنازع عليها وقابلة للاشتعال".
وأكد أن "الموقف المصري لا تحكمه المساحة
وحدها، بل احترام القانون الدولي، واستقرار شرق المتوسط، والالتزامات القائمة مع اليونان
وقبرص، وعدم السماح بإعادة رسم الحدود البحرية من خلال سياسة الأمر الواقع".
ولفت إلى أن "الاتفاق المصري اليوناني الموقع
عام 2020 قائم ونافذ، ولا يحتاج إلى (تفعيل) جديد؛ لكن القاهرة وأثينا تستطيعان استكمال
ترسيم المناطق التي لم يشملها الاتفاق الجزئي، وتسريع التعاون في الاستكشاف والطاقة،
وإيداع أي وثائق أو إحداثيات إضافية لدى الأمم المتحدة، بما يعزز المركز القانوني للدولتين".
حجم الأزمة واحتمالات التصعيد
ولا يظن المليجي، أن "الأزمة ستقود في المدى
القريب إلى صدام عسكري شامل بين تركيا واليونان؛ والاحتمال الأكبر تصعيد دبلوماسي وقانوني،
ترافقه استعراضات بحرية ورسائل ردع متبادلة؛ لكن خطر الاحتكاك الميداني يظل قائمًا
إذا أرسلت تركيا سفن تنقيب مصحوبة بقطع عسكرية إلى مناطق تعتبرها اليونان واقعة ضمن
صلاحيتها البحرية".
"في هذه الحالة، ستقف مصر سياسيًا وقانونيًا إلى
جانب حقوقها واتفاقاتها، لكنها لن تندفع إلى مواجهة عسكرية لا تخص مياهها مباشرة، ويتغير
هذا التقدير بالطبع إذا وقع اعتداء على المنطقة الاقتصادية المصرية أو جرت محاولة فعلية
لفرض نشاط داخلها؛ فعندئذ يصبح الدفاع عن الحقوق المصرية أمرًا سياديًا لا يقبل المساومة"،
وفق رؤية الكاتب.
وبالنسبة إلى العلاقات مع أنقرة، توقع
"أزمة ثقة وتباطؤًا محتملًا في بعض مسارات التعاون السياسي والعسكري، وليس انهيارًا
كاملًا للمصالحة؛ فالقاهرة ستفصل، بقدر الإمكان، بين التعاون الاقتصادي وبين الخلاف
البحري، لكنها ستربط مستقبل التعاون الاستراتيجي بسلوك تركيا الفعلي: هل ستكتفي بالتصديق
السياسي، أم ستنتقل إلى فرض الاتفاق بالسفن وعمليات التنقيب؟".
وقال إن "الانتقال إلى التنفيذ الميداني
هو الخط الفاصل بين خلاف يمكن احتواؤه وأزمة تعيد العلاقات خطوات حقيقية إلى الوراء"..
القاهرة وطرابلس.. إلى أين؟
أما علاقات القاهرة بطرابلس، فيعتقد المليجي،
أن "ستتأثر بالتأكيد، لكن القطيعة ليست مرجحة؛ والأكثر إثارة للقلق بالنسبة إلى
مصر أن التصديق جاء هذه المرة من مجلس النواب في الشرق، المتحالف مع المشير خليفة حفتر،
بعدما ظل سنوات يرفض الاتفاق، وهذا يعني أن أنقرة لم تعد تعتمد على حلفائها في غرب
ليبيا وحدهم، بل نجحت في مد نفوذها إلى الشرق أيضًا".
ويرى أنه "لذلك، ينبغي ألا تختزل مصر علاقاتها
الليبية في حكومة طرابلس أو في حفتر وأسرته، بل توسع اتصالها بكل مؤسسات الدولة والقبائل
والقوى السياسية والعسكرية؛ وعلى الأطراف الليبية أن تدرك أن تحسين علاقاتها بتركيا
حق لها، لكن ليس من حقها إبرام اتفاقات تمس حقوق مصر أو حقوق دول الجوار".
وخلص للتأكيد على أن "الاتفاقية لن تهدم
المصالحة المصرية التركية فورًا، لكنها وضعتها أمام أول اختبار استراتيجي شديد الجدية،
وإذا لم تدرك أنقرة أن المصالحة لا تمنحها تفويضًا مفتوحًا في ليبيا وشرق المتوسط،
فقد تكتشف أن ما بنته مع القاهرة خلال السنوات الأخيرة يمكن أن يتآكل بسرعة".
وختم قائلا إن "المصافحة تستطيع إنهاء الخصومة،
لكنها لا تلغي الجغرافيا ولا تمحو الحقوق السيادية".