ثورة اليوتيوب في المغرب.. كيف تحول النفوذ من الصحيفة والحزب إلى شاشة الهاتف؟

تشير دراسة أكاديمية عن المحتوى المغربي إلى أن الخطاب الذي ينتجه صناع المحتوى يتأرجح بين الإخبار والترويج الذاتي، وهو أمر مهم لفهم أن المؤثر ليس صحافياً بالضرورة، بل صاحب هوية شخصية ومشروع جماهيري في آن واحد.
تشير دراسة أكاديمية عن المحتوى المغربي إلى أن الخطاب الذي ينتجه صناع المحتوى يتأرجح بين الإخبار والترويج الذاتي، وهو أمر مهم لفهم أن المؤثر ليس صحافياً بالضرورة، بل صاحب هوية شخصية ومشروع جماهيري في آن واحد.
شارك الخبر
لم يعد السؤال في المغرب هو: من يملك منبراً إعلامياً حتى يصنع الرأي العام؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: من يملك الجمهور، ومن يستطيع أن يخاطبه مباشرة من شاشة الهاتف؟

هذه النقلة تبدو واضحة في صعود "اليوتيوب" وبقية المنصات الاجتماعية بوصفها فضاءات لإنتاج الخبر والتفسير والتعليق والتعبئة، وليس فقط لاستهلاك المحتوى. فالمغرب كان يضم في نهاية 2025 نحو 35.5 مليون مستخدم للإنترنت، أي ما يعادل 92.2% من السكان، بينما بلغ عدد هويات مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي 22.8 مليوناً. وتُظهر بيانات Google الإعلانية أن الوصول المحتمل لإعلانات يوتيوب بلغ 21.6 مليون مستخدم، أي ما يعادل 60.8% من قاعدة مستخدمي الإنترنت في البلاد.

والأهم أن هذه ليست ظاهرة ترفيهية هامشية. فدراسة أكاديمية تناولت الانتخابات المغربية لعام 2016 خلصت، قبل سنوات من الطفرة الحالية، إلى أن الوسائط الرقمية ومدوّني الفيديو كانوا أكثر مركزية في المحادثة السياسية على يوتيوب من النخب السياسية ووسائل الإعلام الرسمية، التي غابت عن قائمة أكثر المؤثرين حضوراً.

بعبارة أخرى، ما نشهده اليوم ليس ولادة الظاهرة، بل انتقالها من طور الهامش إلى طور المنافسة على تشكيل المجال العام.

من الصحافي إلى "صانع المحتوى".. حدود تتلاشى


في المجال السياسي المغربي، تبدو حالة توفيق بوعشرين من أكثر الحالات دلالة على هذا التحول.

بوعشرين ليس وافداً من عالم المؤثرين التقليديين؛ فهو صحافي وكاتب، ومؤسس تجربة صحافية ورقية ورقمية معروفة. لكن انتقاله إلى يوتيوب خلق نموذجاً جديداً: الصحافي الذي لم يعد يحتاج إلى المؤسسة الصحافية لكي يصل إلى جمهوره.

قناته على يوتيوب، التي بدأت في 2022، تحولت إلى منصة سياسية قائمة بذاتها. وتُظهر مؤشرات القناة خلال يوليو وأغسطس 2026 أرقاماً كبيرة من المشاهدات، إذ تجاوز بعضها مئات الآلاف للفيديو الواحد، فيما تقترب القناة، بحسب أدوات تتبع الجمهور، من مئات آلاف المشتركين وعشرات الملايين من المشاهدات.

وهنا تكمن المفارقة: الصحافي الذي كان يحتاج إلى مطبعة ورأس مال ومؤسسة تحريرية وتوزيع، يستطيع اليوم أن يبني "مؤسسة إعلامية شخصية" من خلال كاميرا، ومحرر فيديو، ومنصة عالمية، وجمهور وفيّ.

وتزداد أهمية هذا التحول عندما نلاحظ طبيعة الموضوعات التي تتصدر محتوى بوعشرين: الانتخابات، النظام السياسي، الاقتصاد، الملكية، العلاقات المغربية الجزائرية، السياسة الدولية، والحكومة. أي أن المنصة لم تعد مجرد قناة شخصية، وإنما أصبحت منافساً فعلياً لجزء من الوظائف التي كانت تؤديها الصحافة السياسية.

المهداوي.. من "الصحافي" إلى "المنبر الشعب"


الحالة الثانية هي حميد المهداوي، وربما هي الأكثر وضوحاً في تحويل الشخص إلى مؤسسة إعلامية.

فالمهداوي لا يقدم نفسه فقط كصحافي ينتج مواداً إعلامية، بل أصبح هو نفسه العلامة الإعلامية. قناته تجمع بين الأخبار والتعليق السياسي والحوار والجدل المباشر، وتسمح له باستضافة شخصيات سياسية وحقوقية وإعلامية خارج القيود التقليدية لجدولة البرامج التلفزيونية.

وتكشف أرقام قناته عن حجم التحول: فقد تجاوزت القناة المليون مشترك، بينما حققت بعض حلقاته مئات آلاف المشاهدات. كما أن حضوره لم يعد محصوراً في قناته؛ فمقابلاته ومواده تعاد تدويرها على شبكات التواصل وتدخل في النقاش السياسي الأوسع.

الأهم هنا أن المهداوي يجسد انتقال الصحافة من المؤسسة إلى الشخصية. المتابع لا يذهب بالضرورة إلى "الموقع" أو "الجريدة"؛ بل يذهب إلى "المهداوي". وهذه إحدى أهم سمات اقتصاد المؤثرين: "الثقة أو الولاء أو العداء، كلها أصبحت مرتبطة بالشخص أكثر من ارتباطها بالعلامة الإعلامية.

نور الدين لشهب ويونس مسكين.. الصحافي داخل المنصة


أما نور الدين لشهب ويونس مسكين فيمثلان وجهاً آخر من الظاهرة. لشهب راكم مساراً صحافياً وفكرياً طويلاً، وظهر اسمه في صحف ومواقع مغربية وعربية في النقاشات السياسية والفكرية. وتكشف أرشيفات هسبريس والجزيرة مباشر وعربي21 حضوره الممتد في تحليل السياسة والدين والحركات الإسلامية والشأن العام.

أما يونس مسكين، فهو أيضاً صحافي من الجيل الذي نشأ في بيئة الإعلام المهني، لكنه أصبح جزءاً من النقاش حول العلاقة الجديدة بين الصحافي ويوتيوب. وفي مقال له نهاية 2025، طرح المفارقة الأساسية بوضوح: المؤسسات الإعلامية التي تنتقد يوتيوب أو تضعه في مواجهة الصحافة، تعيش هي نفسها، جزئياً أو كلياً، على مداخيل المنصات الرقمية.

وهنا تظهر نقطة مهمة: لا ينبغي وضع بوعشرين والمهداوي ولشهب ومسكين في خانة "المؤثرين" بالمعنى التجاري للكلمة من دون تحفظ. الأدق أنهم يمثلون هجرة جزء من النخبة الإعلامية والثقافية إلى المنصات، حيث تصبح الشخصية نفسها قناة توزيع ومؤسسة تحريرية ومجتمع متابعة. وهذه الهجرة هي أحد أهم مفاتيح فهم "ثورة اليوتيوب" في المغرب.

لكن الثورة الحقيقية جاءت من خارج الصحافة


إذا توقفنا عند الصحافيين فقط، سنفشل في فهم الظاهرة. فالوجه الآخر للثورة الرقمية هو أن أشخاصاً لم يأتوا من الصحافة أصلاً أصبحوا قادرين على صناعة جماهير تفوق أحياناً جماهير صحافيين ومؤسسات إعلامية.

ومن الأمثلة اللافتة في المجال الديني والاجتماعي ياسين العمري، الذي تحولت قناته الرسمية إلى منصة جماهيرية ضخمة؛ وتظهر بيانات تتبع القناة أكثر من 1.1 مليون مشترك ونحو 70 مليون مشاهدة في أغسطس 2026.

وفي المجال التقني وريادة الأعمال، يمكن الاستشهاد بـ أمين رغيب، الذي بنى حضوره حول التكنولوجيا والعمل عبر الإنترنت والأمن الرقمي والتجارة الإلكترونية. وتظهر إحدى قنواته الحالية أكثر من 156 ألف مشترك ونحو 15.5 مليون مشاهدة، إلى جانب قنوات ومشروعات رقمية أخرى مرتبطة باسمه.

وهناك أيضاً الراحل سفيان البحري، الذي يقدم نموذجاً مختلفاً تماماً: بناء نفوذ رقمي حول الصور والأخبار المتعلقة بالملك والعائلة الملكية، مع حضور واسع عبر يوتيوب وفيسبوك وإنستغرام وتيك توك. وتظهر قناته على يوتيوب قرابة مليون متابع، فيما حققت بعض المقاطع ملايين المشاهدات.

وفي مرحلة مبكرة من تاريخ اليوتيوب المغربي، شكل "مول الكاسكيطة" نموذجاً أكثر صدامية: شخص خارج المؤسسة الإعلامية التقليدية يتحول إلى فاعل في النقاش السياسي، إلى درجة أن اعتقاله سنة 2019 بعد فيديو انتقد فيه الملك والنظام أصبح قضية تتجاوز صاحب القناة نفسه إلى سؤال حدود التعبير الرقمي.

وهذه النماذج تكشف أن الظاهرة لا تتحرك في اتجاه واحد.

هناك صحافي يصبح يوتيوبر. وهناك يوتيوبر يصبح صحافياً. وهناك شخص لا هو صحافي ولا سياسي ولا أكاديمي، لكنه يصبح صاحب تأثير سياسي أو اجتماعي لأنه امتلك الجمهور.

"المؤثر" لم يعد وظيفة إعلامية بل موقعاً اجتماعياً


هذه هي النقطة الأكثر أهمية. في النموذج القديم، كانت السلطة الرمزية موزعة تقريباً بين: الصحيفة والصحافي؛ الحزب والسياسي؛ الجامعة والأستاذ؛ المؤسسة الدينية ورجل الدين؛ التلفزيون والمذيع.

أما في النموذج الجديد، فإن المنصة تستطيع أن تعطي شخصاً واحداً سلطة رمزية عابرة لهذه المؤسسات. ولهذا فإن صعود المؤثرين في المغرب لا ينبغي اختزاله في "تفاهة تيك توك" أو في ظاهرة إعلانية تبحث عنها الشركات لبيع منتجاتها.

اقتصادياً، أصبح القطاع كبيراً بالفعل؛ إذ أشارت دراسة "دي جي تراند زاد" إلى ارتفاع عدد المؤثرين في المغرب من نحو 1,400 سنة 2018 إلى 60 ألفاً في 2022، فيما قدرت تقارير سوق التسويق عبر المؤثرين في المغرب بنحو 4.2 مليارات درهم خلال 2024.

لكن الاقتصاد ليس سوى الوجه الأول. الوجه الثاني هو إعادة توزيع السلطة على الكلام. والوجه الثالث هو إعادة تعريف من يحق له أن يكون قائداً للرأي العام.

من "الإعلام" إلى "الشخصية"


التحول الأعمق أن الجمهور لم يعد يبحث بالضرورة عن "المعلومة" فقط، بل عن الشخص الذي يفسر له المعلومة. وهذا يفسر لماذا تحقق فيديوهات سياسية يقدمها شخص واحد مئات آلاف المشاهدات. الجمهور لا يستهلك الخبر فحسب، وإنما يستهلك: الموقف + الشخصية + اللغة + الانفعال + الحكاية.

وهنا يتفوق اليوتيوب على المقال الصحافي التقليدي في بعض المجالات. فالصحافي يكتب: "الحكومة تواجه أزمة سياسية". أما المؤثر فيقول للمشاهد: "دعني أشرح لك لماذا ستحدث الأزمة، ومن المستفيد منها، ومن الخاسر".  هذه النقلة من نقل الخبر إلى صناعة تفسير شخصي للخبر هي جوهر ظاهرة المؤثر السياسي.

وهل تنمو الظاهرة خارج دوائر الاتصال والإعلام؟


نعم، وبقوة؛ لكن ليس بالدرجة نفسها في كل المجالات.. في المجال الترفيهي والاجتماعي والتجاري، خرجت الظاهرة منذ وقت طويل من دوائر الإعلام التقليدي. أما في المجال السياسي، فما زال هناك اعتماد قوي على أشخاص يمتلكون أصلاً رأسمالاً مهنياً أو ثقافياً أو إعلامياً.

وهذا يعني أننا أمام مسارين متوازيين:

ـ المسار الأول: الإعلاميون الذين يهاجرون إلى المنصات.. بوعشرين، المهداوي، مسكين، ولشهب ينتمون بدرجات مختلفة إلى هذا المسار.

ـ المسار الثاني: صعود مؤثرين من خارج الصحافة.. هؤلاء يأتون من التكنولوجيا، والدين، والترفيه، والرياضة، والأزياء، والطبخ، وريادة الأعمال، والحياة اليومية، ثم ينتقل بعضهم تدريجياً إلى إبداء الرأي في القضايا العامة.

وتشير دراسة أكاديمية عن المحتوى المغربي إلى أن الخطاب الذي ينتجه صناع المحتوى يتأرجح بين الإخبار والترويج الذاتي، وهو أمر مهم لفهم أن المؤثر ليس صحافياً بالضرورة، بل صاحب هوية شخصية ومشروع جماهيري في آن واحد.

الشباب هو الحلقة الحاسمة


لماذا ينجح هذا النموذج؟ لأن المنصة لا تنتظر أن يأتي المواطن إليها. هي تذهب إليه. والمغرب مجتمع رقمي بدرجة عالية: أكثر من تسعة أعشار السكان متصلون بالإنترنت، ونحو 22.8 مليون هوية مستخدم على شبكات التواصل، بينما يصل يوتيوب إلى عشرات الملايين من المستخدمين المحتملين.

كما أن البحث الأكاديمي في المغرب سبق أن أظهر كيف استخدم الشباب المهمشون يوتيوب لإنتاج خطاب مضاد للخطابات المهيمنة، في نموذج «حكايات بوزبال» الذي دُرس باعتباره ممارسة من ممارسات المواطنة الثقافية والاحتجاج الرمزي على التهميش والمؤسسات.

إذن، المسألة ليست مجرد انتقال من التلفزيون إلى الهاتف. إنها انتقال من مواطن يتلقى الخطاب إلى مواطن يستطيع أن ينتج الخطاب ويجد له جمهوراً.

الانتخابات المقبلة قد تكون مختبراً حاسماً


تكتسب الظاهرة أهمية إضافية مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقبلة. وفي أبريل 2026، رصدت SNRT بالفعل حضور المؤثرين في النقاش العمومي قبل الانتخابات، معتبرة أن بعضهم بدأ يستهدف الشباب بالتعبئة والتوعية بالقضايا السياسية والمشاركة المواطنة، وسط تفسير يرى أن جزءاً من صعودهم يعود إلى عجز الخطاب السياسي التقليدي عن مخاطبة الشباب بلغته ومنصاته.

وهنا قد تظهر معادلة جديدة: الحزب لديه التنظيم، لكن المؤثر لديه الجمهور. الحزب يمتلك مناضلين محليين وشبكة انتخابية. المؤثر يمتلك ملايين المشاهدات وربما علاقة يومية مباشرة مع المتابع.

والسؤال الذي ستطرحه الانتخابات المقبلة هو: من يستطيع تحويل المتابعة الرقمية إلى سلوك سياسي حقيقي؟ فليس كل مليون مشاهدة صوتاً انتخابياً، وليس كل مليون متابع كتلة سياسية. لكن تجاهل هؤلاء المتابعين لم يعد ممكناً.

من "المؤثر" إلى "قائد رأي"؟


هنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات:

ـ صانع محتوى: ينتج مادة تجذب المشاهدات.

ـ مؤثر: يستطيع تغيير سلوك أو موقف جزء من جمهوره.

ـ قائد رأي: يستطيع نقل قضية من المنصة الرقمية إلى النقاش العام والمؤسسات والإعلام والسياسة.

المغرب بدأ ينتقل من المستوى الأول إلى الثاني، وبعض الشخصيات بدأت تقترب من المستوى الثالث. وهذا ما يجعل تجربة المهداوي أو بوعشرين مثيرة للاهتمام: فهما لا يكتفيان بجمع المشاهدات، بل يساهمان في وضع أجندة للنقاش. وعندما يبدأ السياسيون والصحافيون والحقوقيون في الرد على ما يقال في قناة يوتيوب، تكون المنصة قد تجاوزت وظيفة الترفيه وأصبحت جزءاً من المجال السياسي.

لكن الثورة تحمل معها أزمة ثقة جديدة


المشكلة أن تحرر صناعة الرأي من المؤسسات لا يعني بالضرورة تحررها من التحيز أو التضليل. الصحافة التقليدية، رغم كل عيوبها، لديها قواعد مهنية: مصدر، تحرير، تصحيح، مسؤولية قانونية، وتمييز نظري بين الخبر والرأي. أما المؤثر فقد يبني جمهوره على أساس الشخصية والحميمية والانفعال.

ولهذا يمكن أن يصبح "البوز" بديلاً عن التحقق. وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج اقتصاد المنصات: الخوارزمية لا تكافئ بالضرورة الأكثر دقة، وإنما تكافئ غالباً الأكثر قدرة على جذب الانتباه.

وقد ظهر هذا التوتر في المغرب بوضوح خلال السنوات الأخيرة، مع حملات واعتقالات طالت بعض صناع المحتوى، ومع جدل سياسي وقانوني واسع حول حدود حرية التعبير ومسؤولية المنصات.

ليست "ثورة يوتيوب" إذن ثورة منصة فقط


الأدق أن نتحدث عن ثورة في بنية الوساطة. في السابق كان بين المواطن والحدث عدد من البوابات: الصحافي، رئيس التحرير، القناة التلفزيونية، الحزب، المؤسسة الثقافية. اليوم يستطيع الهاتف اختصار كل هذه المسافة. وهذا لا يعني أن الوسيط اختفى. بل يعني أن الوسيط تغير. أصبح الوسيط هو الخوارزمية، والمنصة، والعلامة الشخصية، والجمهور، وقوة التفاعل.

ومن هنا يمكن فهم صعود بوعشرين والمهداوي، كما يمكن فهم ياسين العمري وأمين رغيب وسفيان البحري ونماذج أخرى مختلفة في المحتوى والجمهور والمرجعية.

المغرب أمام "طبقة مؤثرين" جديدة


التحول الجاري في المغرب لا يتعلق فقط بظهور عشرات آلاف المؤثرين، بل بولادة طبقة جديدة من الفاعلين في المجال العام. بعضهم صحافيون غادروا المؤسسة إلى المنصة. وبعضهم سياسيون يحاولون الوصول إلى جمهور المنصة. وبعضهم نشأ أصلاً خارج الإعلام ثم اكتشف أنه يستطيع أن يمارس تأثيراً اجتماعياً وسياسياً. وبعضهم بنى جمهوره على الترفيه، ثم وجد نفسه قادراً على التأثير في النقاش العام.

لذلك فإن الإجابة عن سؤال: "هل تنمو الظاهرة خارج دوائر الاتصال في المغرب؟" هي نعم، ولكن مع تحفظ مهم: مركز الثقل يتوسع خارج الإعلام التقليدي أسرع بكثير من توسع النفوذ السياسي الخالص خارج دوائر الصحافة والسياسة.

والأرجح أن السنوات المقبلة ستشهد امتزاجاً أكبر بين العالمين. فالمؤثر سيحتاج إلى الصحافي للحصول على المعلومة والمصداقية. والصحافي سيحتاج إلى المؤثر للوصول إلى الجمهور. والسياسي سيحتاج إلى الاثنين.

أما الجمهور، فقد بدأ بالفعل في اختيار وسيط جديد: الشخص الذي يثق به على شاشة هاتفه. وهنا تكمن الثورة الحقيقية: لم يعد السؤال "من يملك الوسيلة؟"، بل "من يملك الانتباه؟"؛ ومن يملك الانتباه، يستطيع بدرجات متفاوتة أن يملك جزءاً من صناعة الرأي العام.
التعليقات (0)