هل تقود إدانة إيطاليا ضباطا مصريين بقتل "ريجيني" لأزمة بين القاهرة وروما؟

الأحكام الصادرة جاءت أقل من مطالبات الادعاء الإيطالي - أرشيفية
الأحكام الصادرة جاءت أقل من مطالبات الادعاء الإيطالي - أرشيفية
شارك الخبر
دانت محكمة الجنايات الأولى في روما، الاثنين، 3 مسؤولين أمنيين مصريين وحكمت عليهم غيابيا بالسجن مدة 10 سنوات بتهمة التورط في اختطاف وتعذيب وقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، في القاهرة 25 كانون الثاني/يناير 2016.

الحكم يصدر بعد 10 سنوات و8 أشهر من الجريمة التي أحدثت دويا دوليا واسعا وكشفت عن أساليب السلطات الأمنية المصرية بحق المعارضين، وسلطت الضوء على السجل الحقوقي السيئ لرئيس النظام عبدالفتاح السيسي.

القاضي، وفي حكم أولي يمكن استئنافه، أعلن إدانة كل من الرائد من جهاز المخابرات العامة مجدي شريف، والعقيد هشام حلمي، ورئيس مباحث القاهرة الأسبق العقيد آثر كمال، بتهمة "الخطف المقترن بظروف مشددة" للباحث بجامعة "كامبريدج" والذي كان يجري أبحاثه عن النقابات العمالية في ملف يمثل حساسية للسلطات الأمنية المصرية.

اظهار أخبار متعلقة



الأحكام الصادرة جاءت أقل من مطالبات الادعاء الإيطالي في حزيران/يونيو الماضي، بالسجن المؤبد لشريف المتهم الرئيسي بعملية الخطف والتعذيب والقتل، والسجن 17 عاما و6 أشهر لآسر كمال، وهشام حلمي، والمسؤول السابق بجهاز الأمن الوطني اللواء طارق صابر، الذي استبعدته المحكمة الإيطالية من الاتهامات، كما أسقط تهمة "التآمر لارتكاب جريمة قتل مشددة" الموجهة لشريف.

"سابقة قانونية وسياسية مهمة"


وفي تقديره لما يكشفه الحكم عن حقيقة ممارسات السلطات المصرية ومؤسساتها الأمنية بحق المعارضين والمعتقلين السياسيين، قال الحقوقي المصري محمود جابر: "يُعد صدور حكم قضائي أجنبي (أوروبي) بإدانة ضباط أمنيين مصريين سابقة قانونية وسياسية مهمة على المستوى الداخلي والخارجي، وقد لا تكون الأخيرة حال استمرار النظام غير الديمقراطي (العسكري)".

مدير منظمة "عدالة لحقوق الإنسان"، وفي حديثه أضاف: "يُسلط الحكم الضوء على ما وثقناه في (عدالة) عبر تقاريرنا وموقعنا، وما تم إرساله من وثائق وشكاوى دولية لمنظمات حقوق الإنسان الدولية، بشأن استخدام ممارسات وجرائم مثل (الاختفاء القسري) و(التعذيب) بمراكز الاحتجاز والمقرات الأمنية".

ويرى أن "القضية أظهرت أن الأساليب والآليات المُستخدمة بحق المواطنين  والمعارضين السياسيين قد تُطال أي إنسان وأي مواطن ولو كان غير مصري، أيضا، في حال اشتبهت الأجهزة في نشاطهم البحثي أو السلمي، وهو ما يثبت صحة ما رصدناه من ارتكاب جرائم ضد الإنسانية بطريقة ممنهجة وواسعة الانتشار وما زالت مستمرة".

أسقط الرواية الرسمية الكاذبة


ولفت حقوقيون إلى أن "الحكم يكشف عن كذب البيانات الأمنية والسيناريوهات المضللة بحق الجرائم التي يرتكبها ضباط الشرطة، خاصة وأن السلطات كانت قد أعلنت أن عصابة مكونة من 5 أفراد قام الأمن المصري بتصفيتها هي من قامت بخطف وتعذيب وقتل ريجيني وقتله".

وهنا يؤكد جابر، أن الحكم يمثل إدانة للسلطات الأمنية وكاشفا عن حجم جرائمها، مبينا أن "قصة (العصابة الإجرامية) التي أعلنت السلطات المصرية تصفيتها عام 2016 بدعوى العثور على متعلقات ريجيني بحوزتهم، إحدى أكثر النقاط حرجا في المسار القضائي والإعلامي".

اظهار أخبار متعلقة



 ولفت إلى أن "التحقيقات الإيطالية والأدلة المتقاطعة أثبتت عدم منطقية هذه الرواية، مما جعل من الرواية الأمنية الأولية نموذجا لما يوصف بـ(تلفيق الاتهامات)، و(إغلاق الملفات عبر تصفية الشهود أو المشتبه بهم)".

ويعتقد أن "الحكم بما يمثله من إدانة واضحة للضباط الثلاثة بتهمة (الخطف المقترن بظروف مشددة) تُثبت قضائيا أن ما حدث لم يكن تصرفا فرديا من عصابة سرقة، بل عملا منظما تشترك فيه أجهزة رسمية، (جريمة نظام)، فضحت الأجهزة الأمنية في مصر".

"فضيحة للقضاء بكل مكوناته"


وبشأن ما يكشف عنه الحكم من عوار كبير في المنظومة القضائية المصرية خاصة وأن النيابة العامة المصرية قررت سابقا إغلاق ملف التحقيق لعدم كفاية الأدلة ضد الضباط، قال الحقوقي المصري: "هذا الحكم فضيحة للقضاء بكل مكوناته، حيث كشف عن غياب وانعدام استقلالية القضاء والنيابة العامة".

ولفت إلى أن "تصرف النيابة العامة المصرية بقرارها ألا وجه لإقامة الدعوى  الجنائية لعدم كفاية الأدلة ضد الضباط المصريين يؤكد عدم استقلالية القضاء والنيابة العامة"، مشيرا أيضا إلى "غياب الإرادة القضائية".

وأوضح أن "هذا التباين بين القضاء الإيطالي ونظيره المصري يُظهر وجود (ازدواجية في المعايير)؛ حيث وفر القضاء الحماية والحصانة للضباط داخل مصر وساهم في إفلاتهم من العقاب، بينما استطاع القضاء الإيطالي استكمال الأدلة وتوجيه الاتهام بناءً على نفس المعطيات المتاحة".

"تأمين السلطة لرجالها"


وفي تعليقه على عدم معاقبة السلطات المصرية الضباط المتورطين في جريمة قتل ريجيني، وعلى جريمة قتل المصريين الخمسة، وحول فساد المنظومة الأمنية وإفلات الضباط والأفراد مرتكبي الجرائم من العقاب بالمخالفة لكل القوانين، قال الحقوقي المصري إن "الحكم الإيطالي جاء ليؤكد على حقيقة مريرة في مصر رسخ لها الحكم العسكري".

وأوضح أن "تلك الحقيقة هي عجز المؤسسات القضائية المحلية عن محاسبة منتسبي الأجهزة السيادية، مما يكرس مفهوم (تأمين السلطة لرجالها) بدلا من تطبيق سيادة القانون".

لفت إلى أن "الحكم أكد أيضا على الاستهانة بأرواح المواطن المصري"، مؤكدا أن "تصفية 5 مواطنين مصريين لإغلاق ملف قضية دولية دون إقامة محاكمة عادلة لهم أو رد اعتبار لأسرهم بعد انكشاف الحقيقة، يُعد مؤشرا خطيرا على استهانة المنظومة الأمنية بحياة المواطنين واستغلالهم ككباش فداء".

ماذا بعد الحكم؟


وفي إجابته على السؤال: "هل يصنع الحكم أزمة بين القاهرة وروما، حال مطالبة إيطاليا بتسليم الضباط الثلاثة؟، قال جابر: "يجب أن نضع في الاعتبار أن الحكم ليس نهائيا، وهناك مراحل لاستئنافه، ولكن هذا لا يقلل من قيمة الحكم الذي انتصر للعدالة، وللضحايا جميعهم في مصر، وليس انتصارا لأسرة ريچيني فقط".

وفي قراءته القانونية، أكد أن ما قد يحدث هو "مطالبة إيطاليا رسميا بتسليم الضباط الثلاثة لتنفيذ العقوبة، بعد أن يصبح الحكم نهائيا؛ لكن الدستور والقانون المصري يمنعان تسليم المواطنين لجهات أجنبية، وهو ما يعني رفض الطلب تلقائيا، لكن سيكون الضباط الثلاثة تحت ضغط الملاحقة الإيطالية الدولية عبر الإنتربول الدولي".

وأشار إلى جانب آخر، يتمثل في "التحدي السياسي والاقتصادي الذي يعيق العدالة، وهو المصالح السياسية، أو إدارة الأزمة سياسيا"، موضحا أنه "رغم الغضب الشعبي والحقوقي في إيطاليا، إلا أن العلاقات الاقتصادية (مثل ملف الطاقة وغاز شرق المتوسط) والملفات الأمنية (كالهجرة غير الشرعية والتنسيق في ليبيا) قد تُسهم في كبح حدة التصعيد السياسي، ليظل الملف محصورا في سجال قضائي وحقوقي وتوتر مكتوم بالعلاقات الدبلوماسية".

نمط عام.. بين تسييس وإفلات 


وفي قراءته، قال الناشط السياسي، معاذ عبد الكريم، إن "الحكم الصادر على الضباط المتهمين في قتل ريجيني لم يصدر بناءً على تحليلات أو بيانات، ولكن تابعت سلطات التحقيق الإيطالية الوقائع، ووصلت إلى معتقلين كانوا قيد الاعتقال بنفس الغرفة قبل مقتله".

وفي حديثه لـ"عربي21"، يرى أن "تضارب الأحكام بسبب تستر السلطات في مصر على الجريمة، ما بين السلطة التنفيذية المتمثلة في ضباط الداخلية مرتكبي الجريمة، والسلطات القضائية والنيابة العامة، هو نمط عام منذ عام 2013 من تسييس القضاء وإفلات المجرمين من العقاب؛ ولكن التساؤل الأكثر أهمية: كيف قُتل الأشخاص الخمسة من أجل التستر على جريمة قتل ريجيني بعد ذلك؟".

اظهار أخبار متعلقة



ويرى أن "هذا النمط هو نمط عصابات منظمة، ويندرج تحت بنود الجريمة المنظمة التي ترتكبها السلطة بقتل 5 أشخاص أبرياء وتلفيق الأدلة، فقط من أجل حماية الضباط المجرمين، وهذا ما ذكره السيسي عام 2013 للضباط بإحدى الاجتماعات، من أن وقت محاسبة الضباط القتلة قد انتهى، وهذا يشكك في كل القضايا والأحكام المسيسة التي صدرت منذ ذلك الحين، ويعطي مثالا للعالم أجمع على ما تقوم به السلطة الشمولية في مصر من جرائم ضد الشعب المصري".

60 ألف ريجيني


عبدالكريم، يعتقد أنه "ربما وصلت قضية ريجيني إلى العلن لأنه باحث إيطالي، لكن هناك أكثر من 60 ألف ريجيني، لم تُعلن وقائع الجرائم والانتهاكات التي مورست في حقهم، وننتظر اليوم الذي تعود فيه العدالة ويُحاسب كل مجرم".

وعن المشهد القادم المحتمل، خلص للقول إن "العلاقات المصرية الإيطالية متوترة منذ فترة طويلة بسبب قضية ريجيني، لكن لا أعتقد أن الأمر سيصبح أسوأ، وأعتقد أن هذه القضية ربما تُستخدم لردع الأجهزة الأمنية المصرية عن ارتكاب مثل هذه الجرائم ضد الأجانب، لكن لا أعتقد أن يتم تسليم الضباط القتلة".

تفاصيل القضية


وفي الذكرى الخامسة لـ"ثورة يناير"، وفي 25 كانون الثاني/يناير 2016، اختفى ريجيني في القاهرة حيث كان يجري أبحاثا ميدانية، ليتم العثور على جثمانه في 3 شباط/فبراير 2016، على طريق "القاهرة - الإسكندرية" الصحراوي، مع وجود آثار تعذيب بحسب تقارير الطب الشرعي الإيطالي.

في الشهر التالي، وفي آذار/مارس 2016، وفي محاولة من السلطات المصرية غلق الملف المقلق لها دوليا، أعلنت وزارة داخليتها مقتل عصابة من 5 أشخاص تنتحل صفة ضباط لسرقة الأجانب، والعثور على متعلقات ريجيني (جواز سفره ومحفظته) بمنزل أحدهم، وهي الرواية التي رفضها الادعاء الإيطالي.

لتتحول الجريمة إلى أزمة سياسية، في نيسان/أبريل 2016، باستدعاء إيطاليا سفيرها لدى القاهرة احتجاجا على ما وصفته بعدم التعاون المصري في تقديم تسجيلات الكاميرات وبيانات الاتصالات، ليوجه الادعاء الإيطالي في كانون الأول/ديسمبر 2020، للضباط الأربعة اتهاما رسميا، بينما أعلنت النيابة المصرية إغلاق الملف، ليشهد تشرين الأول/أكتوبر 2021، أولى جلسات المحاكمة غيابيا، ثم الاستماع للشهود في شباط/فبراير 2024.

بارقة أمل


ويمثل الحكم بارقة أمل في استعادة بعض حقوق آلاف المصريين الذين قتلوا بيد الأمن المصري سواء بالرصاص أو عبر التعذيب في مقرات الاحتجاز.

وارتكبت السلطات الأمنية جرائم قتل بحق معارضين وصلت حد وصفها من قبل منظمات دولية بالمذابح، ومنها قتل نحو 846 متظاهرا وإصابة الآلاف بين 25 و28 كانون الثاني/يناير 2011، والتي تبعها مقتل وإصابة العشرات 3 شباط/فبراير بموقعة "الجمل"، ومقتل 28 مصريا في تشرين الأول/أكتوبر بـ"أحداث ماسبيرو"، و40 متظاهرا في أحداث "محمد محمود" تشرين الثاني/نوفمبر، و17 في أحداث "مجلس الوزراء" كانون الأول/ديسمبر، ومقتل 72 مشجعا لفريق الأهلي بمجزرة ستاد بورسعيد شباط/فبراير 2012.

ثم مقتل نحو 65 من أنصار الرئيس الراحل محمد مرسي، في 5 و8 تموز/يوليو 2013 أمام دار "الحرس الجمهوري"، ثم مقتل 95 آخرين أمام "المنصة" 27 تموز/يوليو، لترتكب السلطات الأمنية مجزرتي "رابعة العدوية" و"النهضة" 14 آب/أغسطس وتقتل أكثر من 1000 معتصم، وبعدها بيومين يسقط نحو 120 برصاص الأمن في ميدان "رمسيس"، ثم حرق وقتل 37 معتقلا بسيارة ترحيلات أبوزعبل  18 آب/أغسطس، وقتل 57 متظاهرا في تشرين الأول/أكتوبر، و20 بميدان "المطرية" يناير 2015، 20 مشجعا لنادي الزمالك في شباط/فبراير 2015.

وإلى جانب مئات الوقائع شبه اليومية لارتكاب الأمن المصري سواء الأمن الوطني أو العام لجرائم قتل وتصفية وتعذيب مصريين في السجون ومقرات الاحتجاز وفي الشارع، بين جنائيين وسياسيين، تأتي جرائم قتل مخبرين في الإسكندرية للشاب خالد سعيد وسيد بلال عام 2011، والمسيحي مجدي مكين عام 2016، والشاب الصعيدي عيسى الراوي برصاص ضابط شرطة تشرين الأول/ أكتوبر 2020.

تشير الأحداث إلى أن الأمر طال النساء، وبينهم الناشطة شيماء الصباغ في 24 كانون الثاني/يناير 2015 إثر إطلاق قنابل الخرطوش من قِبل قوات الأمن على مسيرة متوجهة لميدان التحرير، والصحفيتين حبيبة عبد العزيز وأسماء صقر، والفتاة أسماء البلتاجي برصاص قناصة أثناء وجودهم باعتصام أنصار الرئيس محمد مرسي في "رابعة العدوية" 14 آب/أغسطس 2013.

 وتؤكد تقارير المنظمات الحقوقية ومنها: "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية" أن أقسام الشرطة ومقار الاحتجاز تشهد وقائع اعتداء بدني تُصنف كـ"تعذيب" لانتزاع الاعترافات، فيما أكد الحقوقي خلف بيومي في حديث سابق لـ"عربي21"، وفاة 1300 معتقل سياسي بفعل التعذيب الممنهج داخل السجون ومقرات الاحتجاز.

 وفي السياق، قُتل مئات الجنائيين في أماكن الاحتجاز بعد ساعات من توقيفهم وعلى سبيل المثال: إسلام الأسترالي بقسم شرطة المنيب أيلول/سبتمبر 2020، والمواطن أحمد زكي بقسم شرطة النزهة بالقاهرة في تشرين الأول/أكتوبر 2021، ومصطفى منتصر "تشي غيفارا" بقسم شرطة الوايلي بالقاهرة تموز/يوليو 2022، وغيرهم.
التعليقات (0)