باب المندب يغير موازين القوى.. من يملك مفتاح الصراع في اليمن؟

يطرح التصعيد الأخير أسئلة بشأن أهداف جماعة الحوثي وموقف الحكومة اليمنية وداعميها- جيتي
يطرح التصعيد الأخير أسئلة بشأن أهداف جماعة الحوثي وموقف الحكومة اليمنية وداعميها- جيتي
شارك الخبر
يتجه المشهد اليمني نحو التصعيد في ظل تداخل التطورات الميدانية مع التوترات الإقليمية، ولا سيما المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، فيما يبرز الساحل الغربي وباب المندب باعتبارهما من أبرز ساحات الصراع وحساباته الاستراتيجية.

ويطرح التصعيد الأخير أسئلة بشأن أهداف جماعة الحوثي، وموقف الحكومة اليمنية وداعميها، واحتمالات انتقال المواجهة إلى مسار عسكري أوسع أو العودة إلى التفاوض، في وقت تبقى فيه موازين القوى على الأرض عاملا حاسما في تحديد اتجاه الأزمة.

قال الباحث في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، عادل دشيلة، في تصريحات لـ"عربي21": إن التصعيد العسكري الأخير في اليمن يأتي في سياق تداخلات إقليمية ودولية، معتبرا أن جماعة الحوثي بادرت إليه بهدف تخفيف الضغط عن إيران والوصول إلى باب المندب، الذي تحوّل، بحسب رأيه، إلى ورقة ضغط في مواجهة الولايات المتحدة والمجتمع الدولي ودول الخليج.

اظهار أخبار متعلقة


وأكد دشيلة أن استمرار الأزمة اليمنية يرتبط إلى حد كبير بالتطورات بين الولايات المتحدة وإيران، مشيرا إلى أن أي عملية سياسية شاملة تحتاج إلى تغير في موازين القوى على الأرض.

ثلاثة سيناريوهات للأزمة

وطرح دشيلة ثلاثة سيناريوهات لتطور الأزمة اليمنية، وقال إن السيناريو الأول يتمثل في اندلاع حرب واسعة النطاق ضد جماعة الحوثي بدعم سعودي مباشر، مع تغير موازين القوى عسكريا، معتبرا أن ذلك قد يتيح لاحقا الوصول إلى تسوية سياسية تشمل الحوثيين وبقية الأطراف اليمنية.

وأوضح أن الأمر لا يستلزم بالضرورة دخول صنعاء عسكريا، بل إن تغير المعادلة العسكرية وحصول الحكومة على أوراق ردع قد يدفع جماعة الحوثي، بحسب تقديره، إلى قبول حوار سياسي حقيقي.


أما السيناريو الثاني، فيتمثل في الاكتفاء باتقاء ضربات الحوثيين ومواجهة تهديداتهم للملاحة الدولية والمصالح السعودية، مع إبقاء الوضع الداخلي على حاله واستمرار الكر والفر في الجبال إلى أن تنهار الأطراف المحلية، وهو سيناريو قال دشيلة إنه لا يراه واقعيا.

أما السيناريو الثالث، فيتمثل في حدوث انفراجة في الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران، بما يفتح المجال أمام وضع الأزمة اليمنية ضمن الأزمات الإقليمية التي تحتاج إلى نقاش مباشر بين إيران والسعودية ودول المنطقة والولايات المتحدة والمجتمع الدولي.

وقال إن الوصول إلى حل للأزمات الإقليمية، بما فيها الأزمة اليمنية، لا يزال، بناء على المؤشرات الحالية، "بعيد المنال" ويحتاج إلى وقت.

حسابات إقليمية

وحول ما كسر حالة اللاحرب واللاسلم المستمرة في اليمن منذ عام 2022، قال دشيلة إن ما يجري يمثل استراتيجية مدروسة من جانب الأطراف الإقليمية، رغم استمرار الأطراف المحلية في التحرك ضمن مسار الصراع القائم.

وأضاف أن إيران كانت، بحسب تقديره، تؤسس منذ فترة طويلة للسيطرة على مضيق باب المندب، وأن تطورات الحرب في غزة والتصعيد بين الولايات المتحدة وإيران والضربات الأمريكية الأخيرة على إيران دفعت إلى تحريك الجبهة اليمنية لتخفيف الضغط عن طهران.

وأوضح أن المبادرة العسكرية في التصعيد الأخير لم تأت من الحكومة اليمنية أو التحالف، وإنما من جماعة الحوثي، معتبرا أن ذلك يمثل مؤشرا على استراتيجية للوصول إلى باب المندب مهما كانت الكلفة.

وأشار إلى أن الصراع اليمني لم يعد محكوما، في رأيه، بدوافع محلية فقط، وأن تداخل العوامل الإقليمية والدولية أخرج "اللعبة من أيدي اليمنيين" منذ فترة، مع سعي كل طرف إلى حماية مصالحه الاستراتيجية عبر الصراع.

باب المندب

وفي حديثه عن الوضع الاستراتيجي، قال دشيلة إن المناطق الغربية، خصوصا الساحلية، حساسة بسبب تأثيرها المباشر على خطوط الملاحة والإمدادات الدولية والمصالح الإقليمية والدولية.

وأضاف أن جماعة الحوثي سعت، بدعم إيراني، إلى الوصول إلى الجزر اليمنية في باب المندب والمضيق نفسه، مشيرا إلى أنها وصلت إلى المنطقة وبدأت تلوّح باستخدام باب المندب ورقة ضغط في مواجهة المصالح الدولية.

ورأى أن المناطق الساحلية تمثل تهديدا مباشرا للمصالح الدولية والإقليمية، لكنها لا تحمل الأهمية نفسها في الصراع الداخلي، معتبرا أن صنعاء تمثل الرمز السياسي والاجتماعي والعسكري للبلاد.

وقال إن أي تقدم للقوات الحكومية باتجاه الجوف سيغير موازين القوى على الأرض، وسيمنح الحكومة اليمنية والسعودية، بحسب تقديره، ورقة ردع في مواجهة جماعة الحوثي.

وأشار إلى أن المعارك تشهد حاليا حالة من الكر والفر في عدد من المناطق، باستثناء التقدمات التي حققتها جماعة الحوثي باتجاه باب المندب، ومنها سيطرتها على مدينة المخا الساحلية.

واعتبر دشيلة أن الحوثيين حققوا "نجاحا عسكريا في البحر الأحمر لصالح إيران"، قائلا إن ذلك خفف الضغط عن طهران ووفر لها ورقة ضغط في مواجهة الولايات المتحدة والمجتمع الدولي ودول الخليج.

واستدرك بأن هذا النجاح ليس مضمونا أن يستمر، مشيرا إلى أن السكان في المناطق التي وصلت إليها الجماعة لا يرحبون بها، وأن السيطرة العسكرية وحدها قد لا تكفي لضمان استمرارها.

موازين القوى تحدد مسار الحرب

وحول الظروف التي سبقت التصعيد، قال دشيلة إن الظروف المحلية كانت مهيأة لما حدث في شرق البلاد، لكن الإرادة والقرار السياسيين لشن حرب شاملة لم يتخذا بعد.

وأشار إلى إعلان الحكومة اليمنية التعبئة العامة، وموافقة مجلس النواب عليها، مؤكدا أن الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي يؤكدان ضرورة بسط سيطرة الدولة على الأرض.


لكنه رأى أن الحكومة ستواجه تحديات كبيرة إذا سعت إلى الوصول إلى صنعاء عسكريا من دون غطاء سعودي قوي وعمليات جوية واسعة، مشيرا إلى أن جماعة الحوثي بنت خلال السنوات الماضية ترسانة عسكرية كبيرة، خصوصا من الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية.

اظهار أخبار متعلقة


وأوضح أن ميزان القوى قد يميل في المعارك البرية، حال اندلاع صراع على مختلف الجبهات، لمصلحة القوات الحكومية، بينما يميل التفوق في الاتصالات والأسلحة الثقيلة، ولا سيما الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، لمصلحة جماعة الحوثي.

وبناء على ذلك، قال دشيلة إن تغيير موازين القوى على الأرض يمثل، من وجهة نظره، الخيار الأساسي أمام الحكومة، مشيرا إلى أن تغير المعادلة عسكريا في شرق البلاد باتجاه الجوف وصعدة، واستعادة السيطرة على المناطق الساحلية، يمكن أن يفتح الطريق أمام عملية سياسية تضم جميع الأطراف، بما فيها جماعة الحوثي.

أما في حال استمرار الصراع من دون تقدم عسكري لأي طرف، فرأى أن الأزمة ستبقى على حالها، فيما تستفيد منها أطراف إقليمية ودولية.

وقال إن هناك أطرافا دولية تستفيد من الأزمة للضغط على السعودية، بينما تستفيد إيران من استمرار الصراع لتخفيف الضغط عنها، خصوصا عبر ورقة باب المندب.

التفاوض ما زال مطروحا

وعن مستقبل المسار التفاوضي، قال دشيلة إن باب الحوار لم يغلق، وإن السعودية تؤكد استمرار الدبلوماسية وفتح طريق الحوار، مشيرا إلى أن المحاولات السياسية لا تزال جارية.

لكنه تساءل عن مدى قدرة هذه الحوارات على الوصول إلى حل جذري، معتبرا أن أي عملية سياسية متوازنة وشاملة تحتاج إلى تغيير في موازين القوى بما يراعي مصالح الأطراف اليمنية والإقليمية، ومن بينها السعودية.

وأضاف أن السعودية تدعم الحكومة اليمنية وتسعى إلى الحفاظ على أمنها القومي، وتعزيز الحماية العسكرية في المناطق الاستراتيجية والحصول على دعم دولي وإقليمي.

وأشار إلى محاولات تفعيل اتفاقيات، من بينها اتفاقية مكة والتحالف البحري في البحر الأحمر، مضيفا أن استمرار جماعة الحوثي في استهداف السعودية والمصالح الاستراتيجية قد يدفع الرياض، بحسب تقديره، إلى الدخول بصورة مباشرة في العملية العسكرية.

إغلاق باب المندب

وفيما يتعلق بإمكانية تدخل دولي لحماية الملاحة في البحر الأحمر، قال دشيلة إن جماعة الحوثي تدرك أهمية باب المندب، ولذلك أرسلت رسائل إلى المجتمع الدولي مفادها أن المضيق سيبقى مفتوحا، باستثناء السفن السعودية.

لكنه اعتبر أن هذه الرسائل لا تكفي لطمأنة المجتمع الدولي، قائلا إنه في حال تجدد الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، فقد يُغلق باب المندب أمام الملاحة الدولية، ما سيضع المجتمع الدولي أمام أزمة جديدة ويدفعه إلى التدخل العسكري لحماية مصالحه.

وأشار إلى إعلان إيطاليا التحرك لحماية مصالحها في البحر الأحمر، مضيفا أن وجود قواعد إيطالية وأمريكية وفرنسية في جيبوتي، إلى جانب قواعد دولية أخرى، يجعل هذه القوات معنية بحماية السفن والمصالح الدولية في المنطقة.

وقال إن استهداف المنطقة بالصواريخ الباليستية قد يؤدي إلى رد من البوارج العسكرية الموجودة فيها، محذرا من أن المتضرر في نهاية المطاف سيكون المواطن اليمني.

ورأى دشيلة أن تأمين الملاحة الدولية والمصالح الإقليمية في البحر الأحمر يتطلب تغيير موازين القوى العسكرية على الأرض، معتبرا أن جماعة الحوثي أمام خيارات تتمثل في العودة إلى حوار سياسي حقيقي، أو التخلي عما وصفها بأطماعها، أو الاستمرار في الحرب.

وأضاف أن تفجر الصراع عسكريا بطريقة مدروسة واستراتيجية واضحة قد يفضي، بحسب تقديره، إلى حل جذري للأزمة اليمنية.

الأزمة اليمنية والملف الإيراني

وفي تقييمه لارتباط مستقبل الأزمة اليمنية بالتطورات بين الولايات المتحدة وإيران، قال دشيلة إن بعض الأطراف الإقليمية تريد استمرار الأزمة لتصفية حسابات في دول المنطقة، بينما لا تزال أطراف أخرى تعول على الحل السياسي.


وأضاف أن الوصول إلى حل جذري للأزمة اليمنية يرتبط، في حال أراد الإقليم ذلك، بحل القضية الإيرانية، معتبرا أن التوصل إلى اتفاق شامل بين الولايات المتحدة وإيران يمكن أن يفتح المجال أمام اتفاق سياسي "حقيقي وواقعي" في اليمن.

اظهار أخبار متعلقة


وأشار إلى أن المؤشرات الحالية لا تظهر بوادر لحل الأزمة بين واشنطن وطهران، ولذلك فإن حل الأزمة اليمنية، بحسب تقديره، لا يزال مرتبطا بمسار أوسع يتجاوز الساحة اليمنية.

وحذر دشيلة من أن أي انهيار في اليمن أو سيطرة جماعات غير حكومية، وخصوصا جماعة الحوثي، ستكون له انعكاسات تتجاوز المستوى المحلي إلى الإقليمي.

وقال إن السعودية تدرك، بحسب رأيه، استراتيجية جماعة الحوثي القائمة على التمدد، مضيفا أن الجماعة، وفقا لتقديره، لا تقتصر مطالبها على اليمن، بل تتصل أيضا بالحجاز، في حين توجد جماعات مرتبطة بإيران في عدد من دول المنطقة.

وأضاف أن تفجر الصراع على المستوى الإقليمي قد يؤدي إلى تداخل الأزمات، بما قد يخرج إدارة الأزمة من أيدي القوى الإقليمية العربية.
التعليقات (0)

خبر عاجل