هندسة الوعي (39): استراتيجية الشعارات البراقة.. النظام المصري بين استغاثات غزة وتوجيهات ولي العهد

مصطفى خضري
"القصة باختصار لم تكن دفاعاً عن مقدسات أو استجابة لنداء العروبة، بل كانت إدارة لصفقة محكومة بتبدل المصالح وشروط البقاء المالي"- إكس
"القصة باختصار لم تكن دفاعاً عن مقدسات أو استجابة لنداء العروبة، بل كانت إدارة لصفقة محكومة بتبدل المصالح وشروط البقاء المالي"- إكس
شارك الخبر
في تشرين الأول/ أكتوبر 2026، وبينما كانت غزة تُقصف، كان المشهد الرسمي في القاهرة مختلفاً تماماً. فقد عقد السيسي اجتماعاً لمجلس الدفاع الوطني، داعياً إلى تقديم كافة أشكال الدعم للمملكة العربية السعودية. ثم دعا مجلس النواب إلى جلسة طارئة لمنحه تفويضاً برلمانياً، وإرسال قوات عسكرية إلى السعودية في مهمة دفاعية. وتحركت الشعارات الكبرى على ألسنة السياسيين والإعلاميين المؤيدين للسيسي: الوطنية؛ إذ أمن المملكة يرتبط بالأمن القومي المصري، والعروبة؛ فمساندة السعودية واجب قومي، والإسلام؛ دفاعاً عن المقدسات في بلاد الحرمين.

لكن السؤال الجوهري الذي يلحّ عليّ هنا ليس: لماذا تتحرك مصر لدعم السعودية؟ فذاك شأن يقع في دائرته السيادية؛ بل الهاجس الحقيقي هو: لماذا تحركت هذه الشعارات نفسها في سياق، ثم خبت وولت في سياق آخر؟ لماذا عُقدت الجلسات الطارئة، وصيغت التفويضات المغلظة، بينما كان الأطفال في غزة يُبادون على مرمى حجر من الحدود المصرية، فلم يُستدعَ البرلمان، ولم يرتفع صوت بطلب تفويض عسكري لنصرتهم؟

تلك هي الإشكالية التي أزمع التوقف عندها في طيات هذه الحلقة؛ لا لكي أخوض في مهاترات السياسة ومناوراتها، فهذا ليس مرامي، وإنما لكي نتملى بتبصر: ما كُنه تلك الشعارات البراقة؟ وكيف تنشط آلياتها في وجدان الناس؟ وبأي سبل تُوظّف لتوجيه البوصلة الذهنية، وإسكات كل صوت يعترض، وتغطية عورات الصمت المطبق على استباحة الأرض والعِرض والمقدسات؟

ما كُنه تلك الشعارات البراقة؟ وكيف تنشط آلياتها في وجدان الناس؟ وبأي سبل تُوظّف لتوجيه البوصلة الذهنية، وإسكات كل صوت يعترض، وتغطية عورات الصمت المطبق على استباحة الأرض والعِرض والمقدسات؟

الشعار البراق، في جوهره، ليس سوى قالب لغوي محكم الصنع لا يملك أحد كائناً من كان أن يقف ضده، لأن مجرد التحفظ عليه يُقرأ وكأن المرء يرفض الأصل القيمي الذي يتترس خلفه. فمن ذا الذي يجترئ على معاداة السلام؟ ومن يقوى على مناهضة الحرية أو حقوق الإنسان؟ ومن يجرؤ على الاصطفاف ضد الوطنية، أو العروبة، أو الإسلام؟ وهنا تحديداً يكمن المحذور؛ إذ لا يكمن الخطر في الشعار بذاته، بل في قدرته الخبيثة على حجب الرؤية واجتثاث أي محاولة للحوار أو المراجعة.

حين تُلبس السياسات ثوب الاعتدال المزعوم، فمن ذا الذي يملك شجاعة المثول ليقول علانية: أنا ضد الاعتدال؟ وحين يُستحضر عنوان محاربة الإرهاب، فمن يرفع يده صارخاً: أنا في صف الإرهاب؟ وحين تتصدر راية حقوق الإنسان، فمن ذا الذي يجرؤ على المجاهرة برفضها؟ هكذا يُوصد باب النقاش بإحكام قبل أن يشرع؛ لا لأن العقول قد اقتنعت وانقادت، بل لأن لغة الاعتراض قد جُردت من أصحابها. والفرق شاسع بين من يصمت عن قناعة ورضا، وبين من يخرس لأنه عجز عن العثور على الحرف الذي يواجه به الباطل المستتر.

وليس هذا النهج وليد صدفة عابرة أو مبتدعاً في دوائر الوعي المعاصر؛ بل إنه يضرب جذوره في التاريخ الأول للصراع على عقول الأمة. ولعل الذاكرة تسعفنا بأن أقدم من أشهر هذه الحيلة في تاريخنا الإسلامي -أو على الأقل من انكشفت سوءته فيها- هم الخوارج؛ حين وقفوا في وجه الإمام علي بن أبي طالب رافعين شعاراً لا مجال لمسلم في رده: لا حكم إلا لله. وهي عبارة حق ساطعة لا يشوبها باطل، لكن المراد منها كان هو الفتنة؛ فكانت -كما وصفها الإمام بدقة بالغة- كلمة حق أريد بها باطل، استهدفوا بها إسقاط الخلافة وتكفير المخالف واستباحة المحارم، فجاء الشعار براقاً يخدع الأعين، وما تحته سوى مروق صريح عن الملة.

ولم يقتصر التترس بهذا المنطق على الشقاق الداخلي، بل امتد ليتخذ أبعاداً دولية واستعمارية؛ فحين وطئت أقدام الصليبيين أرضنا لم يرفعوا لافتة الاحتلال، بل تذرعوا بتحرير القبر المقدس. وحين توغل الأوروبيون في تخوم أفريقيا وآسيا، لم يعترفوا بسلب الثروات، بل ادعوا نشر الحضارة التي سمتها فرنسا مهمة التمدين وبريطانيا عبء الرجل الأبيض. وحين تقاسمت الإمبراطوريات خرائط المنطقة، ألبسوا غنائمهم ثوب مبدأ تقرير المصير الذي نادى به الرئيس الأمريكي ويلسون.

وهكذا، يتبدل الغلاف عبر العصور ويبقى الجوهر: إخفاء المصلحة الدنيوية تحت عباءة المبدأ السامي، وتقديم النوايا وكأنها غايات مقدسة، ثم حظر النقاش بسياج من الشعارات التي يحرم المساس بها.

ولم يكن هذا غائباً عن الذين درسوا آليات الدعاية. ففي عام 1937، تأسس في الولايات المتحدة معهد تحليل الدعاية، وهو هيئة ضمت علماء اجتماع ومؤرخين وصحفيين. ولم يكن هدف المعهد مهاجمة الدعاية، وإنما تعليم الناس كيف يفكرون، لا ماذا يفكرون. وقد أصدر المعهد في نشرته الشهرية الثانية قائمة بسبع أدوات للدعاية، عُرفت بأدوات الكلمات السبع، وهي: التسمية، والتعميمات البراقة، والنقل، والشهادة، والرجل البسيط، وتراكم البطاقات، والعربة.

ثم أصدر كتابه الأساسي عام 1939 بعنوان: الفن الرفيع للدعاية، شرح فيه هذه الأدوات السبع واحدة واحدة، بأمثلة من الحياة العامة. وفي قلب هذه القائمة، وضع المعهد أداة سماها التعميمات البراقة. وعرّفها بأنها كلمات فضفاضة وجذابة للغاية تحمل قيماً إيجابية لربط فكرة أو شخص بها، دون تقديم أي خطة أو تفاصيل حقيقية. ثم أورد أمثلة لها: الحقيقة، والحرية، والشرف، والعدالة الاجتماعية، والخدمة العامة، والتقدم، والديمقراطية، والولاء.

 فأنت لا تستطيع أن تقف أمام أي منها وتقول: لان لأن لا أحد يقف ضد الحقيقة، ولا ضد الحرية، ولا ضد العدالة. وهكذا يُربط البرنامج بالفضيلة، فتصبح معارضة البرنامج معارضة للفضيلة نفسها.

ولم تكن هذه الأدوات السبع بنت يومها، فقد سبقها جيل من الباحثين الذين درسوا كيف تُصنع الصورة الذهنية. ففي عام 1922، نشر والتر ليبمان كتابه الرأي العام، وقال فيه إن الناس لا يتعاملون مع الواقع مباشرة، وإنما مع صور في رؤوسهم. وفي عام 1927، نشر هارولد لاسويل كتابه "تقنية الدعاية في الحرب العالمية"، وحلل فيه كيف استخدمت الدول الكبرى الكلمة والرمز في الحرب. وفي عام 1928، نشر إدوارد بيرنايز كتابه "الدعاية"، ودعا فيه إلى هندسة الموافقة، أي صناعة القرار العام من الخارج. ثم جاء معهد تحليل الدعاية في 1937، ليضع هذه الأفكار في قائمة عملية، تُعلَّم للناس، وتُكشف بها الأساليب. وقد تحولت هذه القائمة بعد ذلك إلى مرجع في دراسة الدعاية، وتبنّاها باحثون في أوروبا وأمريكا، وأُدخلت في مناهج الإعلام، وصار مصطلح التعميمات البراقة يُستخدم في تحليل الخطاب السياسي حتى اليوم.

ولكن، لنسأل بوضوح: أين يقف الشعار إن ما قارناه بالمصطلح؟ لقد وقفنا في محطة سابقة أمام استراتيجية "المصطلحات" بوصفها نحتاً لغوياً يغيّر الهوية الدلالية للشيء القائم؛ أما الشعار البراق فنمط مغاير تماماً؛ إذ إنه لا يستبدل اسماً بآخر، بل يخلق مظلة لامعة فوق واقع مهترئ. المصطلح يُنحت في صمت، بينما الشعار يتبختر في العلن. ومن أبرز ملامح نجاحه الفوري أنه يخاطب الوجدان لا العقول، ويلغي التفكير النقدي، ويخفي الآليات خلف العناوين العريضة، منتجاً في نهاية المطاف حالة من التوافق الوهمي الذي يتهاوى ساعة الحقيقة والتنفيذ.

ولعلنا نلمس النموذج الأشد فجاجة على انتقائية هذه الشعارات في واقعنا الماثل؛ ففي تشرين الأول/ أكتوبر 2026، هبت رياح الشعارات الثلاثة -الوطنية، والعروبة، والإسلام- لتسوق السيسي نحو منح تفويض عسكري بدعوى حماية أمن السعودية. وما لبث الأمر أن تجاوز قبة البرلمان إلى ما هو أدهى وأمرّ؛ إذ كشف المشهد عن زحزحة مقلقة في مفهوم السيادة الوطنية ذاته.

ففي حفل تخرج الأكاديمية العسكرية، طالعتنا عبارات نطق بها السيسي لا يمكن لأذن واعية أن تمر عليها مرور الكرام حين قال بوضوح: "طبقاً لتوجيهات جلالة الملك سلمان وتوجيهات ولي العهد محمد بن سلمان، سننفذ أي إجراء لحمايتكم.. أو الدفاع عنكم". وهي عبارة، إذا تأملناها بإنصاف، تقف بنا على حافة ذهول حقيقي؛ فالمتحدث هنا ليس حليفاً نداً يخاطب شريكه، بل هو طرف يتلقى الإشارة وينتظر الأمر. والمسافة بين مفهوم الحليف ومفهوم التابع ليست هيّنة، بل هي الفيصل بين دول تحفظ كرامتها ودول تستجيب للإملاءات الخارجية.

وحين يحاول البعض تسويغ ذلك في إطار اللياقة الدبلوماسية، فإننا نقول بمرارة إن المجاملات لا ترتقي أبداً إلى مرتبة التعهد المطلق بتنفيذ أي إجراء بأوامر الغير؛ فاللغة المنطوقة هنا لا تحمل سوى دلالات التبعية الصريحة.

والمؤسف حقاً أن هذا الحرص الطائع لم يُصرف البتة نحو القضايا التي تمس صميم الكرامة القومية؛ فلم نسمع قط التعهد ذاته موجهاً لأهلنا المستغيثين في فلسطين، ولم يُعلن استعداده لحماية دماء أطفال غزة. لقد سُخّرت هذه الجاهزية لمن يملك خزائن المال، وغابت عمن يملك الحق وعدالة القضية.

هنا ينجلي المشهد بكل تعقيداته؛ فالنظام الذي يُظهر طاعة عمياء في الإقليم، يمارس عنفاً وصلابة مفرطة في الداخل. وكأن قواعد اللعبة تقضي بأن تُصاغ لغة الخارج على مقاس من يملك السيف والمال، بينما يُطحن الداخل على مقاس من يحتكر السلطة.

ولا غرابة في ذلك؛ فالتاريخ علّمنا أن كل سلطة تفتقر إلى سندها الشعبي والشرعي في الداخل، تهرع طائعة لالتماس الشرعية من عواصم الخارج، وحين يوضع القائد أمام خيار مفصلي بين رعاية حقوق شعبه أو حفظ رضا مموليه، فإنه يختار الأخيرة حتماً، لا لأنه يجهل الحق، بل لأن البقاء السياسي بات معلقاً بها. ومن هنا، فإن تلك العبارات الصريحة لم تكن زلة لسان، بل كانت إقراراً علنياً بأن قرار رأس النظام يقع تحت الهيمنة الخارجية، وأن الجندي المصري بات مهيئاً للتحرك بأوامر وافدة من ورائها أجنداتها.

وعلى إثر ذلك، تداعت الخطوات الدستورية والشكلية لتضفي مسحة من الشرعية على هذا التوجه؛ فالتأم مجلس الدفاع الوطني ليقرر السير في طريق الدعم المشروط، وتوجّه البرلمان لعقد جلسة طارئة للمنح والرفض، وسط أجواء ملبدة بالتخبط وصراع الأجنحة الخفية بين دوائر القرار. وفي غمرة هذه التحركات، كانت كواليس التفاوض المالي تدور على قدم وساق؛ حيث جرى ربط التجديد المرتقب لوديعة خليجية بقيمة 5.3 مليار دولار بمصير تلك القرارات السيادية، وكأن الأوطان قد تحولت بقدرة قادر إلى سلع تُباع وتُشترى في مزاد المديونية المزمنة.

هكذا يتبدى التناقض الفادح؛ ففي قاعة البرلمان ترتفع أصوات الشعارات البراقة عن السيادة والعروبة والإسلام، وفي الغرف المغلقة تدار مساومة الأرقام وشروط التجديد. والشعارات هنا ليست سوى غطاء خفيف يُراد به ستر عورة المصالح الضيقة لدفة الحكم.

إن المتأمل في واقعنا الاقتصادي المأزوم، وما يعانيه من شح العملة وعجز الموازنة، يدرك تماماً أن هذه الودائع ليست مجرد أرقام في الدفاتر المحاسبية، بل هي شريان الحياة الذي يعتاش عليه النظام لضمان بقائه. وحين يحل موعد سدادها، تصبح كل الأوراق الوطنية، بل وحتى السيادة، قابلة للتداول في بورصة المساومة.

هكذا يتبدى التناقض الفادح؛ ففي قاعة البرلمان ترتفع أصوات الشعارات البراقة عن السيادة والعروبة والإسلام، وفي الغرف المغلقة تدار مساومة الأرقام وشروط التجديد. والشعارات هنا ليست سوى غطاء خفيف يُراد به ستر عورة المصالح الضيقة لدفة الحكم.

ولكي تتضح الصورة بأبعادها الإقليمية، لا بد أن نتذكر كيف سارت ركاب السياسة في المحطات السابقة؛ ففي شباط/فبراير، حين استهدفت الضربات منشآت النفط السعودية وغاب الضامن الأمريكي الفعلي، أدرك أهل الخليج أن مظلة الحماية التقليدية قد تآكلت، وأن واشنطن لم تعد مستعدة لخوض حروب بالنيابة عنهم. ثم تلت ذلك محاولات إقليمية لتشكيل محاور وتحالفات بعيدة عن القاهرة في آب/أغسطس، قبل أن تدرك الرياض عجز الشركاء الجدد وتعود للبحث عن الجيش المصري الكبير في أيلول/سبتمبر، لتكتمل فصول الصفقة في تشرين الأول/أكتوبر حين توافقت مصالح الحاجة السعودية مع رغبة النظام المصري في التمويل.

فالقصة باختصار لم تكن دفاعاً عن مقدسات أو استجابة لنداء العروبة، بل كانت إدارة لصفقة محكومة بتبدل المصالح وشروط البقاء المالي.

وتظل المفارقة المؤلمة قائمة؛ فالجيش الذي استنفر تلبية لتوجيهات الخارج، ترك استغاثات أهل غزة تضيع في الهواء، بلا نصير ولا ظهير. وحين يتشدق المتشدقون بأن الحسابات الإقليمية تفرض حفظ الأمن القومي، فإننا نقف لنتساءل بمرارة واجباً مشروعاً: أي أمن قومي يعنونه؟ أهو أمن الكرسي والنخبة الحاكمة، أم أمن الأمة وملايين المستضعفين على الحدود؟ فالتاريخ لا يُخدع، والجمهور الذي يُكابل بالشعارات يمتلك اليوم من أدوات الوعي الرقمي والذاكرة الإلكترونية ما يجعله قادراً على تفكيك التناقض الفاضح بين ما يُقال في العلن وما يُدبر في السر، في ثوان معدودات.

إن أخطر ما تفعله هذه الممارسات لا يقف عند حدود تزييف الحقائق السياسية، بل يتعداه إلى جريمة أشنع تتمثل في تجريف المعنى وإفراغ الكلمات الكبرى من محتواها الإنساني والأخلاقي، حتى لا يعد يثق مواطن بكلمة حاكم ولا بإعلام ولا بخطاب رسمي، وهو الخواء الروحي والفكري الذي يمهد حتماً لخراب الديار.

وحسبنا هنا أن نتدبر بوعي بصير قول الله تعالى: "وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ". فالآية الكريمة لا تحذرنا فقط من الكذب السافر، بل تنذرنا من خطيئة خلط الحق بالباطل ولبس المسوح المزيفة، وهو بالضبط ما تفعله تلك الشعارات البراقة حين تُستنفر لتبرير الخذلان وتمرير الهوى، وكأن أصحابها يعلمون الحقيقة لكنهم يؤثرون عليها مصالحهم الذاتية على حساب مقدرات الأمة ومستقبلها.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)