بعد بيعه نفطه بأقل من سعره.. واردات العراق لا تغطي سوى ثلثي احتياجاته

بلغ الإنفاق على الرواتب والرعاية الاجتماعية 51 تريليون دينار خلال الأشهر السبعة الأولى من هذا العام، بينما انخفضت الإيرادات إلى 39 تريليوناً - وزارة النفط العراقية
بلغ الإنفاق على الرواتب والرعاية الاجتماعية 51 تريليون دينار خلال الأشهر السبعة الأولى من هذا العام، بينما انخفضت الإيرادات إلى 39 تريليوناً - وزارة النفط العراقية
شارك الخبر
يواجه الاقتصاد العراقي اليوم جملةً من التحديات نتيجة تراكمات بدأت تداعياتها تظهر في آنٍ واحدٍ جراء الاعتماد الشديد على النفط، وتمرير موازنات مثقلة بالإنفاق الجاري، واعتمادٍ واسعٍ على الاستيراد، ومنافذ تصدير لا تزال غير متنوعة بالقدر الذي يسمح للاقتصاد بامتصاص صدمة جيوسياسية كبيرة.

وأظهرت الأزمة الإقليمية واضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز هشاشة أمن الاقتصاد العراقي الذي اتضح أنه ليس خاضعاً لمستوى أسعار النفط العالمية فحسب، بل على السلسلة الكاملة التي تحوّل البرميل من مورد تحت الأرض إلى دولارٍ يدخل الخزينة.

عجز مالي يقارب الـ 64 تريليون دينار

ورغم امتلاك الاقتصاد العراقي موارد ضخمة تؤهله للنهوض، إلا أنه يعاني منذ عقدين من تدخلات سياسية وحزبية أعاقت تقدمه، خاصةً وأنه من المتوقع أن يكون العجز المالي في موازنة 2027 قرابة 64 تريليون دينار، حسب تقديرات الموازنة الثلاثية السابقة.

وهنا يؤكد عضو اللجنة المالية السابق محمد الشبكي أن اقتصاد العراق مقيد منذ 2003، فيما قال مدير صندوق العراق للتنمية محمد النجار إن الحكومات في بغداد تفتقر إلى رؤية اقتصادية يمكن أن تنتشل البلاد من أزماته المتراكمة.

اظهار أخبار متعلقة


بدوره، قال رئيس اللجنة المالية النيابية العراقية، عدي عواد، إن "مشكلة الإصلاح المصرفي ضرورة في ظل الوضع الحالي، والمصارف الخاصة والحكومية لم ترتقِ بحل الأزمة المالية ولم تكن لها أي مساهمات في حل الأزمة المالية".

وأضاف في تصريح لوكالة الأنباء العراقية (واع)، أن "البنوك الخاصة قدمت مجموعة من الإصلاحات ستناقش مع البنك المركزي، ومن ضمنها لماذا مصارفنا لا تكون كالمصارف الخليجية تقدم القروض والتسهيلات وضمان الودائع لتكون هناك ثقة بين المواطن والمصارف".

وحول ملف الدولار، أوضح عواد، أن "حرمان بعض المصارف مسألة واقعية، حيث إن بعض المصارف تعود لجهات سياسية"، مشدداً على "ضرورة منع التدخل السياسي في الوضع المالي"، وأكد أنه "ستكون هناك معالجات ونتائج واضحة خلال الأيام المقبلة".

النفط العراقي معروض للبيع بأكبر خصم

عُرِض النفط العراقي المقرر تحميله خلال أكتوبر/تشرين الأول 2026 بخصومات ضخمة في محاولة لجذب المشترين رغم ارتفاع تكاليف الشحن والمخاطر المرتبطة بحركة الناقلات في مضيق هرمز.

وكشفت وثيقة، اطّلعت عليها "منصة الطاقة المتخصصة" ومقرّها واشنطن، الأربعاء، أن الخصومات المعروضة على خامَي البصرة المتوسط والثقيل اتّسعت بصورة ملحوظة، لتصل إلى 34.50 دولاراً و37 دولاراً للبرميل على الترتيب.

وتزامنت خصومات شركة تسويق النفط العراقية الحكومية "سومو" مع استمرار اهتمام شركات التكرير والتجارة العالمية بشراء الخام العراقي، إذ تسعى شركات آسيوية إلى تأمين شحنات من خام البصرة خلال أكتوبر/تشرين الأول، مستفيدةً من انخفاض الأسعار مقارنة بالمؤشرات القياسية.

وتأتي التحركات السعرية في وقت ارتفع فيه متوسط صادرات العراق النفطية خلال سبتمبر/أيلول إلى نحو 2.65 مليون برميل يومياً، ما يعكس تحسُّن تدفقات الخام إلى الأسواق مقارنة بالمستويات المسجلة خلال الأشهر السابقة.

وفي وقت سابق، كشف النائب العراقي عباس حيال عن بيع العراق للنفط بأقل من سعر السوق العالمي بـ 27 إلى 29 دولاراً بسبب عدم امتلاكه لناقلات نفطية، وأوضح أن هذا يؤدي إلى خسائر تصل إلى 2.4 مليار دولار شهرياً.

ويرتبط اتّساع الخصومات بارتفاع تكاليف الشحن واستمرار المخاطر المتعلقة بنقل شحنات النفط عبر مضيق هرمز، وهو ما يزيد التكلفة الإجمالية على المشترين والناقلات.

من جهته، قال الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي إن ثلث كلفة برميل النفط الواصل للمشتري هي كلفة نقل صافية، بعد أن كانت كلفة النقل لا تشكّل إلا 3-4 بالمئة من سعر البرميل، في سابقة تاريخية لم تحدث بهذا المستوى من قبل، وهذا ربما ما دفع معظم الدول المصدرة للنفط لتقديم خصومات سعرية على نفوطها لتخفيف ضرر ارتفاع أسعار نقل النفط على المشترين!

إيرادات لا تغطي سوى 76 بالمئة من الرواتب

وفي تصريح يكشف عن مؤشرات مالية مقلقة، قال الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي، إن إجمالي الإيرادات النفطية وغير النفطية للعراق لم يغطِّ سوى 76 بالمئة من فاتورة الرواتب والرعاية الاجتماعية خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الحالي.

وأوضح المرسومي، أن النفقات المخصصة للأجور وشبكة الحماية بلغت 51 تريليون دينار، في حين انخفضت الإيرادات العامة إلى 39 تريليوناً، وهو ما يفسر اتساع فجوة العجز الفعلي في الخزينة بمعدل يتجاوز 4 تريليونات دينار شهرياً.

الارتباط بين الأمن والمال

ومع طي صفحة الوجود العسكري الأمريكي في العراق بعد أكثر من عقدين، يطرح خبراء اقتصاديون أسئلة بشأن مصير مليارات الدولارات التي تتدفق يومياً من صادرات النفط العراقية إلى حسابات تُدار عبر البنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.

ومع اعتماد اقتصاد العراق بصورة شبه كاملة على عائدات الخام التي تمثل نحو 90 بالمئة من إيرادات الموازنة العامة، فإن أي تأثير على تدفقات الدولار سوف ينعكس مباشرة على سعر الصرف والتضخم والتجارة والاستقرار المالي للبلاد.

واستبعد عضو لجنة الاستثمار والتنمية في البرلمان العراقي عمر الخزرجي أن يترك انسحاب القوات الأمريكية من العراق تأثيراً كبيراً على الاستثمار وتدفق الدولار نقداً من الولايات المتحدة، مؤكداً أن العملية برمتها تمت بموجب اتفاق.

ورغم التطمينات، فإن تجارب سابقة ما زالت هواجسها حاضرة بسبب ارتباط الملف الأمني بالقطاع المالي، ففي نيسان/أبريل 2023 أوقفت الولايات المتحدة شحنة نقدية من الدولارات إلى العراق بلغت قيمتها نحو 500 مليون دولار، وفق ما أكدته صحيفة "وول ستريت جورنال".

وربطت واشنطن الخطوة بالضغط على الحكومة العراقية عقب هجمات نفذتها فصائل عراقية مسلحة على مصالح أمريكية وعلى دول مجاورة للعراق، قبل أن تعاود استئناف إرسال جزء من الشحنات النقدية للعراق في تموز/يوليو.

اظهار أخبار متعلقة


وتزامن ذلك مع تصعيد الخزانة الأمريكية إجراءاتها ضد شبكات مالية مرتبطة بجماعات عراقية موالية لإيران، ففي نيسان/أبريل 2024 فرضت الوزارة عقوبات على 7 قادة في فصائل عراقية، اتهمتهم واشنطن بالتخطيط لهجمات ضد أفراد ومصالح أمريكية في العراق.

وفي أيار/مايو الماضي، شملت العقوبات الأمريكية مسؤولاً في وزارة النفط العراقية و3 قياديين في فصائل عراقية مسلحة، وقالت الخزانة الأمريكية إن الإجراءات استهدفت أشخاصاً وكيانات اتهمتهم باستغلال قطاع النفط العراقي، وتحويل عائدات لمصلحة إيران والجماعات المرتبطة بها.


التعليقات (0)