كيف تحاصر أزمة المحروقات حكومات أفريقيا وتهدد استقرار القارة؟

تعتبر الدول الأفريقية من أكثر الدول المتضررة من الأزمة الناجمة عن تعطل الملاحة في مضيق هرمز- الأناضول
تعتبر الدول الأفريقية من أكثر الدول المتضررة من الأزمة الناجمة عن تعطل الملاحة في مضيق هرمز- الأناضول
شارك الخبر
تتزايد وتيرة الغضب الشعبي في العديد من العواصم الأفريقية، منذرة بموجة احتجاجات اجتماعية، على خلفية الارتفاع غير المسبوق في أسعار المحروقات وتداعيات الإلغاء المتدرج أو المفاجئ للدعم الحكومي.

وتعتبر الدول الأفريقية من أكثر الدول المتضررة من الأزمة الناجمة عن تعطل الملاحة في مضيق هرمز، إذ أن اعتماد معظم دول القارة على استيراد الوقود المكرر من منطقة الخليج جعلها أول المتأثرين. 

وقد أدى تسارع معدلات التضخم وتراجع قيمة العملات المحلية أمام الدولار إلى عجز الحكومات عن الاستمرار في برنامج الدعم، لتتحول أسعار المحروقات إلى مصدر للاحتجاج والتوتر السياسي بالقارة السمراء.

وفي ظل ضغوط المؤسسات المالية الدولية، مثل صندوق النقد والبنك الدوليين، تجد الحكومات الأفريقية نفسها عالقة في عنق الزجاجة؛ بين مطرقة سداد الديون المتراكمة وسندان الشارع الذي يئن تحت وطأة تضخم قياسي وتآكل حاد في القدرة الشرائية.

وتدفع الشعوب الأفريقية بما فيها تلك التي تطفو بلدانها على بحار من النفط فاتورة باهظة لأزمات الاقتصاد العالمي.

واتجهت العديد من الحكومات الإفريقية إلى تبني سياسات ترتكز أساسا على الإلغاء المفاجئ أو التدريجي للدعم الحكومي عن المحروقات، أسفرت عن موجات غلاء غير مسبوقة وضعت ملايين المواطنين تحت خط الفقر.

اظهار أخبار متعلقة


أزمات خانقة 

في ظل غياب الخدمات الأساسية وضعف شبكات الأمان الاجتماعي، ظلت الحكومات الأفريقية تحرص على تخصيص جزء كبير من ميزانياتها لدعم المحروقات، لكن مع تفاقم أزمات الديون التي وصلت في دول مثل كينيا إلى نحو 73 بالمئة من الناتج المحلي الخام، تدخل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي فارضين شروطا صارمة لتقديم القروض، على رأسها تحرير أسعار الطاقة وزيادة الضرائب.

وفي هذا السياق يقول الكاتب والمحلل السياسي المتابع للشأن الأفريقي محمد الأمين عبدوتي، إن تحرير أسعار المحروقات ورفع الدعم عنها، ترجم في الشارع إلى أزمات خانقة ببعض دول القارة.

ولفت عبدوتي في تصريح لـ"عربي21" إلى أن ارتفاع أسعار الوقود لا يعني مجرد زيادة في تكلفة النقل، بل انسحب تلقائيا على كافة سلاسل الإمداد، لترتفع أسعار الغذاء والدواء والإيجارات، مما زاد من معاناة المواطن الأفريقي الذي يعاني أصلا جراء أزمات متعددة.

وحذر محمد الأمين عبدوتي، من أن العديد من الدول الأفريقية قد تعرف اضطرابات واحتجاجات واسعة خلال الفترة القادمة إذا استمرت أسعار المحروقات في الارتفاع ولم تتدخل الحكومات في تثبيتها.

فاتورة باهظة بنيجيريا

في نيجيريا أكبر منتج للنفط في أفريقيا، تبدو الصورة أكثر قتامة، فمنذ إعلان الحكومة، عن إنهاء الدعم للوقود، دخلت البلاد في نفق مظلم من التضخم.

 ورغم أن الحكومة بررت خطوتها بوقف نزيف مالي كان يكلف الخزينة العامة مليارات الدولارات سنويا إلا أن الثمن الاجتماعي كان فادحا.

في عام 2022، أُجبرت الحكومة النيجيرية على إنفاق 10 مليارات دولار للحفاظ على سقف أسعار البنزين لحماية المستهلكين، ولكن مع وصول الموازنة إلى حافة الانهيار جراء الارتفاع المذهل في أسعار المحروقات عالميا بفعل الأزمة في الشرق الأوسط والحرب الأمريكية الإيرانية، اتخذت السلطات قرارا بإلغاء الدعم، لتنطلق موجة غلاء لا تزال ارتداداتها تضرب الأسواق.

وقد أدت هذه السياسات إلى إغلاق العديد من الشركات المحلية والأجنبية، وارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات قياسية، وتعميق الهوة بين الأغنياء والفقراء. 

وحذر خبراء اقتصاد من أن استمرار اضطراب الإمدادات في الشرق الأوسط، يضع السلطات أمام مواجهة محتدمة مع النقابات العمالية والشارع المحتقن الذي يرى أن تكلفة نقل الركاب والبضائع أصبحت تلتهم أكثر من نصف الأجر اليومي للعمال.

وتعيش الحكومة النيجيرية اليوم تحت ضغط هائل ومخاوف مستمرة من إضرابات النقابات العمالية واحتجاجات شعبية قد تعطل شرايين الاقتصاد، خاصة وأن تكلفة المعيشة تضاعفت في وقت تآكلت فيه القوة الشرائية للمواطنين بشكل شبه كامل.

اظهار أخبار متعلقة


كينيا.. "جيل زد" يرفض دفع الفاتورة

وفي منطقة أخرى من القارة السمراء تقدم كينيا نموذجا حيا لكيفية تحول الأزمة الاقتصادية إلى شرارة لغضب سياسي يقوده الشباب. 

ففي تقرير حديث صدر في أغسطس 2026، كشفت منظمة العفو الدولية عن تسجيل 453 احتجاجا في كينيا خلال النصف الأول فقط من عام 2026، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 29 بالمئة مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2025.

اللافت في الحالة الكينية، أن المحرك الرئيسي لهذه الاحتجاجات لم يعد مجرد مطالب نقابية، بل باتت أسعار الوقود وتكلفة المعيشة هي المحفز الأول للغضب الشعبي.

وبدأت شرارة هذا الحراك الذي يوصف بأنه بلا قيادة أو انتماء قبلي مع فرض ضرائب مضاعفة على الوقود والسلع الأساسية.

ورغم أن الحكومة الكينية حاولت امتصاص الغضب بدمج شخصيات معارضة في الحكومة وتأخير بعض القرارات، إلا أن الشارع لم يهدأ.

وقد وثقت التقارير الحقوقية اعتقالات واسعة جراء الاحتجاجات المطالبة بخفض الأسعار.
وفي هذا السياق يقول محمد الأمين عبدوتي في حديثه لـ"عربي21" إن حراك الشباب ببعض الدول القارة يعني أنه لم يعد مستعدا لدفع ثمن السياسات المالية الحكومية. 

وأضاف أن الزيادة الملحوظة في الاحتجاجات الشعبية في دول مثل كينيا تعكس أزمة معيشية هيكلية تتسع دائرتها في مختلف أنحاء القارة الأفريقية، حيث تشكل الضغوط التضخمية الحادة وارتفاع أسعار الوقود صدمة مزدوجة للمواطنين.

وأوضح أن هذا الواقع يحتم على الحكومات الأفريقية إدراك أن الحلول الأمنية وحدها لن توقف هذا الغليان، بل تستوجب تحولا عاجلا نحو إصلاحات اقتصادية حقيقية تستجيب للنبض الاجتماعي وتعيد بناء جسور الثقة.

أنغولا معادلة الدعم تحت إملاءات التقشف

لم تكن أنغولا رغم كونها منتجا رئيسا للنفط، بعيدة عن تأثيرات العاصفة، فمع ارتفاع أسعار الطاقة العالمية وضغوط صندوق النقد الدولي المستمرة لتقليص أعباء الدعم لضمان الاستدامة المالية، رفعت الحكومة أسعار الديزل بنسب تجاوزت 33%، مما أدى لارتفاع فوري في أسعار النقل العام بواقع 50%.

هذا القرار أدى إلى مظاهرات في لواندا ومناطق أخرى، واجهتها الحكومة بالقمع واعتقال العشرات.
وتظهر التحليلات الاقتصاديّة أن تداعيات أزمة هرمز، قد تدفع أنغولا إلى زيادة إضافية في أسعار المحروقات، وفي حين يبلغ متوسط دخل أكثر من نصف السكان أقل من 3.65 دولار يوميا، فإن أي زيادة في سعر المحروقات ستكون بمثابة تهديد للأمن الغذائي والمعيشي المباشر.

زيادات في مختلف بلدان القارة 

في غرب القارة أقرت السنغال زيادة جديدة في أسعار المحروقات دخلت حيز التنفيذ في 15 أغسطس 2026، حيث ارتفع سعر لتر البنزين إلى 990 فرنكا أفريقيا ولتر الديزل إلى 755 فرنكا، بزيادة قدرها 70 إلى 75 فرنكا للتر الواحد لتخفيف عبء الدعم الحكومي وسط صدمة أسعار النفط.

كما أقرت غامبيا زيادات حادة بلغت 18.79% للبنزين و12.20% للديزل، استجابة لارتفاع تكاليف الاستيراد الناجمة عن اضطرابات الملاحة وأزمة مضيق هرمز.

وفي شرق القارة سجلت ملاوي واحدة من أعلى القفزات السعرية إثر الأزمة، حيث أعلنت هيئة تنظيم الطاقة الملاوية عن رفع أسعار البنزين بنسبة 34% والديزل بنسبة 35%.

وبالمثل، رفعت تنزانيا أسعار المحروقات بنسبة بلغت 33% لكل من البنزين والديزل في محاولة لضمان استمرار الإمدادات المحلية.

وفي غانا، رفعت الهيئة الوطنية للبترول أسعار البنزين بنسبة 15% والديزل بنسبة تقارب 19%، كما انضمت دول أخرى مثل إثيوبيا وزيمبابوي ومالي وبوتسوانا لقائمة الدول التي أقرت زيادات متفاوتة استجابة لتصاعد أسعار الخام عالميا.
التعليقات (0)