يعود الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب إلى
الأمم المتحدة الأسبوع المقبل، في وقت تواجه فيه المنظمة الدولية أزمة سياسية ومالية متصاعدة، بالتزامن مع تحولات في النظام الدولي وتراجع الدور الأمريكي الذي هيمن على النظام العالمي لعقود.
وفي مقال نشره الصحفي إيشان ثارور عبر مجلة "نيويوركر"، قال إن الحديث عن "المرحلة الانتقالية" أصبح شائعًا بين خبراء مراكز الأبحاث والدبلوماسيين المتقاعدين في واشنطن، في إشارة إلى أفول النظام الذي سادته "الهيمنة الأمريكية"، دون أن يتبلور بعد نظام جديد لـ"ما بعد أمريكا". وأوضح أن حلفاء واشنطن بدأوا بتنويع خياراتهم والتحوط لمصالحهم بدل الاعتماد الكامل على القيادة الأمريكية، فيما لا تبدو الصين مستعدة أو راغبة في ملء الفراغ الأمريكي.
ورأى ثارور أن ترامب يقف في قلب هذه المرحلة الجيوسياسية، معتبرًا أن سياساته تجاه الحلفاء والحروب والرسوم الجمركية أسهمت في زيادة الاضطراب داخل النظام الدولي. ونقل عن أنتوني سكاراموتشي، المدير السابق للاتصالات في البيت الأبيض، تشبيهه ترامب بـ"مُشعل حرائق يُضرم النار في المنزل ثم يركض إلى الخارج حاملا خرطوم المياه"، في تعليقه على الرسوم الجمركية الواسعة التي فرضتها الإدارة الأمريكية تحت شعار "يوم التحرير".
اظهار أخبار متعلقة
وأضاف أن "الترامبية" تعكس، في قراءته، أعراض المرحلة الانتقالية نفسها، في ظل الاستقطاب السياسي والتفاوت الاقتصادي داخل
الولايات المتحدة وتراجع مكانتها الدولية.
ترامب والأمم المتحدة
وأشار ثارور إلى أن ترامب سيحمل هذه المواقف إلى الأمم المتحدة خلال مشاركته السادسة في المناقشة العامة للجمعية العامة، التي تمثل إحدى أبرز مؤسسات النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية.
ولفت إلى أن ترامب استخدم مشاركاته السابقة لمهاجمة المنظمة والتشكيك في جدوى العمل متعدد الأطراف، كما انسحبت الولايات المتحدة خلال عهده من اتفاقيات ووكالات دولية، بينها اتفاق باريس للمناخ ومنظمة الصحة العالمية، وتراكمت عليها مليارات الدولارات من المستحقات المالية للأمم المتحدة.
وذكر أن الكونغرس الأمريكي بدأ في آب/ أغسطس الإفراج عن دفعة مالية بنحو 725 مليون دولار، لكن أزمة التمويل دفعت الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى التحذير من "انهيار مالي وشيك".
أزمة الأمم المتحدة
وقال ثارور إن غوتيريش، الذي تنتهي ولايته في كانون الأول/ديسمبر، يجسد صعوبة المرحلة الحالية، في ظل تراجع قدرة المنظمة على التأثير في الملفات الدولية الكبرى، والخلافات بين القوى الدائمة العضوية في مجلس الأمن.
وأضاف أن المنظمة اضطرت إلى خفض ميزانيتها والاستغناء عن نحو خُمس موظفيها وتقليص بعض عملياتها الإنسانية وحفظ السلام، بينما تحول غوتيريش، بحسب الكاتب، إلى ما يشبه "مناديا عاما" يحذر من الحروب والأزمات الإنسانية وتغير المناخ دون استجابة كافية.
وأشار إلى أن إدارة ترامب تدفع نحو تقليص دور الأمم المتحدة، مستشهدًا بتصريحات السفير الأمريكي لدى المنظمة مايك والتز، الذي قال إن المؤسسة "بحاجة ماسة إلى قيادة قوية وفعالة".
ويتزامن ذلك مع السباق لخلافة غوتيريش، وسط توقعات بأن تعارض إدارة ترامب مرشحين ذوي توجهات تقدمية. ونقل ثارور عن أستاذة السياسة الدولية في جامعة فوردهام أنجالي دايال تحذيرها من احتمال تحول الأمم المتحدة خلال السنوات المقبلة إلى منظمة هامشية.
تراجع التعددية الدولية
ورأى ثارور أن إدارة ترامب تتبنى رؤية مختلفة عن مبدأ "النزعة الدولية" الذي ساد بعد الحرب الباردة، وترفض فكرة النظام الدولي القائم على قواعد مشتركة والاعتماد على الدعم الأمريكي.
وأشار إلى تشجيع واشنطن حلفاء مثل بولندا واليابان على تعزيز قدراتهم الدفاعية، ونقل عن إلبريدج كولبي، وكيل وزارة الدفاع للسياسات، قوله إن الإدارة تتجاوز "وهم النظام الدولي الليبرالي" وتعود إلى مفهوم الحرب الباردة القائم على تعزيز الجاهزية العسكرية.
اظهار أخبار متعلقة
وأضاف أن هذه التحولات تتزامن مع تزايد النقاش حول القدرات النووية في دول مثل تركيا وكوريا الجنوبية، في ظل الحروب في الشرق الأوسط وحالة عدم اليقين بشأن السياسات الأمريكية.
عالم أكثر اعتمادا على القوة
ونقل ثارور عن هال براندز، أستاذ الشؤون العالمية في جامعة جونز هوبكنز، تحذيره من تحول العالم إلى ما وصفه بـ"جنة للعصابات"، حيث تتراجع أهمية القواعد أمام القوة.
كما استشهد باستطلاع لمؤسسة "روكفلر" شمل 16 دولة نامية، أظهر أن المشاركين في 12 دولة، بينها إندونيسيا والبرازيل والمكسيك، اعتبروا الولايات المتحدة تهديدًا أكبر لبلدانهم مقارنة بالصين أو روسيا.
ولفت إلى أن واشنطن وجدت نفسها في عهد ترامب ضمن أقلية في عدد من تصويتات الأمم المتحدة، بينها قرارات تتعلق بالحرب في غزة وتجارة الرقيق وحقوق المرأة.
الدفاع عن الأمم المتحدة
وفي المقابل، أشار ثارور إلى دفاع أنالينا بيربوك، الرئيسة المنتهية ولايتها للجمعية العامة للأمم المتحدة، عن أهمية المنظمة، محذرة من تبعات غيابها على المساعدات الإنسانية والتعليم وعمليات حفظ السلام.
واعتبرت بيربوك أن صراعات القوى الكبرى والهجمات على الأمم المتحدة أسهمت، على نحو غير مباشر، في تقارب غالبية الدول الأعضاء داخل الجمعية العامة.
وفي ختام مقاله، نقل ثارور عن كومفورت إيرو، رئيسة مجموعة الأزمات الدولية، قولها إن الأمم المتحدة، رغم ضعفها وتراجع مكانتها، لا تزال الأداة الهيكلية الأبرز المتاحة للدول للتعامل فيما بينها.
وأشارت إيرو إلى أن تكتلات مثل "بريكس بلس" لا تقدم نفسها بديلًا للأمم المتحدة، بل امتدادًا لنظام متعدد الأطراف أكثر تمثيلًا للقوى الصاعدة، فيما دعا غوتيريش إلى إصلاح المنظمة بما يعكس التحولات الديموغرافية والجيوسياسية وظهور عالم "متعدد الأقطاب".