"مجلس قيادة الدولة" في العراق.. هل تبتلع القوى الشيعية مؤسسات الحكم؟

تتزايد المخاوف من تحول المجلس المقترح إلى سلطة موازية للحكومة والبرلمان، خصوصا مع غموض أساسه الدستوري وآليات تشكيله وصلاحياته- الأناضول
تتزايد المخاوف من تحول المجلس المقترح إلى سلطة موازية للحكومة والبرلمان، خصوصا مع غموض أساسه الدستوري وآليات تشكيله وصلاحياته- الأناضول
شارك الخبر
يثير مقترح تحويل الإطار التنسيقي في العراق إلى "مجلس قيادة الدولة" جدلا سياسيا واسعا بشأن مستقبل صناعة القرار، وحدود صلاحيات المؤسسات الدستورية، وسط تساؤلات عما إذا كان المشروع يهدف إلى تكريس هيمنة القوى الشيعية على مفاصل الحكم.

وتتزايد المخاوف من تحول المجلس المقترح إلى سلطة موازية للحكومة والبرلمان، خصوصا مع غموض أساسه الدستوري وآليات تشكيله وصلاحياته، فيما يطرح احتمال استبعاد القوى السنية والكردية من القرارات المصيرية تساؤلات بشأن مستقبل الشراكة السياسية في البلاد واحتكار طرف واحد للسلطة.

اظهار أخبار متعلقة


تقييد الحكومة

ويرى المحلل السياسي عصام الفيلي، أن تأسيس المجلس يستهدف بالدرجة الأولى تقليص صلاحيات رئيس الوزراء، وإخضاع القرارات السياسية للتصويت داخل الإطار التنسيقي، انطلاقا من "مخاوف القوى الشيعية" من صعود شخصية قوية تستطيع الانفراد بإدارة السلطة وإعادة إنتاج الحكم الفردي.

وقال الفيلي لـ"عربي21" إن "المنطق السياسي كان يقتضي الحفاظ على مفهوم ائتلاف إدارة الدولة"، الذي يضم القوى الكردية والسنية والشيعية، بدلا من إنشاء مجلس تهيمن عليه قيادات الإطار التنسيقي، مؤكدا أن الهدف الأساسي يتمثل في الحد من سلطات رئيس الوزراء عبر القرارات الجماعية.
وأوضح أن العقل السياسي الشيعي لا يزال يخشى بروز الشخصيات القوية، رغم إعلان رئيس الوزراء علي الزيدي عدم الترشح للانتخابات أو تقاضي راتب، مشيرا إلى أن الصراع على السلطة يدفع القوى السياسية إلى تعزيز نفوذها من خلال التحكم بالقرار، وليس تطوير المؤسسات القائمة.

وأضاف الفيلي أن "القوى السياسية، إذا كانت جادة في مأسسة العمل السياسي، كان يفترض بها التوجه نحو تفعيل مجلس الاتحاد"، لافتا إلى أن القوى الشيعية تهيمن عمليا على القرار بحكم أغلبيتها البرلمانية وسيطرتها على السلطة التنفيذية ومواقع قيادية بالمؤسسات الأمنية، مقابل ضعف الحضور السني.

وربط الفيلي توقيت المشروع بالضغوط الأمريكية، معتبرا أن إبعاد نوري المالكي دفع القوى الشيعية إلى مراجعة حساباتها، خشية تعرض شخصيات أخرى للإقصاء، وأن المجلس قد يتيح اتخاذ مواقف جماعية عبر التصويت لمواجهة الضغوط الخارجية والقرارات التي تستهدف قياداتها السياسية.

وانتقد استمرار احتكار السلطة، مؤكدا أن القوى السياسية لم تنجح خلال 23 عاما في تطوير قانون انتخابي يضمن تجديد النخب والتداول السلمي للسلطة، بل تتمسك بالقيادات نفسها، وتعيد إنتاجها داخل المؤسسات، دون إفساح المجال أمام شخصيات جديدة تمتلك الكفاءة والخبرة السياسية.

واستشهد الفيلي بموقف القوى الشيعية من محاولة زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر تشكيل أغلبية حاكمة ومعارضة برلمانية، معتبرا أن رفضها يعكس تمسكها بمفهوم الحاكمية الشيعية، فيما حذر من اتساع ظاهرة العوائل السياسية وتوريث المناصب على أساس القرابة بدلا من الكفاءة والتدرج في العمل السياسي.

اظهار أخبار متعلقة


إشكالية دستورية

من جانبه، قال المحلل السياسي عبد القادر النايل لـ"عربي21" إن مقترح مجلس قيادة الدولة يمس جوهر نظام الحكم، موضحا أن هدفه المعلن يتمثل في "مأسسة القرار السياسي، وتحويل التفاهمات غير المكتوبة التي كانت تجري في منازل السياسيين إلى إطار منظم"، يمنع انفراد رئيس الوزراء بالقرار.

غير أن النايل اعتبر أن الصيغة المطروحة تشبه مجلس قيادة الثورة في النظام السابق، محذرا من أن الإطار التنسيقي يسعى عبرها إلى اختطاف الدولة وإضعاف الدستور والبرلمان، وتحويل المؤسسات الرسمية إلى واجهات لتنفيذ قرارات تتخذها القيادات السياسية خارج الأطر الدستورية المعروفة.

وأوضح أن "تشكيل المجلس بهذه الصيغة سيخلق ازدواجية خطيرة في السلطة"، إذ ستوجد حكومة مسؤولة أمام البرلمان، يقابلها مجلس غير منتخب يمتلك سلطة أعلى منها، وهو ما يتعارض مع طبيعة النظام السياسي ويجعل القرارات الحكومية خاضعة لجهة لا تتحمل المسؤولية الدستورية المباشرة.

وبشأن المشروعية القانونية، أكد النايل أن دستور عام 2005 لا يتضمن سندا لإنشاء مجلس سياسي تعلو صلاحياته على السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، مشيرا إلى أن تشكيله بقرار حكومي لن يمنحه الشرعية الدستورية، ما دام يؤدي عمليا إلى استحداث سلطة فوق المؤسسات القائمة.

وأشار إلى أن الخيارات تشمل تشريع قانون جديد قد يواجه طعنا أمام المحكمة الاتحادية بسبب تعارضه مع الفصل بين السلطات، أو إجراء تعديل دستوري يتطلب استفتاء شعبيا، مرجحا أن يتجه الإطار التنسيقي إلى اتفاق سياسي ملزم، على غرار اتفاق إدارة الدولة، ثم محاولة إضفاء الشرعية عليه.

وحذر النايل من أن تحويل المجلس إلى مرجعية ملزمة للحكومة سيجعله "مجلس وصاية عليها"، ويقيد استقلال رئيس الوزراء في ممارسة صلاحياته، مؤكدا أن المشكلة لا تتعلق بمجرد تنظيم الاجتماعات والتفاهمات، وإنما بالجهة التي تمتلك القرار النهائي، والمسؤولية عن تنفيذه ومحاسبة القائمين عليه.

وفي المقابل، أقر بأن المجلس قد يسهم في تعزيز الاستقرار إذا اقتصر دوره على التشاور غير الملزم، وتنظيم التفاهمات بين القوى المختلفة، دون التدخل بصلاحيات المؤسسات، أما منحه سلطة إصدار قرارات ملزمة فسيؤدي، بحسب تقديره، إلى ابتلاع المؤسسات الدستورية وتكريس حكم جهة واحدة.

اظهار أخبار متعلقة


احتكار القرار

وتبرز مشاركة القوى السنية والكردية بوصفها إحدى أبرز الإشكاليات المحيطة بالمشروع، خصوصا أن ائتلاف إدارة الدولة تأسس على مبدأ الشراكة بين المكونات السياسية، بينما يجري الحديث عن مجلس تقوده قوى الإطار التنسيقي، ما يثير مخاوف من انتقال القرار المصيري إلى إطار محدود التمثيل.

وقال النايل إن المخاوف لا تقتصر على القوى السنية والكردية، بل تشمل بعض القوى الشيعية المستقلة، موضحا أن اعتماد المحاصصة في تشكيل المجلس قد يمنح الإطار التنسيقي، وفق التقديرات المطروحة، "أكثر من 60 بالمئة من الأصوات داخله"، بما يجعل القرار خاضعا للأغلبية الشيعية.

وأضاف أن وجود ممثلين عن المكونات الأخرى لا يضمن بالضرورة مشاركة فعلية في صناعة القرار، إذا كانت الأغلبية تستطيع تمرير توجهاتها دون موافقتهم، معتبرا أن طبيعة الصلاحيات وآليات التصويت ستكون أكثر أهمية من مجرد توزيع المقاعد أو منح القوى المختلفة تمثيلا شكليا.

وأشار النايل إلى أن مقارنة المشروع بمجلس الخبراء أو مجلس تشخيص مصلحة النظام في إيران تعكس مخاوف المعارضين من ظهور مجلس يضم كبار القيادات العقائدية، ويتمتع بسلطة توجيه الرئيس ومحاسبته وعزله إذا خالف الخط السياسي الذي تحدده القوى المهيمنة على المجلس.

ويتقاطع هذا التحذير مع رؤية عصام الفيلي بشأن استمرار هيمنة القوى الشيعية على مفاصل القرار، إذ يرى أن تمسك القيادات الحالية بمكتسباتها السياسية والمالية، وعجزها عن إنتاج صف ثان من السياسيين، يجعلان المشروع امتدادا لصراع النفوذ أكثر من كونه إصلاحا مؤسسيا.

ورفض رئيس كتلة "الإعمار والتنمية" النيابية بهاء الأعرجي المشروع، متسائلا: "أين هي الدولة حتى يكون هناك مجلس لقيادتها؟"، معتبرا أن الدولة تعرضت للاستهلاك والتعطيل والإضعاف. وحذر من أن "هذا المقترح يريد أن يبتلع الدولة"، مقارنا إياه بمجلس قيادة الثورة في النظام السابق.

تعود فكرة المجلس إلى توجه داخل الإطار التنسيقي لمأسسة عمله السياسي، بعدما أعلن القيادي فيه ورئيس المجلس الأعلى الإسلامي همام حمودي قبل نحو شهر، أن الإطار يتجه لتحمل مسؤولية حكومته، ومتابعة إجراءاتها وسياساتها عبر لجان متخصصة، بما يجعله يعمل بصيغة مجلس لقيادة الدولة.
التعليقات (0)