هذا الموقع يستخدم ملف تعريف الارتباط Cookie
أعاد رئيس مجلس النواب الأردني الأسبق عبد الكريم الدغمي الجدل بشأن مستقبل قانون الانتخاب في المملكة، بعدما دعا صراحة إلى العودة لنظام "الصوت الواحد"، الذي سبق أن طالب بالتخلص منه نهائيا، في تحول لافت يتزامن مع نقاشات سياسية بشأن مسار التحديث الحزبي والانتخابي، ومخاوف من إجراء تعديلات قد تؤثر على تمثيل الإسلاميين في البرلمان.
وتكتسب دعوة الدغمي أهميتها من أنها لا تأتي من معارض تاريخي للتوسع في التمثيل الحزبي، بل من شخصية برلمانية سبق أن دافعت عن إلغاء نظام الصوت الواحد واعتماد صيغ انتخابية تسمح بالتحالف بين القوى السياسية والاجتماعية، قبل أن تعلن تراجعها عن ذلك الموقف بعد تجربة الانتخابات النيابية الأخيرة.
وفي مقال نشرته وكالة "عمون"، الخميس 15 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، بعنوان "حضرت الأحزاب.. وغابت الحياة الحزبية"، قال الدغمي إنه كان من أوائل المطالبين بجعل الانتخابات للأحزاب، بهدف تجاوز الحالة الفردية التي هيمنت على أداء المجالس النيابية السابقة.
وأوضح أن الرهان على زيادة التمثيل الحزبي كان يهدف إلى تحويل مجلس النواب من ساحة للمواقف الفردية إلى مؤسسة تقوم على البرامج والقرارات الجماعية، لكنه اعتبر أن استمرار التدخلات في الحياة البرلمانية حال دون تحقيق هذه الغاية.
وكتب الدغمي: "أعود عن تفكيري السابق، وأدعو إلى تغيير الانتخاب بالقانون، وإعادته إلى صيغة الصوت الواحد"، منتقدا ما وصفه باستمرار التدخلات في المؤسسات العامة، وموجها اتهامات لأصحاب النفوذ بالتأثير في التعيينات والحياة البرلمانية.
واللافت أن الدغمي كان قد صرّح في مقابلة مع صحيفة "العرب اليوم" عام 2012، أن نظام الصوتالواحد "يجب أن يدفن في التاريخ وأن ينتهي إلى غير رجعة".
ورأى آنذاك أن النظام الانتخابي الفردي والدوائر الوهمية أسهما في تقسيم المجتمع والعشائر إلى مكونات أصغر، وأضعفا فرص التحالف السياسي والاجتماعي، معتبرا أن الأردن بحاجة إلى قانون يسمح بالتآلف بين الأحزاب والعشائر والقوى المختلفة.
وقبل أيام، تطرق مقال للكاتب الصحفي فهد الخيطان، إلى الفجوة بين تزايد حضور الأحزاب في البرلمان ومحدودية تأثيرها في الحياة العامة.
وأشار الخيطان إلى أن عدد الأحزاب السياسية في الأردن تراجع إلى 30 حزبا، فيما يبلغ عدد المنتسبين إليها نحو 85 ألف شخص، وفق إحصاءات الهيئة المستقلة للانتخاب التي استند إليها، معتبرا أن حضور الأحزاب تحت قبة البرلمان لم ينعكس بالقدر المأمول على نشاطها خارج المجلس.
ودعا الخيطان إلى حوار سياسي تشارك فيه الأحزاب نفسها لتشخيص معوقات التجربة، بدلا من الاكتفاء بالنقاشات التي يقودها الكتاب والمراقبون، وهو طرح اختلفت معه دعوة الدغمي اللاحقة إلى العودة لنظام الصوت الواحد.
ماذا يعني تعديل القانون للإسلاميين؟
ويأتي السجال في ظل نتائج انتخابات مجلس النواب التي أجريت في أيلول/ سبتمبر 2024، وكانت الأولى بعد إقرار قانون الانتخاب المنبثق عن مخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية.
وحصل حزب جبهة العمل الإسلامي، الذي أصبح اسمه "حزب الأمة" في نيسان/ أبريل 2026، على 31 مقعدا من أصل 138 مقعدا، بينها 17 مقعدا في الدائرة العامة الحزبية و14 مقعدا في الدوائر المحلية، متقدما على بقية الأحزاب المشاركة في الانتخابات.
وجعلت هذه النتيجة الحزب، الذي يقود كتلته النيابية صالح العرموطي، أبرز القوى الحزبية المعارضة تحت قبة البرلمان، وأعادت طرح تساؤلات بشأن تأثير أي تغييرات مستقبلية في توزيع المقاعد بين القوائم الوطنية والمحلية على الأحزاب المختلفة، وفي مقدمتها التيار الإسلامي.
وتذهب قراءات سياسية وإعلامية إلى أن تعديل النظام الانتخابي قد يحد من المكاسب التي حققها الإسلاميون في انتخابات 2024، لكن هذه المخاوف لا تمثل دليلا على وجود قرار حكومي باستهداف حزب بعينه، كما لم يعلن الدغمي في مقاله أن دعوته تستهدف الإسلاميين تحديدا.
ويمنح القانون الحالي الناخب صوتين، أحدهما لدائرة محلية والآخر لقائمة حزبية عامة، وخصص 41 مقعدا للأحزاب في انتخابات 2024، بما يعادل نحو 30 بالمئة من مقاعد مجلس النواب.
ووفقا لمسار التحديث السياسي الذي أعلنته الحكومة، يفترض أن ترتفع حصة المقاعد المخصصة للقوائم الحزبية إلى 50 بالمئة في المجلس النيابي التالي، ثم إلى 65 بالمئة في المجلس الذي يليه، بهدف تعزيز العمل السياسي البرامجي والانتقال تدريجيا نحو برلمانات ذات أغلبية حزبية.
التحديث مستمر
وفي مقابل الانتقادات، واصل رئيس مجلس مفوضي الهيئة المستقلة للانتخاب موسى المعايطة التأكيد على ضرورة استمرار التحديث السياسي وتطوير الأحزاب، مع إقراره بوجود أخطاء في الممارسة الحزبية والبرلمانية خلال المرحلة الأولى من التجربة.
وفي تصريحات نشرتها الهيئة في شباط/ فبراير الماضي، اعتبر المعايطة أن الأخطاء التي شهدتها التجربة الديمقراطية الناشئة يجب أن تكون فرصة للمراجعة والتطوير، لا مبررا للتشكيك في فكرة العمل الحزبي نفسها.
وأكد كذلك أن المرحلة المقبلة تتطلب انتقال الأحزاب من التنظيم الشكلي إلى العمل المؤسسي والبرامجي، وتطوير أدائها وقدرتها على إقناع المواطنين، بدلا من الاكتفاء بالهياكل التنظيمية والشعارات العامة.
وفي أيار/ مايو الماضي، وصف المعايطة التحديث السياسي بأنه خيار للدولة الأردنية، مشددا على أهمية نشر الثقافة الحزبية وتوسيع مشاركة الشباب، وعلى دور البرلمان في تطوير الحياة السياسية.
وفي سياق تشريعي مواز، أقرت الحكومة الأردنية في آب/ أغسطس الماضي الأسباب الموجبة لمشروع قانون معدل لقانون الهيئة المستقلة للانتخاب، كما دخل قانون الإدارة المحلية لسنة 2026 ضمن التشريعات الجديدة التي أثارت نقاشات بشأن أساليب تشكيل المجالس المحلية وصلاحياتها.
غير أن مشروع تعديل قانون الهيئة المستقلة للانتخاب يختلف عن تعديل قانون انتخاب مجلس النواب، ولم يُعلن حتى الآن مشروع حكومي جديد يتضمن العودة إلى الصوت الواحد، وفقا لما توفر من بيانات رسمية منشورة.