احتجاجات أوروبا.. انتفاضة شعبية هل تتحول إلى حراك سياسي؟!

ماهر حجازي
"أوروبا اليوم أمام امتحان حقيقي "- الأناضول
"أوروبا اليوم أمام امتحان حقيقي "- الأناضول
شارك الخبر
حالة من التحول في طبيعة التظاهرات التي تشهدها مجموعة من الدول الأوروبية خلال الأسابيع الأخيرة، بدأت بالتشكل والانتقال من مرحلة المطالب المرتبطة بالحياة والواقع الاقتصادي للمواطن الأوروبي؛ إلى نوع من الحراك السياسي المرتبط بحجم رد الفعل من الحكومات الأوروبية التي بدأت في بعض الدول بالاستعانة بالجيش للسيطرة على هذه الاحتجاجات.

فرنسا تعد من أوائل الدول الأوروبية التي انطلقت فيها الحركة الاحتجاجية في 17 أيلول/ سبتمبر 2026، بتظاهرات طلابية بسبب نقص المعلمين وتدهور ظروف التعليم ثم اتسعت للمطالبة بتحسين ظروف المعيشة في البلاد، ثم انتقلت عدوى الاحتجاجات إلى إسبانيا وبلجيكا والبرتغال وألبانيا وإيطاليا.

وعلى الرغم من تنوع المطالب التي توزعت ما بين أزمة السكن وارتفاع الإيجارات وانخفاض الأجور وغلاء المعيشة وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية والتكاليف الدراسية وتدهور قطاع التعليم والخدمات العامة، إلا أن كل هذه الأسباب مرتبطة بشكل مباشر بارتفاع أسعار الطاقة دوليا، والذي انعكس على مختلف نواحي المعيشة عالميا وفي أوروبا على وجه الخصوص.

على الرغم من تنوع المطالب التي توزعت ما بين أزمة السكن وارتفاع الإيجارات وانخفاض الأجور وغلاء المعيشة وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية والتكاليف الدراسية وتدهور قطاع التعليم والخدمات العامة، إلا أن كل هذه الأسباب مرتبطة بشكل مباشر بارتفاع أسعار الطاقة دوليا

واللافت أن الاحتجاجات لم تعد مظاهرات متفرقة بسبب غلاء المعيشة، بل بدأت تنتقل إلى حالة تمرد سياسي ينذر بأزمة سياسية وأمنية أوروبية قابلة للانتقال إلى دول أخرى في الاتحاد الأوروبي، خاصة إن أصبحت أكثر تنظيما على مستوى الدولة الواحدة أو امتدت إلى حركة ثورية وحالة تنسيق بين الدول الأوروبية، في ظل لجوء الحكومات الأوروبية إلى الاستعانة بالقوات العسكرية للسيطرة على التظاهرات في الشوارع.

حتى هذه اللحظة لا زالت الحكومات الأوروبية تتعامل مع الاحتجاجات في إطار داخلي، من خلال خطوات أمنية بتعزيز حضور الجيش والشرطة، وفرض حظر التجوال في المدن وفرض قيود على التجمعات واعتقالات وتفكيك خيام الاعتصامات. بالتالي ربما تشكل هذه الخطوات للحكومات الأوروبية عاملا يساهم في تعزيز الاحتجاجات وانتقالها من حالة الشعوبية إلى التأثير السياسي الفعال والمطالبة بإسقاط الحكومات، وهنا تصبح ذات تأثير مباشر، تماما كما هو متوقع في الانتخابات البرلمانية المرتقبة في صربيا وتزايد المخاوف من اضطرابات مرتبطة بنتائج الانتخابات.

لكن في المقابل فإن تعامل الحكومات الأوروبية مع هذه الاحتجاجات الشعبية في إطار أنها حالة من العنف والتخريب والفوضى، بالإضافة إلى مشاهد المواجهات بين الشرطة والمحتجين وحالات تكسير ونهب المحال والمراكز التجارية في بعض الحالات، قد يدعم الرواية الرسمية ويحد من تأثير هذه الاحتجاجات ويساهم في عزوف شرائح من المجتمع الأوروبي عن الانضمام إلى هذه التحركات في الشوارع الأوروبية.

كما أن ربط الحكومات الأوروبية هذه الاحتجاجات بالمهاجرين وأنها ليست من المواطن الأوروبي الأصلي، يفرغ هذه التحركات من مضمونها بوصفها حركة غريبة ومنشقة عن المجتمع الأوروبي، وهذه الخطوة ستلقى دعما من اليمين المتطرف الصاعد أوروبيا، لتشكيل حالة مواجهة شعبية-شعبية بين من يؤيد هذه الاحتجاجات ومن يعارضها، على الرغم أن الجميع متضرر من غلاء المعيشة وتدهور الخدمات.

لكن ما هي العوامل التي أوصلت أوروبا إلى مرحلة الانتفاضة الشعبية ضد الغلاء وضعف الخدمات مع احتمالية تحولها لحراك سياسي، والتي ترتبط بشكل مباشر بارتفاع أسعار الطاقة دوليا؛ التي كان لها تأثير على مختلف جوانب الوضع المعيشي والاقتصادي، وفي ظل المخاوف الحقيقية بانتقال عدوى التظاهرات إلى دول أوروبية أخرى؟

العامل الأول يتعلق بتأثيرات أزمة كورنا، التي كان لها انعكاس واضح وربما محدود إلى حد ما لكن لا تزال تأثيراته ممتدة على مدار السنوات الأخيرة.

أما العامل الثاني فيتعلق بالحرب الروسية الأوكرانية وما ولدته من أزمة على مستوى الطاقة وارتفاع أسعار الغاز الذي تستخدمه أوروبا بعد استغنائها عن الغاز الروسي، وانعكاس ذلك على أسعار الوقود والسلع الغذائية وغيرها. وعلى الرغم من الدعم المالي الذي وفره الاتحاد الأوروبي لمواطنيه في دعم أسعار الطاقة، لكن هذه الإجراءات لم تنجح في مساندة جيب المواطن الأوروبي من تأثير استمرار الحرب الروسية الأوكرانية.

والعامل الثالث يتعلق بحرب الإبادة الإسرائيلية ضد قطاع غزة المتواصلة للعام الثالث، والتي تشكل ضغطا على الحكومات الأوروبية من خلال حركة الإسناد الأوروبية لغزة والضغط على صانع القرار الأوروبي لوقف الشراكة الاقتصادية مع إسرائيل، وحركة المقاطعة المتصاعدة في القارة للاستيراد والتصدير العسكري والتجاري، مما خلق أزمة للحكومات الأوروبية بأنها شريكة في الإبادة وكانت عبئا على أداء الدول الأوروبية على الصعيد الداخلي والدولي.

والعامل الرابع مرتبط بما خلفته حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة من اتساع دائرة الصراع وصولا إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية من جهة وإيران من جهة أخرى، واختزال هذه الحرب من إنهاء للنظام والملف النووي الإيراني، إلى معركة كسر عظم أمريكية إيرانية حول مضيق هرمز، وما خلف ذلك من تفاقم أزمة الطاقة عالميا، وفي ظل غياب دور أوروبي فاعل في إنهاء أزمة مضيق هرمز.

الاتحاد الأوروبي أن يستعيد حضوره السياسي الفاعل أمام التهميش الأمريكي ومحاولات الرئيس ترامب تغييب أوروبا عن أي دور

لذلك أوروبا اليوم أمام امتحان حقيقي في ظل استمرار هذه العوامل مجتمعة، ففي الحرب الروسية الأوكرانية على الاتحاد الأوروبي أن يستعيد حضوره السياسي الفاعل أمام التهميش الأمريكي ومحاولات الرئيس ترامب تغييب أوروبا عن أي دور في إنهاء هذه الحرب، بما يضمن لأوروبا استعادة زمام المبادرة لإنهاء الحرب، في مقابل استمرارها وما يعنيه ذلك من المزيد من الدعم الأوروبي العسكري والمالي لأوكرانيا، وكذلك الأزمة الاقتصادية المتفاقمة التي تسبب بها النازحون الأوكرانيون إلى الدول الأوروبية، بالتالي من الأفضل للحكومات الأوروبية أن يوجه هذا الدعم المالي الكبير لجيوب مواطنيها.

كما يفترض بأوروبا أن تمارس دورا أكبر وأن تطرح حلولا ومبادرات لإنهاء الحرب الإسرائيلية ضد قطاع غزة، مما يساهم في تخفيف حراك الشارع الأوروبي المساند لغزة، ويرفع جزءاً من الضغوط الداخلية على الحكومات الأوروبية بحيث يساهم ذلك في استعادة قدرت الحكومات الأوروبية على التفرغ لإدارة أزماتها الداخلية.

ومن مصلحة أوروبا أن يكون لها دور سياسي في إنهاء أزمة مضيق هرمز وتسحب البساط من تحت الإدارة الأمريكية التي تتفرد في إدارة الصراع مع إيران، كأن يطرح الاتحاد الأوروبي مبادرات ووساطات تحقق بها المصالح الإيرانية وتضمن تدفق النفط عبر مضيق هرمز، وتضع الرئيس ترامب في زاوية قبول إنهاء حالة الصراع المجمد على هرمز، وتحقق أوروبا بذلك انخفاض أسعار الطاقة دوليا.

بالتالي، بقاء أوروبا بعيدة عن التأثير السياسي في إنهاء العوامل السابقة سيفاقم من الأزمة الأوروبية الداخلية على صعيد هذه الاحتجاجات الشعبية، والتي ستتحول بسرعة إلى حالة سياسية موحدة تضرب جميع دول الاتحاد الأوروبي.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل