ما بين خوض غمارها ومقاطعتها.. كيف تسير العملية الانتخابية في المغرب؟

عدة تيارات سياسية مغربية دعت لمقاطعة الانتخابات- عربي21
عدة تيارات سياسية مغربية دعت لمقاطعة الانتخابات- عربي21
شارك الخبر
قبل أيام قليلة من موعد الانتخابات التشريعية المغربية، لا يزال إسماعيل مترددا في اختيار الحزب الذي سيمنحه صوته. يقول إنه يريد التغيير، لكنه لم يحسم اختياره بعد، إذ يتابع برامج الأحزاب ويقرأ ما تطرحه من وعود في القضايا التي تمس حياته اليومية، كما يتابع جولات المرشحين وحملاتهم، قبل أن يتخذ قراره النهائي في 23 أيلول/ سبتمبر الجاري.

وعلى الجانب الآخر، حسم حسن موقفه مبكرا. لن يذهب إلى صناديق الاقتراع، كما يقول في حديثه ل"عربي21” لأنه لا يرى أن صوته قادر على تغيير الواقع، ولذلك اختار مقاطعة الانتخابات، في موقف تتبناه أيضا قوى سياسية أعلنت عدم مشاركتها في الاستحقاق.

بين الموقفين، تبدو الانتخابات التشريعية المقررة في 23 أيلول/ سبتمبر أقرب إلى الحياة اليومية للمغاربة مما قد يوحي به المشهد السياسي العام. ففي الشوارع، بدأت ملصقات المرشحين في الظهور، وتكثف الأحزاب تجمعاتها وحملاتها، فيما انتقلت المعركة السياسية أيضا إلى شاشة الهاتف؛ فيديوهات قصيرة، وشعارات، ومقاطع من التجمعات، ووعود انتخابية تتنافس على جذب الانتباه.

وتجري انتخابات 2026 في ظل منافسة على 395 مقعدا في مجلس النواب، وبمشاركة 27 حزبا في العملية الانتخابية، فيما بلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية 15 مليونا و801 ألف و162 ناخبا حتى تموز/ يوليو الماضي، بينهم 391 ألف ناخب جديد. وبدأت الحملة الانتخابية رسميا في 10 أيلول/ سبتمبر، على أن تنتهي عند منتصف ليل 22 سبتمبر، قبل التوجه إلى صناديق الاقتراع في اليوم التالي.

الأغلبية أمام اختبار الحصيلة

تأتي هذه الانتخابات بعد خمس سنوات من انتخابات 2021 التي تصدر فيها حزب التجمع الوطني للأحرار النتائج بـ102 مقعد، متقدما على الأصالة والمعاصرة بـ86 مقعدا والاستقلال بـ81 مقعدا، قبل أن تشكل الأحزاب الثلاثة ائتلاف الحكومة برئاسة عزيز أخنوش.

غير أن المشهد الحزبي قد شهد خلال الأشهر السابقة للاستحقاق الحالي تحولات في القيادة والحسابات. أعلن أخنوش عدم ترشحه لولاية ثالثة على رأس التجمع الوطني للأحرار، وانتُخب محمد شوكي رئيسا جديدا للحزب. ويأتي ذلك بينما تدخل الأحزاب الحكومية الثلاثة الانتخابات وهي مطالبة بعرض حصيلتها خلال الولاية المنتهية، وفي الوقت نفسه بتقديم تصور لما تريد القيام به خلال الولاية المقبلة.

في المقابل، كان حزب "الأصالة والمعاصرة" قد أعلن بدوره عن انضمام الوزير المنتدب المكلف بالميزانية ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، فوزي لقجع، رسميا إلى صفوفه، في خطوة لافتة مع اقتراب الانتخابات التي ستحدد ملامح الحكومة المقبلة، والتي توصف إعلاميا بـ"حكومة المونديال"، في إشارة إلى استعداد المغرب لاستضافة بطولة كأس العالم 2030 بشكل مشترك مع إسبانيا والبرتغال.

وجاء الإعلان عن انضمام لقجع خلال افتتاح الحزب أعمال الدورة الـ32 لمجلسه الوطني بمدينة سلا، في سياق عرض برنامجه الانتخابي واستكمال ترتيباته لخوض الاستحقاقات التشريعية المقبلة.

اظهار أخبار متعلقة



الصحة والتعليم.. الوعود أمام الاختبار

في الحملة الحالية، بات يصعب فصل البرامج الانتخابية عن الملفات التي كانت خلال السنوات الأخيرة في صدارة النقاش العمومي، وفي مقدمتها الصحة والتعليم والشغل والقدرة الشرائية.

في قطاع الصحة، تضع الأحزاب المشاركة مقترحات مختلفة تتعلق بتوسيع العرض الصحي، وتقوية الموارد البشرية، واستدامة التغطية الصحية، وتحسين الولوج إلى العلاج، وتقليص الفوارق بين المناطق. وتأتي هذه الوعود في وقت ارتفعت فيه مخصصات وزارة الصحة والحماية الاجتماعية في ميزانية 2026 إلى 42.4 مليار درهم، وفق المعطيات الواردة في مشروع قانون المالية.

أما التعليم، فقد خصص له قطاع التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة نحو 97 مليار درهم في قانون المالية لعام 2026. ويتركز جزء كبير من هذا الإنفاق في الأجور والالتزامات الاجتماعية ونفقات التسيير، فيما تستمر برامج مثل "مدارس الريادة" وتوسيع التعليم الأولي في الواجهة الحكومية.

في السياق نفسه، تكشف البرامج الانتخابية للأحزاب للفترة 2026-2031 عن تباين واضح في أولويات الإنفاق الصحي. إذ يراهن حزب "التجمع الوطني للأحرار" على البناء على المخصصات الحالية، مع التعهد بتعبئة اعتمادات لرفع الكثافة الطبية إلى 45 من العاملين في القطاع الصحي لكل 10 آلاف نسمة بحلول 2030، واستكمال تأهيل 1600 مركز من مراكز الرعاية الصحية الأولية.

ويركز حزب "الأصالة والمعاصرة" على ضمان استدامة صناديق التغطية الصحية اعتباراً من 2027، من خلال اعتماد بروتوكولات علاجية للحد من استنزاف الموارد المالية وضمان استمرارية خدمات أقسام الولادة.

أما حزب "الاستقلال"، فيراهن على تعزيز التمويل المحلي المستقل، عبر تخصيص ميزانيات تفضيلية للمجموعات الصحية الترابية، بهدف خفض حصة الإنفاق المباشر للأسر على العلاج والأدوية إلى أقل من 30%.

في المقابل، يقترح حزب "العدالة والتنمية" المعارض وضع سقف ملزم للنفقات العلاجية التي تتحملها الأسر مباشرة، وقصر تمويلات نظام "أمو تضامن" على المستشفيات العامة للحد من انتقال المخصصات إلى القطاع الخاص.

ويطالب حزب "الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية" بتخصيص ما لا يقل عن 15% من الاعتمادات الصحية للمناطق الريفية والجبلية، فيما يدعو حزب "التقدم والاشتراكية" إلى إعادة هيكلة الإنفاق على الأدوية، من خلال حوافز ضريبية وجمركية لدعم التصنيع المحلي، إلى جانب تنظيم هوامش أرباح سلاسل التوزيع.

الشباب.. الأحزاب تحاول الوصول إليها

وفقا لما رصدت "عربي21" فإن الشباب يحتل موقعا خاصا في هذه الانتخابات، ليس فقط باعتباره فئة انتخابية، وإنما أيضا باعتباره جمهورا تتغير طريقة تواصله مع السياسة.

وتشير معطيات نشرتها وسائل إعلام مغربية إلى أن الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاما يمثلون نحو 4% من المسجلين في اللوائح الانتخابية، مع التنبيه إلى أن هذه النسبة تتعلق بالمسجلين وليس بجميع الشباب في هذه الفئة العمرية. كما أظهرت استطلاعات ومعطيات حديثة رصدتها "عربي21" وجود مستويات محدودة من الثقة في المؤسسات السياسية لدى قطاعات من الشباب.

لذلك لم تعد القاعة الانتخابية والملصق الورقي وحدهما أدوات التواصل، إذ باتت الأحزاب تحاول نقل حملتها إلى المساحات التي يوجد فيها هذا الجمهور؛ ليصبح فيسبوك وإنستغرام وتيك توك ويوتيوب جزءا من المشهد الانتخابي، مع تركيز واضح على الفيديوهات القصيرة والمحتوى القابل للمشاركة والتفاعل المباشر مع المستخدمين.

وتؤكد معطيات رسمية أن شبكات التواصل أصبحت من الأدوات الرئيسية التي تعتمدها الأحزاب للوصول إلى الناخبين، في بلد قد بلغ فيه عدد اشتراكات الإنترنت 41.08 مليون اشتراك في نهاية آذار/ مارس 2026، بينها 38.1 مليون اشتراك في الإنترنت المتنقل.

في الجانب الآخر.. مقاطعة الانتخابات

العملية الانتخابية لا تضم فقط من اختاروا المنافسة على المقاعد البرلمانية. فهناك قوى سياسية أعلنت، لأسباب مختلفة، عدم المشاركة. في حزيران/ يونيو الماضي، أعلن حزب النهج الديمقراطي العمالي مقاطعة الانتخابات التشريعية، معتبرا أن الاستحقاق يفتقر، من وجهة نظره، إلى الشروط التي يعتبرها ضرورية لإجراء انتخابات ديمقراطية، كما دعا إلى توسيع النضال من أجل الديمقراطية والتنمية.

وفي 9 أيلول/ سبتمبر، كانت جماعة العدل والإحسان قد أعلنت بدورها مقاطعة انتخابات 23 سبتمبر، ودعت المواطنين إلى المقاطعة. وربطت الجماعة موقفها بتقييمها لطبيعة النظام السياسي والانتخابي، معتبرة أن المؤسسات المنتخبة لا تملك، وفق تصورها، القرار السياسي الفعلي، وأن شروط المنافسة السياسية والحريات لا تستوفي ما تعتبره متطلبات انتخابات حرة وعادلة.

وتقدم هذه القوى، وفقا لبياناتها التي اطلعت عليها "عربي21"، المقاطعة باعتبارها موقفا سياسيا من قواعد العملية الانتخابية ومخرجاتها، وليس مجرد امتناع فردي عن التصويت. وفي المقابل، تشارك أحزاب أخرى في الانتخابات وتقدم برامجها باعتبارها أدوات للعمل من داخل المؤسسات المنتخبة.

وهكذا لا ينحصر الاختلاف في المغرب، وفقا لما رصدته "عربي21" بين برامج حزبية متنافسة، وإنما يمتد إلى سؤال: هل المشاركة الانتخابية نفسها هي الأداة المناسبة لإحداث التغيير؟

اظهار أخبار متعلقة



من الشارع إلى الهاتف.. كيف تُدار الحملة الانتخابية؟

إذا كان قياس المشاركة السياسية يبدأ عادة من صناديق الاقتراع، فإن جزءا مهما من النقاش حول انتخابات 2026 يجري قبل ذلك بكثير، على شاشات الهواتف.

وبحسب السلطات فإن الإطار القانوني للحملة يتضمن ضوابط تتعلق بتكافؤ الفرص وحياد الإدارة وحماية حرية الناخب، ويحظر الحصول على الأصوات أو محاولة التأثير فيها عبر الهدايا أو التبرعات أو المزايا، كما يفرض قواعد على تمويل الحملات وإيداع حساباتها. وتخضع حسابات الحملات لفحص المجلس الأعلى للحسابات.

في 23 أيلول/ سبتمبر، ستنتقل المنافسة من الشاشات والمنصات والتجمعات إلى صناديق الاقتراع. وبحسب الفصل 47 من الدستور المغربي، يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. لذلك لن تكون نتيجة الاقتراع نهاية العملية السياسية، وإنما بداية مرحلة أخرى تتعلق بتوزيع المقاعد، وبناء التحالفات، وتحديد تركيبة الحكومة المقبلة.

أما ما يمكن رصده منذ الآن، وفقا لعدة منشورات رصدتها "عربي21" على مواقع التواصل الاجتماعي، فهو أن انتخابات 2026 تجري في مشهد متعدد المستويات: أحزاب تدخل السباق ببرامج ووعود اجتماعية واقتصادية، قوى سياسية ترفض المشاركة وتدعو إلى المقاطعة، ثم شريحة من المواطنين تتابع جزءا متزايدا من هذه المعركة عبر منصات رقمية لا تخضع لمنطق الحملة التقليدية وحده.

إلى ذلك، بين من يذهب إلى صندوق الاقتراع ومن يختار مقاطعته، ستبقى انتخابات 2026 اختبارا لمقدار ما تستطيع الأحزاب تقديمه للناخبين، ولمدى ترجمة النتائج التي ستفرزها الصناديق إلى تمثيل مؤسسي وسياسات عامة خلال الحكومة المقبلة.
التعليقات (0)