مع اقتراب موعد
الانتخابات التشريعية
المغربية المقررة في 23 سبتمبر/أيلول الجاري، جدد عبد الواحد متوكل، رئيس الدائرة
السياسية لجماعة العدل والإحسان، موقف الجماعة الرافض للمشاركة في الاستحقاق،
معتبرا أن
المقاطعة تمثل، من وجهة نظرها، وسيلة لكشف طبيعة النظام السياسي
والانتخابي القائم، وليس انسحابا من الشأن العام أو تخلّيا عن الاهتمام بقضايا
المجتمع.
وقال متوكل، في
تصريحات نشرها موقع الجماعة
اليوم، إن الجماعة تسعى من خلال مقاطعة انتخابات 2026 إلى ما وصفه بـ"تعرية
نظام الفساد والاستبداد"، معتبرا أن الانتخابات، وفق قراءته، لا تؤدي إلى
تغيير جوهري في السياسات العامة أو في طريقة تدبير شؤون البلاد، حتى مع تغير
الوجوه والأحزاب داخل المؤسسات المنتخبة.
ويأتي موقف الجماعة في وقت دخلت فيه
الانتخابات التشريعية مرحلتها النهائية، مع استمرار الحملة الانتخابية حتى منتصف
ليلة 22 سبتمبر، قبل توجه الناخبين إلى صناديق الاقتراع في اليوم التالي لاختيار
أعضاء مجلس النواب.
المقاطعة.. موقف سياسي لا انسحاب من الشأن
العام
دافع متوكل عن قرار المقاطعة باعتباره خيارا
سياسيا مبنيا، بحسب تعبيره، على قراءة لتجارب انتخابية سابقة داخل المغرب وخارجه،
نافيا أن يكون الهدف منه الابتعاد عن الشأن العام.
وقال إن المقاطعة لا تعني "التخلي عن
الاهتمام بأمر الأمة"، وإنما هي، بحسبه، "موقف واع وخلاصة دراسة
متأنية" للتجارب السابقة، مضيفا أن الجماعة لا تريد، وفق تصوره، تقديم وعود
للناس لا ترى إمكانية لتحقيقها في ظل الظروف السياسية القائمة.
ويرى رئيس الدائرة السياسية للجماعة أن
المقاطعة ينبغي أن تقترن بعمل سياسي ومجتمعي يتجه إلى رفع مستوى الوعي بطبيعة
النظام السياسي، وبناء ما وصفها بـ"إرادة الإنسان الفاعل" الساعي إلى
الحرية والعدل والكرامة.
وبذلك، لا يقدم متوكل المقاطعة باعتبارها
هدفا نهائيا قائما بذاته، بل كجزء من تصور أوسع للتغيير السياسي؛ إذ يؤكد أن تغيير
النظام السياسي إلى وضع أفضل لا يمكن أن يتحقق بالمقاطعة وحدها، وإنما من خلال
مجموعة من العوامل، معتبرا أن المقاطعة تؤدي، من وجهة نظر الجماعة، وظيفة سياسية
تتمثل في كشف ما تراه اختلالات في بنية النظام والمؤسسات.
انتقاد وظيفة المؤسسات المنتخبة
ويذهب متوكل في قراءته إلى أن الانتخابات لا
تنتج، في الظروف الحالية، مؤسسات قادرة على ممارسة صلاحيات فعلية في التشريع
والرقابة وتدبير السياسات العامة.
ويستند في ذلك إلى انتقاد بنية العملية
السياسية برمتها، معتبرا أن تغيير موازين القوى داخل البرلمان لا يؤدي بالضرورة
إلى تغيير السياسات التي تحكم تدبير البلاد. وقال إن الانتخابات قد تفضي إلى تغيير
بعض الوجوه، لكن ذلك لا يعني، بحسبه، تغييرا في "السياسات التي تخدم مصالح
فئة تعد على الأصابع" أو في طريقة تدبير الشأن العام.
كما اعتبر أن من بين ما يراه مكاسب للمسار
الذي تتبعه الجماعة من خارج المؤسسات، اتساع دائرة الوعي بما يصفه بالطبيعة
الاستبدادية للنظام، وبغياب الإرادة السياسية لإجراء الإصلاحات التي تراها الجماعة
ضرورية.
وأضاف أن الضغط السياسي والاجتماعي من خارج
المؤسسات يمكن، بحسب تصوره، أن ينتج أثرا لا تستطيع حكومة أو برلمان إنتاجه في ظل
ما يصفه بقيود النظام القائم.
وتطرح هذه القراءة نفسها في مواجهة التصور
الذي يربط التغيير السياسي أساسا بالمشاركة في المؤسسات المنتخبة؛ فبينما تخوض
الأحزاب المغربية السباق للحصول على مقاعد مجلس النواب وتشكيل الأغلبية الحكومية،
ترى العدل والإحسان أن المشكلة، كما يعرضها متوكل، تتجاوز نتائج الانتخابات إلى
طبيعة النظام السياسي الذي تعمل داخله هذه المؤسسات.
"استحالة"
تشكيل حكومة تنفذ برنامج حزب واحد
وانتقل متوكل إلى انتقاد النظام الحزبي
والتحالفات الحكومية، معتبرا أن أي حزب، حتى في حال حصوله على نتيجة انتخابية
قوية، لن يكون قادرا بمفرده على تشكيل حكومة وتنفيذ برنامجه السياسي.
وقال إنه "يستحيل" على أي حزب،
وفق تقديره، أن يحصل على الأغلبية التي تمكنه من قيادة الحكومة وتنفيذ برنامجه،
مضيفا أنه حتى في حال حقق حزب ما "انتصارا كاسحا" فإنه سيضطر إلى
التحالف مع أحزاب أخرى لتشكيل الحكومة.
ويرى القيادي في العدل والإحسان أن هذا
الوضع يطرح، بحسبه، إشكالا سياسيا يتعلق بمدى قدرة الأحزاب على تنفيذ برامجها
الانتخابية، خصوصا عندما تضطر بعد الانتخابات إلى الدخول في تحالفات مع قوى كانت
تنتقدها خلال الحملة الانتخابية.
ويطرح متوكل من خلال ذلك سؤالا حول مدى قدرة
الناخب على محاسبة حزب على برنامج انتخابي إذا كان تنفيذ البرنامج يتطلب لاحقا
الدخول في تحالفات وتقديم تنازلات سياسية.
وتبقى هذه النقطة جزءا من تقييم متوكل
للنظام الحزبي المغربي، وليست توصيفا محايدا لنتائج الانتخابات المقبلة، التي لم
تُجر بعد، ولا لما ستؤول إليه تركيبة الحكومة الجديدة.
أفق المقاطعة.. ليست خيارا دائما
وفي ما يتعلق بمستقبل موقف الجماعة من
الانتخابات، حاول متوكل رسم حدود واضحة بين رفض المشاركة في الظروف الحالية وبين
رفض الانتخابات من حيث المبدأ.
وقال إن الجماعة لا تقاطع "للمقاطعة من
أجل المقاطعة"، وإنما بسبب ما يعتبره غياب "أبسط الشروط" التي تجعل
المشاركة ذات جدوى وتمنح العملية الانتخابية معنى سياسيا حقيقيا.
وبحسب هذا التصور، فإن المشاركة يمكن أن
تصبح خيارا عندما تتغير طبيعة العملية الانتخابية والمؤسسات المنبثقة عنها، بحيث
تكون الانتخابات حرة ونزيهة وتنتج، وفق تعبيره، خريطة سياسية تعبر عن إرادة
المواطنين، وتفضي إلى مؤسسات ذات مصداقية وصلاحيات فعلية.
وأضاف أن المشاركة، في حال تحقق هذه الشروط،
تصبح هي "الأصل" ووسيلة لتنظيم الاختلاف والتداول السلمي على الحكم.
ويكشف هذا الموقف عن أن الجماعة لا تربط
موقفها الرافض بالمشاركة الانتخابية بالمبدأ الانتخابي نفسه، وإنما تربطه، وفق ما
يطرحه متوكل، بشروط سياسية ودستورية ومؤسساتية ترى أنها غير متوافرة حاليا.
أربعة شروط للمشاركة
وحدد متوكل ما يعتبرها الشروط السياسية
والمؤسساتية الضرورية للانتقال من المقاطعة إلى المشاركة، واضعا الدستور في مقدمة
هذه الشروط.
وقال إن الجماعة تريد "دستورا جديدا
شكلا ومضمونا"، يضمن الفصل بين السلطات الثلاث، ويمنح مؤسسات الحكم صلاحيات
حقيقية، ويربط المسؤولية بالمحاسبة، ويضمن المساواة أمام القانون.
ويأتي البرلمان في المرتبة الثانية ضمن هذا
التصور؛ إذ يشترط متوكل أن يكون البرلمان معبرا عن اختيار المواطنين، وقادرا فعليا
على أداء وظيفتي التشريع والرقابة، بدلا من أن يكون مؤسسة محدودة الصلاحيات.
أما الشرط الثالث، فيتعلق بالحكومة، إذ
يريدها متوكل حكومة "مسؤولة" تملك القدرة على تنفيذ البرنامج الذي وصلت
على أساسه إلى الحكم، بما يعني، وفق هذا التصور، أن تكون السلطة التنفيذية قادرة
فعليا على اتخاذ القرارات وتنفيذ السياسات التي التزمت بها أمام الناخبين.
ويتمثل الشرط الرابع في استقلال القضاء،
بحيث يكون القضاء، وفق تعبيره، خاضعا للقانون لا للتعليمات، وقادرا على ممارسة
وظيفته باستقلال عن بقية السلطات.
وتقدم هذه الشروط مجتمعة تصورا لما تعتبره
الجماعة إصلاحا بنيويا للنظام السياسي، وليس مجرد تعديلات تقنية على قانون
الانتخابات أو إجراءات الاقتراع.
من الانتخابات إلى إعادة بناء النظام
السياسي
وتتجاوز مواقف متوكل في الحوار مسألة
المشاركة في انتخابات 23 سبتمبر إلى طرح تصور أوسع لطبيعة التغيير السياسي الذي
تطالب به الجماعة.
فهو لا يختزل الإصلاح في تغيير الحكومة أو
البرلمان، بل يربطه بإعادة النظر في توزيع الصلاحيات داخل الدولة، وبطبيعة العلاقة
بين المؤسسات المنتخبة وباقي مكونات النظام السياسي.
وفي هذا السياق، يرى أن جوهر المشكلة يتمثل
في ما يصفه باحتكار السلطة والثروة، وضعف آليات ربط المسؤولية بالمحاسبة، وعدم
انعكاس إرادة الناخبين، بحسب تصوره، بصورة كافية على صناعة القرار السياسي.
ويقول إن الانتخابات، في ظل هذه الظروف،
تستخدم لإنتاج "مؤسسات صورية" لا تستطيع ممارسة وظائفها بالشكل الذي
تراه الجماعة متاحا في الأنظمة الديمقراطية.
جماعة خارج المؤسسات منذ عقود
ويعيد موقف العدل والإحسان من انتخابات 2026
إلى مسار طويل من عدم المشاركة في الانتخابات، مع اعتماد العمل الدعوي والسياسي
والمجتمعي خارج المؤسسات المنتخبة كإحدى سمات حضور الجماعة في المشهد المغربي.
وكان متوكل قد عبر في مواقف سابقة عن
استعداد الجماعة للحوار مع مختلف الجهات، لكنه ربط ذلك برفض ما تعتبره الجماعة
شروطا لإخضاعها سياسيا. كما سبق أن قالت الجماعة إن عدم مشاركتها لا يعني الانسحاب
من الحياة العامة، بل اختيار مسار سياسي مختلف عن المشاركة الحزبية والمؤسساتية.
وأعاد متوكل التأكيد على أن الجماعة لا ترى
في المقاطعة غاية بحد ذاتها، وإنما وسيلة ضمن تصور أوسع للتغيير، مع إبقاء باب
المشاركة مفتوحا من حيث المبدأ إذا تحققت الشروط التي حددها.
انتخابات في مرحلة حاسمة
ويأتي تجديد الجماعة لموقفها قبل أيام قليلة
من الاقتراع التشريعي في سياق انتخابي يشهد منافسة الأحزاب على 395 مقعدا في مجلس
النواب، موزعة بين دوائر محلية وجهوية.
وتكتسب الانتخابات أهمية سياسية إضافية،
نظرا إلى ارتباط تركيبة مجلس النواب بتشكيل الحكومة المقبلة، في وقت تخوض فيه
الأحزاب حملاتها الانتخابية على ملفات اقتصادية واجتماعية وتنموية، وتسعى إلى
استقطاب الناخبين قبل إغلاق الحملة مساء 22 سبتمبر.
وفي المقابل، يضيف موقف العدل والإحسان بعدا
آخر إلى النقاش الانتخابي، يتعلق بنسبة المشاركة وجدوى العملية السياسية ومدى قدرة
المؤسسات المنتخبة على ممارسة صلاحياتها.
وبينما تراهن الأحزاب المشاركة على صناديق
الاقتراع لتغيير موازين القوى داخل البرلمان والحكومة، تدعو جماعة العدل والإحسان
إلى مقاطعة الاستحقاق، معتبرة أن تغيير الأشخاص داخل المؤسسات لا يعالج، من وجهة
نظرها، جوهر المشكلة السياسية.
بين المقاطعة والمشاركة.. سؤال أوسع
ويضع موقف متوكل الانتخابات المقبلة أمام
نقاش يتجاوز التنافس على المقاعد والبرامج الانتخابية، إلى سؤال العلاقة بين
المشاركة السياسية وطبيعة المؤسسات التي تنتجها الانتخابات.
فالجماعة تقول إن المشاركة تصبح ذات معنى
عندما تكون الانتخابات حرة ونزيهة، وتكون المؤسسات المنتخبة ذات صلاحيات حقيقية،
بينما تعتبر أن الشروط الحالية لا توفر، في تقديرها، الأساس الكافي للمشاركة.
وفي المقابل، تظل الانتخابات الآلية
الدستورية القائمة لاختيار أعضاء مجلس النواب وتشكيل الأغلبية الحكومية، وهو ما
يجعل الاستحقاق المقبل اختبارا للمشهد الحزبي والمؤسساتي، وفي الوقت نفسه مناسبة
لإعادة طرح سؤال المقاطعة وحدود تأثيرها في الحياة السياسية.
ومن خلال تصريحاته الأخيرة، يقدم متوكل
مقاطعة انتخابات 23 سبتمبر باعتبارها جزءا من مشروع سياسي أوسع للجماعة، يقوم على
الضغط من خارج المؤسسات والمطالبة بإصلاحات دستورية ومؤسساتية عميقة، مع الإبقاء
على المشاركة الانتخابية خيارا مشروطا بتحقق ما تعتبره الجماعة ضمانات أساسية
لانتخابات حرة ونزيهة ومؤسسات ذات صلاحيات فعلية.
اظهار أخبار متعلقة