بالتزامن مع الانقسامات
الإسرائيلية الداخلية بين اليهود أنفسهم، تزداد حملات التحريض على فلسطينيي 48 على مدار الساعة، مع تفاقم مؤشرات العنصرية المقيتة ضدهم، وآخرها ضد الأطباء المنخرطين في المنظومة الصحية الإسرائيلية.
عالم الأدوية بجامعة بن غوريون، رياض أغبارية، وعميد كلية العلوم الصحية بذات الجامعة، شمعون غليك، حذرا من "تصاعد معدلات التحريض العنصري من المتطرفين اليهود ضد المجتمع العربي في إسرائيل، وصلت إلى أن يزعم رجل أعمال على القناة 14 أن هناك أطباء وممرضات عرباً يُسمِّمون المرضى اليهود".
اظهار أخبار متعلقة
وأضافا أن "هذا ادعاء لا أساس له من الصحة، ولا ننوي مناقشته، بل نريد طرح سؤال آخر حول من يدفع الثمن عندما يصدق شخص ما ذلك، لأن الجواب ليس الطبيب العربي وحده، حتى وإن تضرر هو الآخر".
وأوضحا في مقال مشترك نشرته صحيفة "
يديعوت أحرونوت" العبرية، وترجمته "
عربي21" أن "الجواب يكمن أولاً وقبل كل شيء في المريض اليهودي، فنحو ربع الأطباء في إسرائيل، ونصف الصيادلة، وأكثر من ربع الممرضين هم من العرب، ويكاد المريض اليهودي في إسرائيل اليوم لا يستطيع دخول المستشفى، أو زيارة قسم الطوارئ، أو الحصول على دواء من الصيدلية دون أن يقابل أحد العاملين العرب".
وأوضحا أن "كل إسرائيلي يقتنع بأن المعالج قد يصف له دواءً، يواجه خيارين، كلاهما خطير عليه: إما تجنب العلاج، أو قبوله بخوف، والثمن الأول هو التأخير، فالطب سباق مع الزمن، وفي حالة السكتة الدماغية، كل دقيقة بدون علاج تُفقد خلايا الدماغ؛ وفي حالة احتشاء عضلة القلب، أو تسمم الدم، أو ورم يُكتشف متأخراً، قد يكون الفرق بين الساعات والأيام، والأسابيع والشهور، هو الفرق بين الشفاء، أو الإعاقة، أو الموت".
وأشارا إلى أن "المريض الإسرائيلي المسن الذي يعاني من ضغط في الصدر، ويتردد في الذهاب لقسم الطوارئ بسبب ما سمعه في التلفزيون، لا يحمي نفسه، بل يُقامر بحياته، والضرر الذي يحدث خلال ساعات التردد هذه غالباً ما يكون لا رجعة فيه".
وأكدا أن "الثمن الثاني هو الخوف أثناء العلاج، فقد يتوقف المريض اليهودي الذي يشك في الممرضة العربية التي تُغيّر محلوله الوريدي، أو الصيدلي الذي يصرف له دواءه، عن تناول أدويته، أو يُخفي أعراضه، أو يغادر المستشفى ضد نصيحة الأطباء، حتى من يواصلون العلاج يعانون من ضغط نفسي مستمر".
وأضافا أن "الأدبيات الطبية واضحة في هذا الشأن: فالضغط النفسي المزمن يرفع ضغط الدم، ويزيد من اضطرابات نظم القلب والمشاكل القلبية والدماغية، ويُخلّ بالنوم والتغذية، ويُبطئ الشفاء، يُضاف لذلك ظاهرة "توقع الضرر" التي تُسبّب بحدّ ذاتها أعراضاً حقيقية، فمريض الأورام الذي يتلقى العلاج الكيميائي من ممرضة عربية، ويعيش في قلق لأشهر يدفع ثمن مرضه مرتين".
وأوضحا أنه "في كانون الثاني/يناير 1953، أعلن الاتحاد السوفيتي فضح "مؤامرة الأطباء"، حيث اتهمهم، ومعظمهم من اليهود، بتسميم القادة وممارسة علاجات خبيثة، وحينها أُفرغت العيادات، ورفض المرضى الخضوع للفحص من قبل الأطباء اليهود.
كما انتشرت شائعات عن أدوية مسمومة في الصيدليات، ورفضت الأمهات إعطاء أطفالهن أدويةً وصفها طبيب يهودي، وحينها أضرت هذه المؤامرة بالأطباء، وكذلك بالمرضى الروس الذين لزموا منازلهم، والأطفال الذين لم يتلقوا الدواء".
وأشارا إلى أنه "في الولايات المتحدة، أدى الكشف عن تجربة توسكيجي عام 1972 إلى تقويض ثقة الرجال السود في نظام الرعاية الصحية، ووجدت دراسة أجرتها الخبيرتان الاقتصاديتان مارسيلا إلسن وماريان واناميكر، ونُشرت عام 2018، أنه بعد الكشف عن التجربة، انخفضت زياراتهم للأطباء، وانخفض متوسط العمر المتوقع للرجال السود في سن 45 عاماً بما يصل إلى عام ونصف".
وأكدا أن "الدرس يتكرر في كلتا الحالتين: المؤامرة ضد المعالجين تؤذي في المقام الأول من يصدقونها، وهناك تفاوت جدير بالملاحظة، فالمريض العربي الذي يعالجه طبيب يهودي لا يتحمل هذا العبء، ولا أحد يخبره على قناة تلفزيونية أن طبيبه يحاول تخديره، بل يصل غرفة الطوارئ في الوقت المحدد، ويتناول دواءه دون خوف، لذا، يُحدث التحريض فجوة صحية تضر بالمريض اليهودي، ومن يدّعون حماية اليهود يُعرّضونهم للخطر".
وأضافا أنه "لا ينبغي النظر للتحريض ضد الفرق الطبية العربية على أنه مجرد عنصرية أو تشهير، لأنه عندما يُسأل المحرّض عن أفعاله، يُطرح السؤال عما إذا كان قد شهّر بالأطباء، وأساء لسمعتهم، لكن الضرر الأكبر يبقى خفياً، فالمريض الذي لم يصل غرفة الطوارئ في الوقت المحدد، وتوقف عن تناول دوائه، وقضى ليالي بلا نوم خوفاً من الممرضة التي كانت تُعالجه، هذا الضرر لا يُقاس، ولا يصل المحكمة، لكنه يحدث كل يوم".
وأكدا أنه "من الأجدر تسميته باسمه الحقيقي ويُسمى "تسميم الثقة"، ولذلك يجب محاسبة كل من ينشر مثل هذه القصة ليس فقط على التشهير، بل أيضاً على الخطر الذي يُشكّله على صحة المرضى اليهود الذين صدّقوها، وهكذا يجب التعامل معه باعتباره خطراً على الصحة العامة".
اظهار أخبار متعلقة
وأضافا أن "وزارة الصحة ونقابة الأطباء وإدارات
المستشفيات أوضحت بسرعة وببيانات دقيقة المعلوماتِ المضللة حول اللقاحات، وينبغي عليهم أن يحذوا حذوها هنا، ويجب أن تعلم وسائل الإعلام والهيئة التنظيمية والمشاهدون أن لمثل هذه البرامج ضحايا حقيقيين: فهم يقبعون في غرف المرضى، أو يبقون في منازلهم بدلاً من الحضور".
يكشف حجم التحريض اليهودي العنصري ضد فلسطينيي 48 عن مستويات غير مسبوقة من العداء، إلى الدرجة التي قد يتسبب فيها بإهدار مزيد من الدماء، طالما أن هؤلاء العنصريين يحوزون على غطاء سياسي وحكومي، ولا يجدون من يكبح جماحهم.