في قرى الحوز التي ما زالت تحمل آثار الزلزال،
لا تبدو السياسة كما تظهر في القاعات المغلقة أو على منصات الحملات الانتخابية هناك،
حيث تغيرت حياة أسر كاملة في ليلة واحدة، لا تُقاس الوعود بعدد الكلمات التي قيلت،
وإنما بما إذا كان البيت سيُبنى، والمدرسة ستصل، والطريق ستُفتح، والخدمات التي تأخّرت
ستصل أخيرا إلى من ينتظرها.
فاطمة الزهراء المنصوري، خلال الحملة الانتخابية
الأخيرة، جالت في عدد من المناطق، واقتربت من المواطنين واستمعت إلى انتظاراتهم، في
وقت كان فيه حزبها يقدم برنامجه باعتباره تعاقدا لخمس سنوات، لا مجرد وعود انتخابية.
لكن الشارع الذي ستخاطبه
الحكومة الجديدة لا
يدخل المرحلة المقبلة من نقطة الصفر؛ فقد سبقت الانتخابات احتجاجات "جيل زد"
التي رفعت مطالب مرتبطة بالصحة والتعليم وفرص الشغل ومحاربة الفساد وتحسين الخدمات
والعدالة الاجتماعية، وكشفت، وفق تغطيات وتحليلات متقاطعة، عن أزمة ثقة أوسع بين جزء
من الشباب والمؤسسات السياسية.
اظهار أخبار متعلقة
اليوم، لم تعد المنصوري تقف أمام هؤلاء المواطنين
بصفة مرشّحة تشرح برنامج حزبها، وإنما أصبحت، منذ 29 أيلول/ شتنبر، أول امرأة تتولى
رئاسة الحكومة في تاريخ
المغرب، بعد تعيينها من طرف الملك محمد السادس وتكليفها بتشكيل
الحكومة الجديدة، عقب تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات التشريعية بحصوله على
97 مقعدا من أصل 395.
وبين اللحظتين، تتغير طبيعة السؤال بالكامل:
ماذا ستفعل فاطمة الزهراء المنصوري التي سمعت خلال حملتها مطالب سكان المناطق المتضررة
من الزلزال، وواجهت في مدن أخرى أسئلة الشباب والنساء حول العمل والسكن والقدرة الشرائية
والخدمات العمومية، عندما تصبح مطالبة الآن بتحويل تلك الأصوات إلى قرارات وميزانيات
وبرامج قابلة للقياس؟.
من الحوز إلى الرباط
كانت تجربة المنصوري في الحوز مرتبطة، قبل وصولها
إلى رئاسة الحكومة، أيضاً بموقعها كوزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة
المدينة، وهو القطاع الذي انخرط منذ الأيام الأولى لزلزال 8 أيلول/ شتنبر 2023 في تدبير
آثاره، إذ شكلت الوزارة خلية يقظة مركزية ومحلية لمواكبة الأضرار والتنسيق بشأن التدابير
الاستعجالية.
أيضا، مسؤولياتها المحلية ارتبطت بمراكش، المدينة
التي كان عليها تدبير آثار الزلزال ضمن مجالها الترابي. هذه الخلفية تجعل الحوز أكثر
من محطة انتخابية في مسارها. فالمنصوري تعرف الملف من زاويتين: زاوية الحكومة والوزارة،
وزاوية الجماعة الترابية. ولذلك فإن السؤال الذي يواجهها الآن ليس فقط ماذا سمعت خلال
الحملة، وإنما ماذا ستفعل بما سمعته.
إلى ذلك، حزب الأصالة والمعاصرة قدّم برنامجه
الانتخابي باعتباره عقدا لخمس سنوات، يتضمن 20 التزاما قابلا للتطبيق والتتبع، بكلفة
إضافية إجمالية تقدر بـ350 مليار درهم بين 2027 و2031. ويضع ضمن أولوياته القدرة الشرائية،
وإدماج الشباب، والمواطنة، والأمان، والنمو والاستدامة. لكن البرنامج الحزبي لا يتحول
تلقائيا إلى برنامج حكومي؛ إذ يحتاج إلى أغلبية برلمانية.
جيل Z شباب لا يريدون خطابا
آخر
بحسب ما رصدته "عربي21" فإنّ الملف
الأبرز الذي سيختبر قدرة الحكومة الجديدة على الانتقال من الخطاب إلى الفعل، هو ملف
الشباب. فالجيل الذي نزل إلى الشارع، قدّم حزمة من المطالب التي تمس شروط الحياة نفسها:
مستشفى يعمل، مدرسة تؤدي وظيفتها، فرصة عمل، قدرة على العيش بكرامة، وإحساس بأن المال
العام يوجه إلى الأولويات التي تمس المواطن مباشرة.
كذلك، قبل أقل من شهرين على الانتخابات، عكست
أزمة الهجرة في سبتة حجم الضغوط الاجتماعية، بعدما حاول عشرات الآلاف من المهاجرين
عبور الحدود المغربية نحو إسبانيا.
وخلال الحملة الانتخابية، أقرّت المنصوري بحجم
التحدي قائلة إن "الشباب يمرون بأزمة، ويجب أن نقدّم لهم إجابات، نريد أن نعيد
إليهم الأمل، ليس فقط من خلال الخطابات، بل عبر حلول ملموسة".
وكانت المندوبية السامية للتخطيط قد سجّلت في
الفصل الأول من 2026 معدل بطالة وطني بلغ 10.8 في المئة، لكنه ارتفع إلى 29.2 في
المئة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة وإلى 16.1 في المئة بين النساء.
وفي الفصل الثاني، بلغ المؤشر المركب الذي يجمع البطالة بالمفهوم الضيق والقوة العاملة
المحتملة 14.7 في المئة وطنيا، مقابل 37.6 في المئة لدى الشباب بين 15 و24 سنة و24.2
في المئة لدى النساء.
في المقابل، وضع "البام" (حزب الأصالة
والمعاصرة) هدفاً واضحا على الورق: مليون منصب شغل صاف خلال الولاية الممتدة من
2027 إلى 2031، وخفض معدل البطالة إلى 7 في المئة، مع توزيع المناصب المقترحة على الخدمات
والصناعة والفلاحة واقتصاد الرياضة والأنشطة المرتبطة بكأس العالم 2030.
لكن السؤال الذي أثاره عدد من الشباب، هو: أين
ستخلق؟ من سيستفيد منها؟ ما نوعيتها؟ هل ستكون وظائف مستقرة أم موسمية؟ ماذا عن الشباب
خارج المدن الكبرى؟ وكيف ستصل الاستثمارات الكبرى المرتبطة بمونديال 2030 إلى شاب في
قرية أو مدينة صغيرة لا يرى في مشاريع البنية التحتية الكبرى انعكاسا مباشرا على دخله؟.
من الوعود إلى الأرقام
برنامج "البام" يتضمن 20 التزاما تهم
ملفات اجتماعية واقتصادية وخدماتية، أبرزها يرتبط بإعادة أسعار المواد الأساسية إلى
مستواها الطبيعي، وجعل فاتورة الكهرباء مجانية في حدود 100 درهم شهريا، إلى جانب تخفيض
الضريبة على الأجر، وضمان معاش لا يقل عن 3.000 درهم، وتحديد حد أدنى قدره 1.000 درهم
من الدعم الاجتماعي المباشر.
كذلك، تعهّد الحزب بإحداث صندوق عمومي لضمان
كراء سكن الشباب، وتمكين 500 ألف أسرة من سكن لائق خلال الولاية الخماسية، ناهيك عن
إرساء مستشفى عمومي تنافسي ومدرسة عمومية تربّي وتكون وتهيئ للمستقبل.
وتشمل الالتزامات أيضا ضمان المساواة في الولوج
إلى الخدمات الرقمية، مع تسريع تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، فيما خصص الحزب جانبا
من برنامجه لما وصفه بالأمن الاستراتيجي، عبر الالتزام ببناء الأمن الاستراتيجي الطاقي
والمائي والغذائي، إلى جانب الأمن الاستراتيجي العلمي والتقني.
فيما يخص قطاع الصحة، خصّص قانون المالية لعام
2026 نحو 42.2 مليار درهم، مقابل 41.5 مليار درهم للحماية الاجتماعية. وتشير معطيات
الإحصاء العام لعام 2024 إلى أن 69.8 في المئة من السكان صرحوا بتوفرهم على تغطية صحية.
ويضع برنامج حزب الأصالة والمعاصرة التأمين الإجباري
عن المرض في صلب التزاماته، متعهدا بمعالجة عجز يتوقع البرنامج أن يبلغ 33 مليار درهم
قبل عام 2030، بدءا من قانون المالية لعام 2027، عبر التحكم في أثمنة الأدوية وتوحيد
بروتوكولات العلاج، إلى جانب بناء 4 مستشفيات جامعية جهوية جديدة قبل نهاية عام
2028.
هل يكفي أن تكون رئيسة الحكومة امرأة؟
في الجانب الآخر من الشارع، توجد أسئلة نسائية
لا تختزل في الاحتفال بوصول امرأة إلى أعلى منصب تنفيذي. فالتعيين يحمل، من دون شك،
دلالة رمزية غير مسبوقة، لأنه أنهى احتكار الرجال لمنصب رئاسة الحكومة في المغرب.
في السياق نفسه، بالنسبة إلى امرأة مطلقة تنتظر
حماية اجتماعية أفضل، أو أرملة تتحمل وحدها مسؤولية أسرتها، أو أم تواجه صعوبة في العمل
والرعاية، أو امرأة تعيش في منطقة قروية بعيدة عن الخدمات، فإن قيمة هذه السابقة التاريخية
ستُقاس في القانون، والدخل، والحماية الاجتماعية، والوصول إلى الصحة والتعليم والعمل.
إلى ذلك، أرقام سوق الشغل تكشف أن التحدي النسائي
لا يزال كبيرا؛ فمعدل البطالة بلغ 16.1 في المئة لدى النساء في الفصل الأول من
2026، بينما وصل المؤشر المركب للبطالة والقوة العاملة المحتملة إلى 24.2 في المئة
في الفصل الثاني. لذلك ستجد رئيسة الحكومة نفسها أمام سؤال يتجاوز تمثيلية النساء في
المؤسسات إلى شروط مشاركتهن الاقتصادية والاجتماعية الفعلية.
أيضا، برنامج حزبها يتحدث عن جعل الشباب والنساء
والعالم القروي أطرافا فاعلة في النمو والتشغيل، وهو ما يفتح بابا واسعا للمساءلة حول
كيفية ترجمة هذا الالتزام إلى سياسات محددة للنساء، خصوصا اللواتي يوجدن خارج سوق الشغل
أو في أوضاع اقتصادية هشة.
الباحثة في القانون الدستوري والعلوم السياسية،
مريم ابليل، أكدت في حديثها لـ"عربي21" أن: "المغرب يقف أمام لحظة دستورية
وسياسية مهمة، إذ تقود نتائج صناديق الاقتراع إلى انتقال جديد في السلطة التنفيذية.
وتكتسب هذه اللحظة بعدا تاريخيا أيضا لكونها المرة الأولى التي تصل فيها امرأة إلى
رئاسة الحكومة في المغرب".
وبالنسبة إلى ابليل، "لا ينبغي اختزال هذا
التحول في بعده الجندري وحده، وإن كان من المهم التوقف عنده، لأن وصول امرأة إلى موقع
القيادة السياسية يأتي في سياق تعرف فيه النساء المغربيات، كما النساء في المنطقة،
ما تصفه بمقاومة الذكورية داخل المؤسسات، ولا سيما داخل الفضاءات الحزبية والسياسية".
وترى أن: "وصول امرأة إلى قيادة حزب ثم
إلى رئاسة الحكومة يمثل، بصرف النظر عن الاختلافات السياسية ووجهات النظر حول التجربة،
لحظة تستحق التوقف عندها والاحتفاء بها من زاوية حضور المرأة في المجال العام".
بدوره، الباحث في القانون والعلوم السياسية،
حسن بلوان، أبرز: "بالنسبة للبروفايل الشخصي للمنصوري، فأعتقد أن التدرج في مستويات
التسير والتمثيل أكسبها مؤهلات عديدة، لكن ذلك يبقى غير كافي ما لم تتضافر جهودها مع
قيادة الأصالة والمعاصرة، ومساعدة التوليفة الحكومية المنظرة التي سترث ملفات اجتماعية
حارقة خاصة في الصحة والتعليم والشغل وإصلاح منظومة القضاء"
وأورد بلوان، في حديثه لـ"عربي21":
"إذن رغم الطموحات الواعدة والرمزية النسوية التي يشكلها تعيين أول رئيسة حكومة
في المغرب، إلا أن التحديات كبيرة والرهانات عظيمة وانتظارات الشعب المغربي أكبر".
أي خبرة تحملها المنصوري؟
لا تبدأ المنصوري (متزوجة وأم لطفلين)، ولدت
في 3 كانون الثاني/ يناير 1976 في مراكش، هذه المهمة من خارج المؤسسات، إذ بدأت مسارها
المهني بالمحاماة، ثم دخلت السياسة مع حركة "لكل الديمقراطيين" قبل أن تكون
من مؤسّسي حزب الأصالة والمعاصرة.
وانتخبت عمدة لمراكش سنة 2009، ثم نائبة برلمانية
من 2011 إلى 2016، قبل أن تعود إلى رئاسة مجلس مدينة مراكش وتدخل الحكومة سنة 2021
وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة ضمن حكومة عزيز أخنوش
خلال الفترة من 2021 إلى 2026.
ومنذ عام 2024 تتولى تنسيق القيادة الجماعية
لحزبها كما أعيد انتخابها نائبة برلمانية (2016 – 2021). كما تحمل تكوينا في القانون
الخاص وقانون عقود الأعمال والقانون الأنغلوساكسوني. بهذا المعنى، تحمل المنصوري إلى
رئاسة الحكومة تجربة متعددة المستويات: محاماة، وتدبير جماعي، وبرلمان، وحكومة، وقيادة
حزبية. وهذا ما يستند إليه مؤيدو تعيينها للقول إن مسارها راكم تجربة في التدبير والتمثيل
السياسي.
مراكش.. أول اختبار سياسي
إلى جانب مهنتها كمحامية، ارتبط صعود فاطمة الزهراء
بمراكش، حيث أصبحت عمدة المدينة سنة 2009، وفازت بـ54 صوتا مقابل 35 لمنافسها عمر الجزولي،
لتكون ثاني امرأة مغربية تتولى عمودية مدينة بعد أسماء الشعبي. ولم تكد تبدأ مهامها
حتى ألغت المحكمة الإدارية انتخابها، إثر طعن استند إلى خروقات انتخابية، قبل أن تنصفها
محكمة الاستئناف وتعيد تثبيت انتخابها.
وتحولت القضية إلى مواجهة سياسية، بعدما اتهم
"الأصالة والمعاصرة" والي مراكش منير الشرايبي، بالتدخل في اختصاصات العمدة،
فيما أوفدت وزارة الداخلية لجنة مركزية للتحقيق في انتخابات 2009. وانتهى التحقيق بإعفاء
الوالي بسبب ما وصفته الوزارة بـ"اختلالات كبيرة" في التنظيم والتنسيق بمصالح
الولاية، بينما احتفظت المنصوري بمنصبها بعد قرار الاستئناف.
وفي 2011، قدمت المنصوري استقالتها من رئاسة
مجلس مراكش ومن حزب الأصالة والمعاصرة، احتجاجا على ما اعتبرته تدخلا في صلاحياتها،
خصوصا من طرف رئيس مجلس الجهة والمنسق الجهوي للحزب آنذاك، حميد نرجس. وبعد تدخل قيادات
حزبية، تراجعت عن الاستقالة وعادت إلى منصبها، مشترطة عدم التدخل في مهامها؛ وهي محطة
مبكرة في مسار سياسي انتقلت خلاله لاحقا من تدبير مراكش إلى البرلمان والحكومة وقيادة
الحزب.
وترفض فاطمة الزهراء المنصوري التي تحرص على
تقديم نفسها سياسية صنعت مسارها عبر العمل الحزبي والتسيير المحلي، الصورة النمطية
التي تصفها بـ"المرأة الحديدية"، حيث قالت لوسيلة إعلام فرنسية: "أنا
لست امرأة من فولاذ ولا من حديد.. أنا مناضلة حرّة".
واعتبرت منظمة نساء الأصالة والمعاصرة أن انتقالها
من التدبير المحلي إلى البرلمان والحكومة ثم القيادة الحزبية يمثل مسارا تراكميا في
تحمل المسؤولية.
من جهتها، وكالة التنمية التابعة للاتحاد الإفريقي
"أودا-نيباد"، وصفت تعيين المنصوري، رئيسة للحكومة بأنه "حدث تاريخي
للمغرب ومحط فخر للقارة الإفريقية جمعاء".
وفي رسالة تهنئة رسمية وجّهتها المديرة التنفيذية
للوكالة، ناردوس بيكيلي-توماس (Nardos Bekele-Thomas)،
إلى رئيسة الحكومة الجديدة، لفتت إلى أن تمثيلية النساء اللواتي قدن الحكومات في إفريقيا
لا تزال محدودة، معتبرة أن كل امرأة تبلغ أعلى مراكز القرار تثبت إمكانية تحقيق ذلك
وتختصر المسافات لمن يتبعنها من الأجيال القادمة.
التعيين التاريخي لا يلغي سؤال الثقة
تعيين المنصوري بحسب الباحث في القانون والعلوم
السياسية، حسن بلوان، جاء: "انسجاما مع الفصل 47 من دستور 2011 الذي يمنح الملك
صلاحية تعيين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر للانتخابات وعلى أساس نتائجها، فحزب الأصالة
والمعاصرة احتل الصدارة في الانتخابات، وبالتالي جاء تعيين رئيسة القيادة الجماعية
للحزب لتشكيل الحكومة المقبلة انسجاما مع هذا المبدأ".
وأضاف بلوان، في حديثه ل"عربي21":
"أما من حيث الرسائل فأعتقد أن تعيين رئيسة حكومة لأول مرة هو انعطافة كبرى في
تاريخ المشهد السياسي، ولا شك أنها رسالة متعددة الأبعاد، ستحظى بإشادات وطنية ودولية
من الدول والمنظمات الحقوقية وباقي الهيئات النسائية".
لكن خلف هذه القاعدة الدستورية توجد مشكلة سياسية
أعمق تتعلّق بالثقة. فقد أفرزت الانتخابات الأخيرة نسبة مشاركة بلغت نحو 38 في
المئة، ما يعني أن الحكومة الجديدة تبدأ عملها في بيئة لا يمكن فصلها عن ظاهرة العزوف
السياسي، خصوصا لدى الشباب.
وهذا ما يجعل تصريحات المنصوري حول "إعادة
الأمل، والحلول الواقعية والملموسة" أكثر من مجرد عبارات افتتاحية. حزب الاستقلال،
الذي التقت قيادته بالمنصوري في مشاورات تشكيل الحكومة، اعتبر أن تكليف المنصوري برئاسة
الحكومة يشكل "تحولا تاريخيا"، باعتبارها المرة الأولى التي تقود فيها امرأة
الحكومة في المغرب.
وأبرز أن هذه الخطوة تمثل حدثا مهما بالنسبة
إلى المغرب والمغرب العربي والعالم العربي والإسلامي. كما ربط المرحلة المقبلة باستعادة
الثقة في العمل السياسي، ووضع التشغيل والقدرة الشرائية وتوسيع الطبقة الوسطى ضمن الملفات
التي تحتاج إلى تركيز.
وفي المقابل، انتقدت الأمينة العامة السابقة
للحزب الاشتراكي الموحد، نبيلة منيب، تعيين فاطمة الزهراء المنصوري، معتبرة أن الصفة
النسائية وحدها لا تكفي لمنح التعيين دلالة سياسية أو حقوقية. وقالت إن الاحتفاء بوصول
امرأة إلى المنصب كان سيكون له معنى لو كان المغرب يعيش ديمقراطية حقيقية ودولة حق
وقانون وعدالة اجتماعية ومجالية.
وأشارت منيب، إلى استمرار ما وصفته بـ"المجتمع
الذكوري" سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وثقافيا. فيما اعتبرت أن السؤال لا يتعلق
بكونها امرأة أو بشخصها، وإنما بالمشروع الذي يحمله حزب الأصالة والمعاصرة وبحصيلته
خلال مشاركته في الحكومات السابقة.
وطالبت منيب، بالمحاسبة وربط المسؤولية بالمحاسبة،
وشككت في استقلالية الحزب، كما وجهت اتهامات إلى بعض أعضائه بالفساد والتورط في قضايا
مختلفة. وأقرت بأن تعيين المنصوري تم وفق الفصل 47 من الدستور، لكنها اعتبرت أن الاختبار
الحقيقي يكمن في المشروع الذي ستحمله الحكومة الجديدة ومدى التزامها بالنزاهة والمحاسبة.
كذلك، جاءت مواقف قوى يسارية أكثر انتقادا للتعيين
ولحزب الأصالة والمعاصرة نفسه. فقد اعتبرت نبيلة منيب أن قيمة تعيين امرأة لا ينبغي
أن تُفصل عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمحاسبة، بينما انتقد تحالف اليسار
الخلفية السياسية للحزب واعتبر أن التعيين لا يغير، من وجهة نظره، طبيعة المشروع السياسي
الذي يحمله.
وخلال ندوة صح
اظهار أخبار متعلقة
فية، قال التحالف في تصريح ألقاه
جمال العسري، إن تعيين المنصوري جاء على إثر انتخابات طبعها المال والريع والخروقات،
وفي ظل هذا المشهد يعود "البام" ليتصدر المشهد، ويقود الحكومة، ما يؤكد أن
ما يجري ليس تداولا ديمقراطية على السلطة، بل استكمالا لدورة التحكم الذي أسس من أجله
الحزب.
وبحسب التحالف، فإن وصول امرأة لرئاسة الحكومة،
وإذا كان مقدرا من حيث المبدأ، فإنه لا يغيّر شيئا من طبيعة المشروع السياسي الذي تحمله
المنصوري، والشروط غير الديمقراطية التي أفرزته.
في النهاية، لن يكون اختبار فاطمة الزهراء المنصوري
في كونها أول امرأة تصل إلى رئاسة الحكومة، ولا في عدد الوعود التي حملها برنامج حزبها،
وإنما في المسافة بين ما سمعته خلال الحملة وما ستضعه الحكومة الجديدة على الطاولة
من قوانين وميزانيات ومواعيد تنفيذ.
فمن الحوز الذي ما زال ينتظر استكمال مسار إعادة
البناء، إلى الشباب الذي يطالب بعمل وخدمات تعيد إليه الثقة، والنساء اللواتي ينتظرن
أن تتجاوز الرمزية حدود الصورة، تبدأ الآن مرحلة مختلفة: مرحلة تصبح فيها الوعود أرقاما،
والأرقام سياسات، والسياسات نتائج قابلة للمساءلة.